غالبا ما تكتسب السيرة الذاتية المُدوَّنة بقلم الكاتب أهمية خاصة لدى القارئ، لأنها تستثير شغفه في معرفة جوانب خفية من أسرار وحياة صاحبها. وربما الإقرار بهذه المسألة لا يثير جدلا بين أوساط القراء، إنما سيحظى على شبه إجماع منهم.
وبقدر ما شهدت الأجناس الأدبية من تطور في مسار أساليبها وبنيتها وتقاناتها، فإن شكل السيرة الذاتية قد اتاحت له إمكانية الانفتاح على مساحات جديدة من التحول والتطور، في إطار بنيته الجمالية، وبهذا الخصوص لا يمكن إغفال عملية التلاقح التي توفرت لهذا الشكل من نصوص البوح من جانب بقية الفنون السردية، خاصة أن قضية تداخل الأجناس باتت تفرض حضورها في الكتابة الإبداعية السردية، من هذه الزاوية يمكن قراءة كتاب «عام السرطان» للكاتبة سالمة صالح، الصادر عن دار الجمل في منتصف عام 2017.
من يطّلع على هذا المطبوع الذي جاء على شكل مخطوطة مذكرات تحكي تجربة خاصة مرت بها المؤلفة بعد ان أصيبت بمرض السرطان، سيجد نفسه أمام كتاب يحمل طابعه الخاص المؤثر من الناحية الإنسانية، قبل أن يُخضِعَ بنيته الفنية لعملية نقد وتشريح، سواء من حيث الشكل التجنيسي، أو من حيث تقانات السرد التي لجأت إليها المؤلفة في تشكيل خطابها. «لم يثر لديّ الخبر أي شعور بالخوف أو الحزن، ولا أي سؤال عما يمكن أن يحدث في الأيام المقبلة، لم أشعر بالصدمة ولذلك لم أنطق بكلمة «خراء» الأكثر استعمالا بالألمانية التي كان يمكن أن أصرخ بها، أو أقولها همسا».
لم يغب عن ذهن المؤلفة وهي تستعد للبدء بمشروع الكتابة بهذا النص أن تضع استراتيجية محكمة تهدف من ورائها لاستقطاب اهتمام القارئ، لأنه سيجد نفسه أمام عمل سردي ليس له مرجعية فنية تضعه في سياق الأعمال الأدبية القائمة على التخييل، بقدر ما يكتسب حضوره الفني من واقعيته المرتبطة بشخصية المؤلفة وحضورها الإنساني. من هنا حاولت سالمة صالح على ما يبدو في مقترحها الشكلي صياغة مذكراتها اعتمادا على بنية السرد الروائي السيرذاتي، فتقمصت شخصية السارد للأحداث، مستعينة بضمير المتكلم سعيا منها إلى إلغاء المسافة بينها كمؤلفة وبين شخصية السارد، بذلك كانت تقانة (التبئير) حسب الناقد جيرار جينت مدخلا تقنيا، أتاح لها أن تقف أمام ذاتها لترصدها، بعد أن ألغت تماما الطبيعة التخيلية للكتاب، خصوصا أنها لم تصنِّف المطبوع بحقل أدبي محدد في عتبة الغلاف، فكان من المنطقي أن يتشكل حضوره خارج خانة الأدب الروائي أو القصصي، فأصبحنا أمام نص سيرذاتي طالما أن المؤلفة هي ذاتها شخصية السارد بضمير المتكلم. «في الثلاثين من شهر يوليو/ تموز عدت من العيادة بعد أن حصلت على لتر من الدم. تناولتُ طعام الغداء وشعرت بالنشاط بعد حمام ساخن، فقررت أن أذهب إلى السوق القريب وكنت على مبعدة أقل من مئة متر منه، خانتني قوتي، شعرت بضعف شديد فلم أستطع متابعة الطريق إلى السوق، الذي بدا لي قريبا وبعيدا في آن، فقررت العودة. صرت أقطع المسافة من شجرة إلى أخرى، مسافة قد لا تزيد على الستة أمتار، أستند إلى الشجرة في استراحة قصيرة قبل أن أتابع السير لأستند إلى الشجرة التالية. كنت أحمل تلفونا معي، لكني كنت أضعف من اتصل بسيارة اسعاف».
راهنت سالمة صالح على خيارها التقني الذي ألغت بموجبه حالة الإيهام بين شخصية السارد للأحداث والمؤلف الواقعي، وعلى ما يبدو فإن سعيها كان متجها إلى تحقيق ملاحقة تفصيلية لرحلة علاجها التي استغرقت عاما كاملا في أحد المستشفيات الألمانية للشفاء من مرض السرطان، بعد أن ظهرت ثلاث عقد صلبة خلال أسبوع واحد في الجهة اليمنى من رقبتها. أزيلت منها في ما بعد سبع غدد لمفاوية بعملية جراحية.
لعلنا لن نأتي بشيء جديد، إذا ما قلنا بأن خبرة المؤلفة الطويلة في القص وما تمتلكه من دراية في الإمساك بتقنيات السرد الروائي، استندت إليها وهي تستعيد صياغة تفاصيل هذه التجربة الذاتية، بالشكل الذي حافظت فيه على جنسانية المخطوطة في كونها مذكرات، قبل أن يتورط القارئ في إلحاقها بمرجعية أدبية من نوع آخر.
«في المساء اتصلتُ بفاضل وقلتُ له إنني سأعود غدا إلى المنزل. سأل عن نتائج الفحص، فأخبرته إنّه السرطان. سمعتُ صوته يتهدّج وعرفت أنه يبكي. قلت له: لا تبكِ فإنني لم أمت». كان واضحا مدى استثمارها تقنيات السرد السيرذاتي لرسم الملامح الداخلية للشخصية الساردة وبقية المرضى وهم يواجهون محنة تلقي جرعات العلاج الكيميائي الأسبوعية وما يتبعها من أعراض وأوجاع في اليوم الذي يعقب تلقي الجرعة الأسبوعية.
«حين انهى فيلفريد جلسة العلاج ونهض لينصرف توقف قبل أن يبلغ الباب، التفت إلى الممرضات في الغرفة المجاورة وقال شيئا بالعربية، وتحدث عن غوته بلهجة خطابية فبدا مثيرا للشفقة مثل ممثل هزلي يحاول أن يقدم عرضا لم يعد أحد يجد فيه تسلية، مهرج تخلى عنه جمهوره، لا أظن أن أحدا فهم شيئا مما قال».
لم يخضع زمن الخطاب السردي في هذا الإصدار إلى تركيبة معقدة ذات مستويات متعددة، لأن العمل لم يعتمد في نظام بنائه على صيغة التوازي في تقديم أكثر من حدث في زمن واحد، بل كان هنالك زمن خطي واضح يسير بشكل متتابع، ومن هنا توالى المتن الحكائي وفق سيرورة الزمن الواقعي، بعيدا عن الإغواءات التي يتيحها المبنى الحكائي في التلاعب بالزمن، ولعل ذلك يفسر لنا لجوء سالمة صالح إلى تقسيم الزمن في تتابع المتن الحكائي إلى 37 فقرة كل واحدة منها حملت عنوانا (في عيادة الدكتور ت، معدة بلون الورد، في غرفة العلاج ، بداية الألم ).
يمكن القول بأن هذا الإصدار يعد اضافة نوعية في المدونة السردية العربية، والملاحظ أن هذا النمط من الكتابة لم يكن شائعا في خريطة السرد العربي طيلة العقود الماضية، ربما يعود ذلك إلى أسباب اجتماعية تتعلق بالبيئة الشرقية المحافظة التي عادة ما تغيّب الذات الفردية أمام هيمنة المحيط الخارجي بمحمولاته الثقيلة من أعراف وتقاليد ومنظومة دينية، إلا أننا بدأنا نشهد تحولا وانفتاحا بدأ يتمظهر في حقل الكتابة السردية خلال العقد الأخير، وربما يندرج في إطار محاولات فردية تهدف إلى تجريب أنماط من البوح خارج منظومة الأنواع المتداولة من الكتابة السردية، إلا أن تجربة سالمة صالح من الصعب وضعها في هذا الإطار لكونها تعيش في المغترب الأوروبي لفترة تزيد على الأربعة عقود، وهي بذلك تمتلك حريتها كاملة في التعبير ذاتها بالشكل الذي لا تخضع فيه لهيمنة المحددات القيمية التي تفرضها سلطة المجتمع الشرقي.
وبخصوص سيرتها الذاتية فقد ولدت سالمة صالح في مدينة الموصل شمال العراق وعاشت طفولتها فيها، وفي عام 1961 أصدرت أول مجموعة قصصية وهي لم تزل في التاسعة عشرة من عمرها، قبل أن تنتقل إلى العاصمة العراقية لتدرس الموسيقى في معهد الفنون الجميلة حتى عام 1969، ثم تدرس القانون في جامعة بغداد وفي الوقت نفسه عملت في الصحافة حتى عام 1977 حيث غادرت وطنها نهائيا في تلك السنة لتستقر في ألمانيا. وفي عام 1986 حصلت من جامعة لايبزك على شهادة الدكتوراه في الصحافة، وكان عنوان أطروحتها «اتجاهات عالمية في تطور وسائل الإعلام». كما أصدرت في المغترب الأوروبي عددا من المؤلفات منها: البحث عن الخلندق، زهرة الأنبياء، شجرة المغفرة، النهوض، التحولات، كالكنج، الهاوية، عام السرطان، إضافة إلى ترجمتها لعدد من الإصدارات الأدبية من اللغة الألمانية إلى العربية.
٭ كاتب عراقي
مروان ياسين الدليمي