مر عام على انطلاق الحراك الشعبي في بغداد وعدد من مدن العراق، الشرارة أشعلها سوء الخدمات وتردي الوضع الأمني الهش والمخترق بحسب مشيئة الإرهابيين، كل ذلك حرك جموعا شعبية متنوعة، لا يجمعها غطاء سياسي ولا يوحدها سوى مطالب الخدمات والأمن والوقوف بوجه الفساد الذي وصل مديات لم يصلها في أي مكان في العالم. هذه محاولة قراءة المحطات المهمة والتعرجات التي ألمت بالحراك الشعبي في جرد حساب سريع.
منذ تموز /يوليو 2015 حتى الآن لم يتوقف التظاهر الأسبوعي في بغداد ومدن الوسط والجنوب إلا في فترة قصيرة في رمضان الماضي الذي تزامن مع معارك تحرير الفلوجة نهاية شهر ايار/مايو الماضي حيث علق المتظاهرون – أو أغلبهم – تظاهراتهم دعما للجيش العراقي والقوى الساندة له وهو يخوض معارك شرسة لتحرير مدن غرب العراق من احتلال ما يسمى تنظيم «الدولة». عام على التظاهرات وما تزال أغلب سمات التظاهر لم تتغير ، فقد أطلق المتظاهرون على نفسهم توصيف (مدنيون) ، وهو توصيف موارب لا يجرؤ على البوح بتوصيف أكــــثر وضوحا مثل (علمانيون) ، ربما بسبب الفهم الخاطئ للعلمانية وبسبب سطوة الإسلاميين في الدولة والمجتمع كما أن الحراك خلا أو كاد من رأس أو قيادة واضحة تحدد خطواتــــه ومطالبه بوضوح، ومن ثم وكما هو معروف في كل الحــركات الاحتجاجية، خوض مفاوضات مع الحكومة حول جدولة المطالب.
إن غياب القيادة الواضحة بالرغم من وجود (شخصيات) فاعلة بعضها مدني مستقل وبعضها شيوعي (لكنهم كانوا يشاركون بصفتهم الشخصية لا الحزبية) اعتبرها البعض ميزة ودينامية في الحركة الاحتجاجية بينما رآها آخرون أحد العيوب الأساسية التي حدت من فاعلية حركة الاحتجاج المدنية.
التخوف من طرح شكل واضح للقيادة ربما كان وراءه الخوف من الاتهام بركوب موجة التظاهر، كما أن أغلب الفاعلين أو المحركين في التظاهرات كانوا من الكتاب والصحافيين والناشطين المدنيين، وهم يرون أنهم لا يملكون صرامة سطوة القيادة السياسية التقليدية التي تأمر قواعدها، بل طرحوا شكلا هلاميا من العلاقة بينهم وبين كتلة أو جموع المتظاهرين، علاقة يمكن وصفها بالحركية المستمرة لكنها في كثير من الأحيان لم تكن منتجة لفعل مرسوم، فهم يذوبون تارة في الجموع ، وتارة يقودونهم ويوجهونهم ، وفي لحظات حرجة قد ينسحب البعض منهم لأسباب شخصية أو موضوعية دون إعلان الأسباب.
اختلفت توصيفات ما يجري من حراك بين من أطلق على الاحتجاجات صفة الثورة الشعبية وبين من أسماها تظاهرا سلميا يكفله الدستور، وبين التوصيفين كان ثمة غياب لوضوح الرؤية، وهي سمة أخرى من سمات الحراك الشعبي، فإذا حاولنا إمساك خيط المطالب منذ بدء الاحتجاج حتى الآن سنكتشف أننا لا نمسك شيئا حقيقيا، الكل يطالب بمحاربة الفساد ومعاقبة الفاسدين، لكن الكل لا يعلم ما هي الآلية التي يمكن أن تتبع في ذلك، الخطوات والمطالب كانت وكأنها صرخات من وصل الى حد اليأس ويريد حلا ولا يهمه كيف يمكن تحقيق ذلك، التظاهرات تطالب بمحاسبة الوزراء الفاسدين وإقالتهم، تتحرك السلطة التنفيذية وتلقي بالون اختبار إصلاحاتها للبرلمان الذي بدوره يرحب بالإصلاح لكنه يؤطره بورقة إصلاحات قانونية ودستورية تليها حركة ضاغطة من الشارع مطالبة بإقالة البرلمان الفاسد فيلتف على حركة الشارع عدد من النواب المشاركين أصلا في الفساد ويطرحون أنفسهم كمطالبين بالإصلاح، فينشق البرلمان على نفسه مما يسبب إرباكا في عمل السلطة التنفيذية، مظاهرات تطالب بإصلاح القضاء ومحاسبة الفاسدين فيه ممن عششوا في مفاصل السلطة القضائية منذ أكثر من عقد من الزمان لكن مع غياب آلية دستورية تؤطر هذا الإصلاح تتبخر الصرخات وتطوى لتنفتح صفحة جديدة.
بعد مرور أشهر على الحراك الشعبي (المدني ) الذي طالب أفراده بكل شيء ،من إقالة الفاسدين إلى إعدام كل السياسيين في الميادين العامة دون رد فعل حقيقي أو استجابة من الحكومة، بدأ الحراك بالتأكل والتراجع فجاء الدعم من تيار شعبي إسلامي ضخم هو التيار الصدري الذي مع دخوله الحركة الاحتجاجية منحها انطلاقة جديدة .
لقد كانت سمة (المدنية) السمة الأساسية في الحراك الشعبي عند انطلاق الاحتجاجات ما يعني ضمنا أنها كانت توجه النقد لأحزاب الإسلام السياسي التي تربعت على كرسي السلطة في العراق ومارست فشلا ذريعا على كل الأصعدة، ومارست فسادا ونهبا أوصل حال البلد إلى هاوية سحيقة. ومن شعار (باسم الدين باكونا (سرقونا) الحرامية) الذي كان مدويا في الأيام الأولى للتظاهر والذي يحمل نقدا حادا لمنظومة الإسلام السياسي، الشيعي تحديدا، الممسكة بزمام السلطة تغير الأمر مع دخول فصيل إسلامي – سياسي هو التيار الصدري في تحالف مع ما بات يعرف بالتيار المدني ليتحول الصراع إلى مطالب واستجابات أو نوعا من السباق في التحدي وكسر الإرادات.
تصاعدت حدة الخطاب المتبادل بين الطرفين، المحتجون والحكومة، فدعى السيد مقتدى الصدر إلى اعتصام مفتوح في ساحات عدة محيطة بالمنطقة الخضراء، ومع ازدياد الضغط اعتصم السيد الصدر شخصيا ووحيدا في المنطقة الخضراء، ثم مع إبداء البرلمان والحكومة استعدادا لاتخاذ بعض الخطوات المطلوبة التي تبلورت بشكل (حكومة تكنوقراط) أرخي الضغط من قبل المحتجين، وأنفض الاعتصام. ومع فشل البرلمان في إقرار الأمر حدث انشقاق في البرلمان ولد على أثره ما بات يعرف بكتلة الإصلاح البرلمانية المكونة من طيف من الكتل السياسية السابقة التي اعتصم نوابها في البرلمان، وبعد أن احتلوا قاعة البرلمان عقدوا جلسة أقالوا فيها رئاسة البرلمان وكانوا يطالبون بإقالة رئاسة الحكومة والجمهورية، وأيضا دون أن يعرف أحد ما هي الآلية أو الخطوات السياسية التي ستخرج العراق من أزمته التي وصلت حد الانفجار .
