عبارة ممنوعة في الأردن…«مكون فلسطيني»

القبلة التي طبعها وزير الداخلية الأردني الصديق سلامة حماد على جبين النائب نبيل غيشان وهو ايضا زميل إعلامي وصديق جمعتني وإياه عشرات الحوارات..هذه القبلة كان يمكن ان تكون ضمن سياق الهوى الشخصي لولا ان الوزير لم يتبعها بتحية خاصة مع إطلاق وصف «الحصان».
سبب القبلة سياسي بامتياز.. لذلك نناقشها ونحلل ابعادها.
ومناسبتها ان الغيشان قاطع زميله محمد هديب معترضا على استعمال الأخير لعبارة «المكون الفلسطيني في خطابه»، الأمر الذي أعجب وزير الداخلية عمليا مع أن إنزعاجه ـ اي الوزير ـ من خطاب هديب قد لا يكون في ضوء ما نعرفه من معلومات ذات صلة بمسألة المكون الفلسطيني بقدر ما لها علاقة بإصرار النائب هديب على مخاطبة رئيس الوزراء مستغربا من عدم انعقاد ولو اجتماع واحد للجنة الوزارية المعنية بملف الأرقام الوطنية.
أعرف شخصيا وجهة نظر الوزير سلامة حماد بشأن تلك اللجنة الوزارية وسمعتها منه فهولا يرى لها مبررا اصلا لوجود اي لجنة معنية بصلاحيات وزير الداخلية الدستورية الحصرية.
بمعنى آخر يرى البعض بان الوزير القوي والصلب يريد ان يمثل فقط الجهة التي تسحب وتمنح الأرقام الوطنية..لا اعتراض بطبيعة الحال على ذلك وقد نؤيده شريطة الالتزام بالإطار القانوني والإفصاح عن تلك التعليمات السرية التي تسحب بموجبها جنسيات الناس والحرص على فكرة ان وضع البلاد الحساس لا يقبل بعد الآن مسطرة الأهواء الشخصية وتلك النظريات المعلبة التي تمارس الوطنية بتقسيم الأردنيين إلى صنفين وشعبين وباندفاعات من صغار الموظفين احيانا ومن المستوى الأمني أحيانا أخرى.
فيما يخص غيشان قد أميل ومن باب إفتراض حسن النوايا لتحليل اعتراضه على استعمال عبارة «المكون الفلسطيني» على أساس قناعته بأن جميع من هم من اصل فلسطيني في المملكة أردنيون بالمعنى الدستوري والقانوني ولا حاجة للحديث عنهم اصلا كمكونات.
غيشان اوضح فعلا ان هذه مقاصده في حديث مطول معه عارضا وجهة نظر يمكن الإصغاء لها قوامها عدم جواز إدعاء تمثيل «مكونات» تحت قبة البرلمان تحديدا فجميع النواب يمثلون جميع الأردنيين.
مشكلة هديب وغيره إذا قالوا بذلك تفاعلا مع الغيشان او غيره تتمثل في انهم سيواجهون تهمة كلاسيكية معلبة من وزن التآمر لصالح الوطن البديل والعمل لخدمة مشروع التوطين.
بكل حال نحترم رأي وأداء الغيشان ونحرص معه على ان تتضح لنا هواجسه التي تثيرها عبارة «المكون الفلسطيني» وإن كنا نختلف معه في وجود هواجس من أي نوع ليس فقط لأن كل شعوب العالم تتشكل اصلا من «مكونات».
ولكن ايضا لأن العبارة «علمية ومهنية» ويفترض ان تتسق مع اتجاهات الوطنية الأردنية الصلبة التي نزعم أنها لا تعارض أي اردني عندما يدعو إلى «تباين» سياسي إيجابي مضاد للمشروع الصهيوني ويفكر ـ تماما كما خطط هديب ـ بعبارات لا تعفي العالم وإسرائيل من حق العودة ولا تغير وتبدل في وضعية حصة الأردن من اللاجئين.
لا أشك بنوازع ونوايا ووطنية الغيشان ووزير الداخلية المحترم لكن ارصد عليهما الاستعجال في إظهار حساسية تجاه عبارة علمية واقعية ووطنية بامتياز ينبغي ان لا تثير انزعاج مسؤولين في الصف الأول خصوصا وان قائلها ممثل شعبي منتخب لا مجال للمزاودة على وطنيته وانتمائه واصر علنا على شطب متلازم لمقولتي «الحقوق المكتسبة والحقوق المنقوصة» مطالبا بـ «تنمية سياسية وإصلاح» لجميع الأردنيين وبدون استثناء.
مع ذلك استعمل نائب آخر هو يحيى السعود نفس العبارة وطالب بوقف سياسات التمييز ضد المكون الفلسطيني لكن لم يعترض أحد إطلاقا..كانت تلك ملاحظة مكتوبة ومسجلة رصدتها على صفحة الناشط السياسي ضرغام الخيطان وما أخشاه هنا ان ينحصر الأمر بان عبارات من هذا النوع لا تثير قلقا إلا عندما يرددها نائب من أبناء المكون فقط حيث يستسهل الاتهام وتنمو المزاودات فجأة.
لا ارى ما يعيب او يثير قلقا في عبارة «المكون الفلسطيني» والنائب هديب كان جريئا ومتقدما على جميع زملائه في تشخيص واحدة من أهم التحديات في عمق المجتمع الأردني لكن بعض المسؤولين يقرون بحصول مشكلات في الغرف المغلقة ويتعاملون بعصبية معها عندما تثار علنا وفقا لفلسفة بيروقراطية كلاسيكية قديمة قوامها فكرة «ظروفنا حساسة وينبغي ان لا نتحدث علنا عن مشاكلنا».
استخدم تعبير المكونات رئيس الديوان الملكي الحالي الدكتور فايز طراونة في اجتماعات رسمية داخل القصر الملكي والحديث عن المكونات قيل في حضرة الملك شخصيا وفي عدة مناسبات والعبارة جزء من قاموس السياسيين والأمنيين في الأردن وفي ارفع المستويات وتقال دوما ومن كل الاتجاهات ولم يسبق ان اعترض عليها أحد فحتى رموز الحركة الوطنية الأردنية ومؤسسوها الراحلون والذين على قيد الحياة وردت في طروحاتهم نفس العبارة وعشرات المرات.
لماذا تثير العبارة اليوم حساسية البعض عندما يقولها برلماني شاب حصل على المقعد الأول على مستوى محافظته مثل هديب؟.
لن نستعجل الإجابة لكن نحتاح لتوضيح وشرح من أغضبتهم العبارة ودفعتهم لإتهام هديب بإثارة «فتنة» قد نشتم رائحتها في أكثر من مكان في مملكتنا الحبيبة ليس من بينها من يستعملون هذه العبارة التصنيفية.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

عبارة ممنوعة في الأردن…«مكون فلسطيني»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية