إسطنبول ـ «القدس العربي»: عام كامل مر على محاولة الانقلاب العسكرية في تركيا والتي فشلت في إنهاء حكم حزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان، واعتبرت بمثابة محطة مفصلية في تاريخ الشعب والسياسة التركية التي اشتهرت بكثرة الانقلابات العسكرية طوال العقود الماضية.
وبعد عام كامل من الإجراءات المتلاحقة التي غيرت شكل الدولة والجيش والحياة السياسية بشكل عام ما زال العديد من الأسئلة يطرح بقوة في تركيا لعل أبرزها هل انتهى خطر الانقلابات العسكرية في البلاد؟ وهل نجح أردوغان في القضاء بشكل كامل على أنصار غولن وما كان يعرف بـ«الكيان الموازي؟».
ما يُجمع عليه المراقبون أن تركيا ما قبل محاولة الانقلاب التي جرت في الخامس عشر من تموز/يوليو الماضي لم تعد كما قبلها، وأن أردوغان تمكن بالفعل من القيام بتغييرات جوهرية غيرت شكل الدولة وتركيبة الجيش وهو ما كان يستعصي عليه القيام به منذ سنوات طويلة ولم يكن له القيام بتلك التغييرات بهذه السرعة لولا الانتصار الذي خرج به عقب محاولة الانقلاب.
لكن ما لا يُجمع عليه المراقبون قول البعض إن هذه الإجراءات أنهت خطر الانقلابات العسكرية بشكل كامل، مستدلين على ذلك باستمرار حملات الاعتقال والتطهير ضد المتهمين بالانتماء إلى ما بات يطلق عليه «تنظيم غولن» والتي ما زالت تطاول بشكل يومي شخصيات سياسية وعسكرية وموظفين في أماكن حساسة في الدولة.
عملياً وعقب محاولة الانقلاب التي اتهم الداعية المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن بالمسؤولية عن التخطيط لها وقيادتها، اتخذ أردوغان العديد من القرارات التي أحدثت تغييراً كبيراً في تركيبة وتبعية المؤسسات الأمنية في البلاد من خلال تعزيز سلطته على مجلس الشورى العسكري الأعلى والذي يمثل أعلى هيئة عسكرية في الدولة.
وضمن سلسلة قرارات هدفت لإحكام سيطرة المدنيين على الجيش، تم إلحاق قيادات القوات البرية والبحرية والجوية في تركيا بوزارة الدفاع، وإلحاق القيادة العامة للدرك وقيادة خفر السواحل، بوزارة الداخلية بشكل كامل، بالإضافة إلى «تخويل رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، إذا لزم الأمر، الحصول على معلومات تتعلق مباشرة بقادة القوات المسلحة، ومدى ولائهم، والتأكيد على صلاحية الرئيس ورئيس الوزراء في توجيه أوامر مباشرة لقادة القوات، وضرورة تنفيذ القادة الأوامر مباشرة دون الحصول على موافقة من أي سلطة أخرى» بالتزامن مع قرارات أخرى عززت سلطة الرئيس المباشرة على رئاسة الأركان والاستخبارات.
ومتسلحاً بالدعم الشعبي عقب محاولة الانقلاب، والامتيازات التي منحتها له حالة الطوارئ في البلاد، أجرى أردوغان تحولات كبيرة في «مجلس الشورى العسكري الأعلى» ولأول مرة اكتسب نواب رئيس الوزراء، ووزراء العدل والخارجية والداخلية عضوية المجلس، بعد أن كان يخلو من أي شخصية قيادية مدنية عدا رئيس الوزراء الذي كان يترأس الاجتماع العسكري الأبرز والذي يعقد مرتين سنوياً.
وبعد عقود من انعقاد المجلس في الغرف السرية التابعة لرئاسة هيئة أركان، انعقد عقب محاولة الانقلاب في مقر مجلس الوزراء بالعاصمة أنقرة، ومنذ محاولة الانقلاب تمكن أردوغان من عزل عشرات من كبار جنرالات الجيش الذين كانوا يشكلون حائط الصد المنيع أمام توسيع سلطته على الجيش، منهم ثلاثة من أعضاء مجلس الشورى.