البرلمان مشلول والحكومة متشرذمة بين استقالات وكابينة وزارية جديدة لم تتم الموافقة عليها، والشارع متوتر ، كل تلك العوامل قادت إلى اقتحام المتظاهرين للمنطقة الخضراء ومبنى البرلمان والتهجم على بعض أعضائه. وحتى في هذه اللحظة الحرجة التي حاول البعض تصويرها بأنها ثورة شعبية ستطيح بالعملية السياسية برمتها لم تكن هناك رؤية واضحة تتوج بمطالب مدروسة، مع غياب التنسيقيات التي تشرف على الاحتجاجات مما أدى إلى أن لجنة من التيار الصدري مسؤولة عن التظاهر هي التي اصبحت صاحبة القرار وطلبت من المتظاهرين الانسحاب من البرلمان، ثم تم اقتحام المنطقة الخضراء مرة أخرى بعد أسبوعين، لكن هذه المرة لم تكن كسابقتها، حيث تصدت القوات الأمنية والعسكرية للمتظاهرين مما أدى إلى مقتل اثنين من المتظاهرين وجرح عدد منهم، وازداد التوتر إلى الدرجة التي اضطرت الحكومة إلى رفع درجة الاستعداد إلى حالته القصوى فيما يخص قوات عمليات بغداد، كما تم نشر القطعات العسكرية في الميادين والشوارع خوفا من أي تحرك قد تقوم به (سرايا السلام )الجناح العسكري للتيار الصدري لدعم التظاهرات .
اجتمع البرلمان برئاسته المعزولة/المعادة ، التي لم تبت المحكمة الاتحادية بشرعية إقالتها إلا بعد أن اجتمع البرلمان وحقق النصاب، حيث عزل نواب (كتلة الإصلاح) الذين أضربوا واحتلوا القاعة الرئيسية للبرلمان، مما اضطر د.سليم الجبوري إلى نقل الجلسة إلى قاعة أخرى في البرلمان حيث تم التصويت على جزء من الكابينة الوزارية الموصوفة بكونها (تكنوقراط ومستقلة). وهذه كانت مطالب جزء مهم من الشارع ، وبشكل خاص التيار الصدري إلا أن التعثر أصاب إكمال إقرار الحكومة الجديدة مما خلق أزمة جديدة ، ولولا بدء العمليات العسكرية غرب العراق، ربما شهدنا صدامات أخرى حتى أن بعض المراقبين عزوا إطلاق الحملة العسكرية كونها محاولة من د.حيدر العبادي للقفز على الأزمة الحكومية. وبغض النظر فقد علقت مظاهرات التيار الصدري في شهر رمضان وتمت الدعوة إلى مظاهرة مليونية بعد عيد الفطر لتبدأ جولة جديدة من الضغوط.
في جرد حساب سريع لما مر خلال عام نستطيع أن نتبين أن المظاهرات برغم التحولات التي مرت بها ما زالت تحمل السمات نفسها،غياب القيادة الواضحة مع بروز شبه قيادة عبر تنسيقات غير واضحة المعالم، كذلك غياب أو عدم وضوح المطالب، فتارة تتبنى الاحتجاجات شعار (شلع قلع ) الذي أطلقه السيد الصدر والذي يعني نسف العملية السياسية بالكامل، وتارة تتم المطالبة بإصلاحات وخدمات يمكن للحكومة العمل عليها، وعدم وضوح الأهداف قائم على غياب المشروع السياسي الواضح ، فالاحتجاجات أصبحت بوتقة اجتمع فيها المستقل والسياسي، العلماني والإسلامي، وحتى أصحاب المطالب الفئوية كبعض منتسبي الشركات أو الوزارات الذين يطالبون بحقوقهم لكنها من جانب آخر وطدت إحساس الفرد العراقي بأهمية سعيه وإمكانية حصول التغيير بالاعتماد عليه، فهل يمكن أن تبلور الحركة الاحتجاجية تيارا جديدا يفرض نفسه عبر العملية الانتخابية القادمة؟ هذا ما يتمناه طيف واسع لأنه يعتبر الخيار الأفضل من احتمالية اندلاع اقتتال بين الفرقاء السياسيين لا أحد يعلم إمكانية الخروج منه.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي