بعد عام من بدء الحملة التي قادتها المملكة العربية السعودية ضد المتمردين الحوثيين والموالين للرئيس السابق علي عبدالله صالح، لا يزال الحكم على «عاصفة الحزم» مفتوحا، فهي وإن استطاعت وقف سيطرة وتوسع تحالف الحوثيين ـ صالح على معظم اليمن وحررت مناطق عدة من هذا البلد الذي يعد من أفقر دول الجزيرة العربية ويواجه كارثة إنسانية إلا أنها لم تحقق هدفها الرئيسي الذي انطلقت من أجله وهو احتواء الحوثيين ـ هزيمتهم وإعادة حكومة عبد ربه منصور هادي إلى العاصمة صنعاء أي الحكومة الشرعية، بالإضافة لمنع التوغل الإيراني في الحديقة الخلفية للسعودية وهزيمة إيران في هذا البلد الذي لم تنجح فيه التدخلات العسكرية. ولا تزال حكومة هادي تعمل بين عدن والرياض ويراوح تحرير تعز مكانه وصنعاء في قبضة الحوثيين وإيران الخارجة من اتفاقها النووي مع الولايات المتحدة تبدو أكثر جرأة من ذي قبل. ولا يزال الحوثيون يسيطرون على 8 محافظات من 22 محافظة يمنية فيما استفاد تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة في شبه الجزيرة العربية من حالة الفوضى وبناء قواعد تأثير في الجنوب اليمني. ويضاف إلى هذا النظرة الجيوسياسية في الحرب الإقليمية التي تخوضها إيران ضد السعودية خاصة في سوريا. فالتحالف الروسي ـ الإيراني ـ نظام بشار الأسد وحزب الله يبدو بعد تدخل موسكو في سوريا نهاية شهر إيلول (سبتمبر) 2015 قويا أمام التحالف الذي يدعم المعارضة السورية أي تركيا والسعودية والذي يواجه تحديات كبيرة خاصة بعد التقدم الطفيف لقوات الأسد في شمال البلاد. هذا بعد، أما البعد الآخر فهو التراجع الأمريكي من المنطقة والرؤية التي عبر عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مقابلته مع مجلة «ذا أتلانتك» وحدد فيها رؤيته للسياسة الخارجية وموقفه من دول الخليج ـ السعودية تحديدا، حيث بدا ناقدا واتهمها مع دول أخرى بمحاولة استغلال القوة الأمريكية لمصالحها الضيقة. وهو ما أدى برد غاضب من الأمير تركي الفيصل، مدير المخابرات السعودية بمقال «لا يا سيد أوباما».
دعم أوباما
ورغم دعم الولايات المتحدة للحملة السعودية في اليمن من ناحية توفير المعلومات الأمنية والدعم اللوجيستي وتقديم السلاح، إلا أن هذا الدعم جاء كما علقت صحيفة «نيويورك تايمز» (15/3/2016) من أجل ترضية السعوديين في وقت كانت إدارة أوباما تدير محادثاتها مع إيران حول ملفها الأمني. وكان موقف أوباما هذا ضد رأي عدد من المستشارين الذين رأوا أن الحرب ستكون طويلة وغير حاسمة. وأدى قرار البيت الأبيض إلى انتقادات حيث قال السيناتور الديمقراطي كريستوفر ميرفي، عضو لجنة العلاقات الخارجية «عندما أقرأ عن الصراع في اليمن أجد صعوبة في فهم ما هي مصلحة الولايات المتحدة». وقال روبرت مالي، المسؤول عن السياسة في الشرق الأوسط في البيت الأبيض إن أمريكا كانت محقة في دعم حليفتها القديمة ولكنه أكد «إنها ليست حربنا». وفي هذا السياق قالت الصحيفة إن السعوديين بدأوا بالتحاور مع المسؤولين في وزارة الدفاع حول الحملة العسكرية قبل أن يذهب وزير الخارجية عادل الجبير الذي كان في حينه سفيرا لبلاده في واشنطن في شهر آذار (مارس) العام الماضي للبيت الأبيض واجتمع مع مستشاري أوباما وقال لهم أن إيران دخلت حديقة السعودية الخلفية وأنها تساعد الحوثيين الذين استولوا على العاصمة في اليمن ويحاولون إقامة قواعد صواريخ باليستية تكون المدن السعودية في مداها. وقال إن السعودية وجاراتها الخليجية على وشك شن حملة لدعم الحكومة العاجزة. والمخاوف من الصواريخ الباليستية وسيطرة الحوثيين عليها كان دافعا من دوافع دعم الإمارات العربية للحملة السعودية كما يشير مقال دورية «فورين أفيرز» حول السياسة الخارجية الإماراتية كتبه ديفيد روبرتس.
الحزم
وبدا من مواقف السعودية والأحداث المتتالية أن الرياض تسعى خاصة في ظل القيادة الجديدة للملك سلمان بن عبد العزيز ونجله محمد، وزير الدفاع وولي العهد محمد بن نايف لمواجهة إيران «وتلقينها» درسا في اليمن كما يرى كبير مسؤولي البيت الأبيض سابقا فيليب غوردون والباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية «كان هدفهم الأساسي هو تلقين إيران درسا». مع أن الأمير محمد بن سلمان أكد في مقابلته التي أجرتها معه مجلة «إيكونوميست» البريطانية بداية هذا العام أن السعودية لا تسعى أو ترغب بمواجهة مع إيران لأنها ستكون كارثية على المنطقة كلها.
مشاكل لوجيستية
وتشير «نيويورك تايمز» إلى مشاكل اعترت الحملة والتي نبعت من قلة خبرة الطيارين السعوديين في الطيران فوق اليمن وتخوفهم من نيران العدو الأرضية ولهذا كانوا يطيرون على ارتفاعات كبيرة لتجنب النيران الأرضية. ويقول المسؤولون الأمريكيون أن الطيران على ارتفاعات عالية قلل من دقة القصف وزاد عدد الضحايات المدنيين. وقدم المستشارون الأمريكيون نصائح لكيفية التحليق على ارتفاعات منخفضة بشكل آمن وتكتيكات أخرى ولكن المشكلة ظلت قائمة. ونظرا لعدم التقدم الكبير للعملية الجوية بدأ السعوديون في التفكير في عملية برية.
الإنزال في عدن
ومن هنا أخذت الإمارات وهي جزء من التحالف في التجهيز لعملية إنزال برمائية في عدن وطلبت المساعدة في التخطيط للعملية من قوات أمريكية خاصة متمركزة في أبو ظبي. ولكن رفض الطلب لخشية المسؤولين في البيت الأبيض من الإنجرار إلى معركة فاشلة. ومع ذلك استمر الإماراتيون بالتخطيط وفي تموز (يوليو) طلبوا من البنتاغون قوارب إنزال وغير ذلك من الدعم للقيام بهجوم كبير في عدن. ولم تستجب البنتاغون لأنها رأت في الطلب عملية كبيرة فيها آلاف الجنود ودبابات ومدافع وطائرات عمودية مخاطرة كبيرة وأكبر من إمكانيات الإمارات العسكرية إلا أن الإمارات استمرت بدون مساعدة أمريكية ونجحت. وواجهت الإمارات مشاكل أخرى فبعد شهرين من عملية الإنزال في عدن قتل 45 إماراتيا وعدد من جنود الدول الأخرى في محافظة مأرب في هجوم صاروخي حوثي. وردت الإمارات بدك مواقع الحوثيين. وطلب المسؤولون الإماراتيون من البنتاغون طائرة تزويد بالوقود إضافية ولم تستجب البنتاغون في البداية. ورغم تصحيح الخطأ إلا أن المسؤولين العرب فسروا تأخر الولايات المتحدة بالإستجابة لهم بأنه جزء من القرار العسكري الأمريكي لمنع غارات مكثفة على صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون. وواجهت القوة الإماراتية التي دخلت عدن مشاكل بسبب الفوضى وتدهور الأمن حيث توقفت عن تسيير دوريات في شوارع المدينة وسلمت المهمة للجنود السودانيين الذين انضمت بلادهم للتحالف الذي تقوده السعودية. وتم سحب هذه القوات إلى خارج المدينة بسبب الفوضى وسيطرة الميليشيات عليها.
لم يتغير
ونقل موقع «ميدل إيست أون لاين» عن تشارلس شميدتز من معهده في واشنطن قوله إن القوى المعادية لهادي وحكومته لم تهزم بعد. ويرى أن الحوثيين وصالح نجحوا نوعا ما رغم غياب الدعم الجوي لهم وكانوا قادرين على الاحتفاظ بمناطق. ويقول جوردان بيري من شركة «فيرسيك مابلكروفت» الاستشارية إن الحوثيين أُثبتوا قدرة على التمسك بالمناطق والسيطرة على مفاصل هامة من الدولة. وأضاف أن التحالف عانى من مشاكل تتعلق بنقص الخبرات الفنية والميدانية. ومن المشاكل الأخرى هي صعود تأثير القاعدة وتنظيم الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية. ويقول بيري إن حكومة هادي والتحالف الداعم لها «أعطوا أولوية لمعركتهم ضد الحوثيين». ولم يلتفتوا والحالة هذه للإنجازات التي حققها المتشددون الذين استغلوا الفراغ الأمني حيث سيطرت القاعدة على مناطق واسعة في حضرموت.
نهاية اللعبة
في الأسبوع الماضي أعلن المتحدث باسم قوات التحالف العقيد أحمد عسيري أن القوات ستخفف من حدة الغارات الجوية وستحول جهدها نحو تقديم الغطاء الجوي للقوات الموالية للحكومة الشرعية التي تقاتل الحوثيين والموالين لصالح. وأكد أن التحالف سيعمل على أهداف «طويلة الأمد «ودعم استقرار البلاد. ويقول المسؤولون السعوديون أنه تم تحويل الجهود من حملة واسعة إلى دعم أهداف مختارة. وفي الوقت الذي أعلن فيه إسماعيل ولد الشيخ عن خطة لوقف إطلاق النار تبدأ في كل أنحاء اليمن في 10 نيسان (إبريل) تتبعها محادثات بين الطرفين في الكويت في 18 نيسان (إبريل) إلا أن حالة الإنسداد والجمود على الساحة ربما كانت سببا في البحث عن مخرج للطرفين. وكان عادل الطريفي، وزير الإعلام السعودي قال بصراحة خلال نقاش بمعهد كارنيغي الدولي للسلام في واشنطن «كنا نأمل في البداية أن يكون الأمر سريعا وأن يعود الحوثيون إلى صوابهم ويعلموا أن مهاجمة السعودية ليس فيه مصلحة لليمنيين.. [ولكن الآن] لا تبدو هناك نهاية للعبة». وهو اعتراف أن الحرب طالت أكثر مما خطط لها السعوديون والقوى التي تحالفت معهم.
البحث عن تسوية
وفي التقييم النهائي يرى إبراهيم فريحات، من معهد بروكينغز في الدوحة أن «القليل قد تحقق من الحملة». وأضاف حسبما نقلت عنه صحيفة «فايننشال تايمز» (18/3/2016) «طالما لم يتم التوصل لاتفاق ينهي القتال ويؤدي لسحب قوات الحوثيين من العاصمة. وبدون هذا لن تحقق الحملة أهدافها». وقال إن «دعوات إنهاء العمليات القتالية يشير إلى تقدم ملموس حصل في المحادثات بين السعوديين والحوثيين». ففي الأسبوع الماضي عقد ممثلون عن الجماعة الحوثية اجتماعات مع مسؤولين سعوديين في الرياض دعوا فيها إيران التوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية اليمنية، وهو ما رحبت به السعودية. وحتى لو تم وقف الحرب فتحقيق السلام في البلاد سيكون مهمة صعبة. فسيواجه اليمن مشكلة انتشار الميليشيات التي لم تحقق أهدافها ولا توجد سلطة تسيطر عليها حسب قول بيتر سالزبري من المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن (تشاتام هاوس). وتربط «فايننشال تايمز» بين المتطلبات الاقتصادية التي فرضها تراجع أسعارالنفط على السعودية ومحاولات البحث عن نهاية للحرب. وتشير إلى الوساطات الجارية بين المسؤولين السعوديين والقبائل الحدودية بمن فيها الحوثيين والهادفة لوقف القصف الصاروخي على المدن السعودية الجنوبية والتي أدت لضحايا بين المدنيين لم يتم الحديث عنها. وتهدف أيضا لتسهيل مرور القوافل الإنسانية وإيصال المساعدات الضرورية والقيام بعمليات تنظيف للألغام على الحدود. ويرى شميدتز من معهد الشرق الأوسط أن الوساطات الحدودية «تقدم بصيص ضوء» لنهاية الحرب. وأضاف «يحتاج الحوثيون لسحب قواتهم والتخلي عن الإيرانيين واحترام المصالح السعودية». إلا أن جوردان بيري يشك في انسحاب الحوثيين من كل المناطق التي سيطروا عليها خـــاصة صنعاء التي تعتبر أهم انجاز لهم «وهي لا تتـــعرض لخطر هجوم محتوم». ومن هـــنا يرى أن تسوية شاملة ودائمة تظل «بعيدة» وهناك إمكانية «محدودة» للتشارك في السلطة في ظل استمرار الإنقسامات.
وترى مجلة «إيكونوميست» (26/3/2016) أن الحديث عن وقف إطلاق للنار متعجل، خاصة أن خطوط القتال ظلت طوال الشهور الماضية ثابتة وعلى حالها، وتعود الناس على صوت الغارات كما نقلت عن مواطن في صنعاء التي عادت إليها الحياة «الطبيعية». وأشارت إلى التحولات الجديدة والقرار السعودي الذي يشبه القرار الروسي في سوريا، وقف الغارات بشكل عام والتركيز على أهداف مختارة لدعم قوات هادي. وعن الخيارات السلمية تقول إن صفقة بدأت تتشكل وتتضمن السماح لحكومة هادي في عدن العودة إلى صنعاء بشكل يحميها من هجمات القاعدة. ومقابل هذا سيحصل الحوثيون على وزارات مهمة وتولي الحكومة دفع رواتب مقاتليهم. ومن خلال هذا يمكن للتحالف الذي قادته السعودية القول أنه منع وقوع عاصمة عربية جديدة تحت الهيمنة الإيرانية. فيما سيشرعن الحوثيون وجودهم في الدولة تماما كما فعل حزب الله في لبنان. وعلى العموم تظل هذه هي ملامح الصفقة التي سيتم التفاوض عليها. لكن اليمن مهشم ولا يمكن في الوقت الحالي تجميعه بطريقة يخضع لحكومة مركزية. فالحرب خفضت الدخل السنوي للسكان إلى النصف وشردت 2.5 مليون نسمة وقتلت أكثر من 6.000 شخص. وتقول الأمم المتحدة أن ثلث سكان البلاد وعددهم 21 مليون نسمة بحاجة لمساعدات عاجلة.
إبراهيم درويش