هذه القرارات رأى مراقبون أنها التحول الأبرز في البلاد منذ محاولة الانقلاب، كونها سوف تمكن الوزراء المدنيين والحكومة والرئاسة بشكل عام من الاطلاع الدائم والقريب على أنشطة كبار جنرالات الجيش وما يدور من خفايا ظلت لعقود بعيدة عن الحكومة، الأمر الذي سيؤدي إلى تصعيب مهمة أي جهة تسعى لتشكيل أقطاب داخل الجيش تمهيداً للقيام بانقلاب عسكري مستقبلي.
ومن أجل تصعيب أي محاولة انقلاب جديدة، جرى طوال الأشهر الماضية نقل أبرز القواعد العسكرية التي تضم الدبابات والعربات العسكرية الثقيلة من قلب المدن لا سيما إسطنبول والعاصمة أنقرة إلى خارجها وعلى أطرافها البعيدة وهو ما يجعل من إمكانية إنزال الدبابات إلى وسط إسطنبول وأنقرة عملية أشبه بالمستحيلة قبل انكشاف أمرها.
يضاف إلى ذلك كله، حملة التطهير الواسعة التي قامت بها الحكومة داخل أروقة الجيش وما تخللها من اعتقال وفصل عشرات الآلاف من منتسبي دوائر الجيش المختلفة المتهمين بالانتماء لـ«الكيان الموازي» وأنصار غولن، فيما اتهم البعض الحكومة باستغلال محاولة الانقلاب لعزل جميع قادة الجيش والعناصر المعارضة والتي تعتقد الحكومة أنها يمكن أن تشكل خطراً عليها في المستقبل.
حملات التطهير الواسعة التي تقوم بها الحكومة منذ محاولة الانقلاب، لم تتوقف على الجيش، وشملت الوزارات المدنية ودوائر الدولة المختلفة، حيث وصل عدد المعتقلين حتى الآن أكثر من 50 ألفا فيما تجاوز عدد المفصولين من أماكن عملهم في الدولة أكثر من 100 ألف، وهو ما ولد اتهامات للحكومة بالتعسف في قرارات الاعتقال والفصل لتطال المعارضين.
وبعد عام كامل ما زال استمرار الاعتقالات يثير مخاوف الكثيرين من مدى تمكن الحكومة من القضاء على أتباع غولن أو «الكيان الموازي» وما إن كان الرجل ما زال يتمتع بنفوذ يُمكنه من إحداث قلاقل مستقبلية قد تصل حد تكرار محاولة الانقلاب.
وقبل أقل من شهر، شهدت البلاد أضخم حملة اعتقالات منذ محاولة الانقلاب شملت اعتقال أكثر من 1000 شخص في عملية أمنية ضخمة ومتزامنة جرى تنفيذها في جميع المحافظات التركية الـ81 وتركزت بين منتسبي الدوائر الأمنية الرسمية بتهم تتعلق بمحاولة تشكل تنظيم سري من قبل الأنصار المفترضين لفتح الله غولن، وقالت السلطات إن هذه العمليات تهدف إلى «نسف» تشكيل جديد يحاول أنصار غولن بناءه في تركيبة الأمن التركي. وبينما اكتفت المصادر الرسمية والصحافة الحكومية بالحديث عن «عملية أمنية ضخمة» و «تفكيك تنظيم خطير داخل الدولة» تحدث بعض وسائل الإعلام ومغردين أتراك عن أن الأمر يعد بمثابة إفشال بدايات محاولة انقلاب جديدة ربما كان يخطط لها أنصار غولن من خلال إعادة ترتيب صفوفهم وبناء تشكيلاتهم المتبقية داخل أروقة الدولة.
كما جرى قبل أيام اعتقال بيرول أردم، كبير مستشاري رئيس الوزراء التركي لاتهامه بالانتماء إلى جماعة فتح الله غولن. وكان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم قد أكد آنذاك أن حكومته ما زالت تحارب بقوة «تنظيم غولن» قائلاً: «كما قلنا من البداية الأمر معقد جداً ومحاربة التنظيم أمر ليس سهلاً تفكيك الشبكات والعلاقات والارتباطات. من يوم لآخر نكتشف أشياء وشبكات جديدة، ويوجد ما لم نكتشفه بعد».
إسماعيل جمال