«على حكومة إسرائيل ان تسأل نفسها: لماذا عندما يرشق طفل ابن 13 حجارة من مسافة عشرة أمتار، يطلق قناص النار على رأسه من مسافة 200 متر؟ هؤلاء الاطفال رأوا ما حصل في دوما مع عائلة دوابشة، رأوا ما حصل مع محمد ابو خضير. ملوا الظلم. اعطونا حقوقنا كي يهدأ كل هذا الوضع»، هكذا يقول رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ابو مازن في لقاء عقده هذا الاسبوع مع صحافيين عرب إسرائيليين في المقاطعة في رام الله.
اللقاء مع أبو مازن يتم على خلفية موجة الإرهاب الجارية في الاشهر الاخيرة، واصبع الاتهام الذي توجهه حكومة نتنياهو ضد رئيس السلطة الفلسطينية ورجاله، بدعوى أنهم يشجعون العمليات من خلال التحريض. وفي الاسبوع الماضي فقط تصدع التعاون بين أجهزة الأمن الفلسطينية والجيش الإسرائيلي بعد أن فتح شرطي فلسطيني ابن 34 من نابلس، كان رجل أمن في السلطة ومرافقة النائب العام الفلسطيني في رام الله، فتح النار نحو جنود في حاجز عسكري قرب بيت ايل واصابا اثنين منهم بجراح خطيرة.
غير أن ابو مازن يحرص على التشديد بانه رغم الاتهامات الموجهة له، فان السلطة تفعل كل شيء كي لا يتدهور الوضع على الارض. وهو يقول ان «الانتفاضة الشعبية بدأت في الضفة الغربية بطرق سلمية، من خلال المظاهرات، بعد أن بلغ السيل الزبى لدى الجمهور الفلسطيني. والسبب في ذلك هو أن حكومة إسرائيل سمحت للناس بالمس بالمسجد الاقصى. نحن لا نعارض أن يزور الناس بشكل محترم المكان المقدس، ولكن عندما يهاجمون المسجد وبعد ذلك الكنائس بل ويطالبون من المسيحيين ترك وطنهم ـ فاننا نقول حتى هنا».
ماذا بالنسبة للادعاءات بان السلطة تقف خلف التحريض الذي يؤدي بالفلسطينيين للخروج لتنفيذ العمليات؟
«في إسرائيل يتحدثون عن التحريض، ولكننا مستعدون لان تفحص لجنة أمريكية ـ إسرائيلية ـ فلسطينية هذه الادعاءات. قلنا لهم هذا قبل 17 سنة وابلغناهم بان ما يعرفه الأمريكيون كتحريض، يكون مقبولا من جهتنا. كانت مثل هذه اللجنة في الماضي، عملت لستة اشهر فقط. التحريض في إسرائيل مؤطر ويضم ايضا وسائل الإعلام، المؤسسات الرسمية والوزراء. اضافة إلى ذلك فانه يوجد في الرسائل التي يتعلمها الاطفال في المدارس. علينا كلنا ان ننظف التحريض، عندنا وفي إسرائيل. في إسرائيل 95 في المئة من الكتب تتضمن التحريض، أما لدى الفلسطينيين فـ 4 ـ 5 في المئة فقط».
إن حقيقة ان الكثيرين ممن يخرجون لتنفيذ العمليات في موجة الإرهاب الحالية هم فتيان بل واطفال لا تغيب عن ناظر ابو مازن، ولكن بزعمه في السلطة الفلسطينية يحاولون ان ينقلوا للجمهور الفلسطيني، بما في ذلك للشباب، رسائل ضد العنف. وهو يقول: «انا دوما اقول اننا ضد استخدام السلاح. نحن نريد حلا بالوسائل السلمية. نحن نتوجه لحكومة إسرائيل كممثلة للشعب في إسرائيل ولكني احرص على أن انقل مواقفي في كل الدوائر، بما في ذلك امام ا لصحافيين الإسرائيليين والاجانب وامام الوفود الاجنبية. نحن ضد العنف وضد الإرهاب. دم اليهودي، المسلم والمسيحي هو دم بلون واحد. نحن نحرص على أن ننقل رسائلنا للاطفال والفتيان الفلسطينيين.
«معنيون بفك الارتباط»
على خلفية الجمود السياسي والمحاولات الدولية لاستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين نشرت مؤخرا المبادرة الفرنسية التي ستعمل فرنسا بموجبها على عقد مؤتمر دولي بمشاركة الاطراف والشركاء المركزيين ـ بمن فيهم الولايات المتحدة، اوروبا والدول العربية ـ في محاولة لتطبيق حل الدولتين. واعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بانه إذا فشلت المحادثات، فستضطر فرنسا إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية. اما في إسرائيل فقد سارعوا بالطبع إلى مهاجمة الانذار الفرنسي بدعوى ان «هكذا لا يتحقق السلام»، ولكن في السلطة الفلسطينية بالذات رحبوا بالمبادرة. رئيس الفريق الفلسطيني المفاوض صائب عريقات قال: «نحن ندعو الاسرة الدولية إلى عقد مؤتمر دولي في الموضوع الفلسطيني، على اساس القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة، ومن أجل انهاء الاحتلال الإسرائيلي». كما أن ابو مازن، في خطاب القاه في أديس ابابا في اثيوبيا قال: «لا يمكننا أن نسلم بالوضع القائم، بما في ذلك الاحتلال والمستوطنات»، ولكنه صرح باننا «لن نجلس للمفاوضات بهدف المفاوضات، ولن نواصل تطبيق الاتفاقات الموقعة ولن نقبل حلولا مؤقتة». ويقول ابو مازن الان: «نحن نتوقع مؤتمرا مع آلية يكون قادرا على أن يعالج المسألة الفلسطينية ويؤدي إلى انهاء الاحتلال المستمر منذ 48 سنة».
وبالتوازي، تواصل السلطة مساعيها للعمل ضد إسرائيل في الساحة الدولية. بعد أن اعترفت الجمعية العمومية للامم المتحدة في العام 2012 بفلسطين كدولة مراقبة غير عضو في المنظمة، طرح المندوب الفلسطيني في الامم المتحدة رياض منصور امكانية أن تكون الخطوة التالية هي التوجه إلى مجلس الأمن لشجب البناء في المستوطنات. «أتوجه إلى الإسرائيليين واسأل: لماذا هذه المستوطنات؟»، يقول ابو مازن الان. «استمرار الاستيطان سيجعل دولة إسرائيل ليس فقط دولة احتلال، بل دولة ابرتهاد ضد الشعب الفلسطيني. مللنا كل البناء في المستوطنات والذي لا يزال مستمرا في الكثير من الاماكن. هم يهاجمون الناس. الشجر والمباني ايضا. حكومة إسرائيل خرقت اتفاقات اوسلو، والجيش الإسرائيلي يدخل إلى المنطقة أ متى يشاء. إسرائيل لا تريد مفاوضات، ونحن نرد عليهم بان ايدينا ممدودة للسلام كي نبحث في كل المسائل للمرحلة النهائية، ولكن عليكم أن توقفوا الاستيطان. فيجيبوننا بان هذه شروط مسبقة. كل العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة تقول ان الاستيطان ليس شرعيا. الاحزاب والناس في إسرائيل يقولون ذلك ايضا. إذن كيف يعلنون بان هذه شروط مسبقة؟ نحن نصر على حقنا في التوجه إلى مجلس الأمن لاصدار قرار في موضوع المستوطنات. سنواصل الكفاح من أجل دولة فلسطينية مستقلة بالوسائل الدبلوماسية، بما في ذلك حماية الفلسطينيين ونزع سلاح المستوطنين. يوجد قرار منذ الان بانه إذا لم تعمل إسرائيل على تطبيق الاتفاقات، سنواصل حملة الاعتراف بدولتنا في ارجاء العالم. من ناحيتنا لدينا دولة اعترف بها 137 دولة في العالم».
ألا تزال ترى في حكومة نتنياهو شريكا في المفاوضات؟
«فقط إذا ما وقف بنيامين نتنياهو وقال للشعب في إسرائيل انه يوجد لنا شريك ويقبل بالشرعية الدولية. نحن لا نطلب المستحيل. نحن نريد فقط الشرعية الدولية وان تفي إسرائيل بالاتفاقات التي وقعت عليها. إسرائيل تريد أن تجعلنا عبيدا وخدام لهدف التنسيق الامني فقط. على إسرائيل أن توقف الاستيطان وتحرر 104 السجناء من قبل اوسلو، الامر الذي وقع عليه نتنياهو وكيري، وعندها سنأتي إلى طاولة المفاوضات. لماذا أوقفت حكومة إسرائيل صفقة تحرير السجناء؟ ليس لدينا أجوبة لهذه الخطوة وهذا غير مقبول بالنسبة لنا. من ناحيتنا هذه شروط مسبقة ومن ناحية العالم هذا هو الحد الادنى. نحن نريد دولة فلسطينية مستقلة في حدود 4 حزيران 1967 وعاصمتها شرقي القدس. لا سلام ولا دولة فلسطينية بدون القدس، إلى جانب حل عادل ونزيه لمشكلة اللاجئين حسب المواثيق الدولية. لا نقبل إلا تحل مشكلة 6 مليون لاجيء. هذا موقفنا، ونحن لا نخرج عنه. اضافة إلى ذلك، نحن معنيون بالسلام ولا نريد الوصول إلى تحقيق حقوقنا إلا من خلال المفاوضات والطرق السلمية».
ماذا بالنسبة لمعارضتكم الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية؟
«سبق ان اعترفنا بدولة إسرائيل في اجتماع م.ت.ف في الجزائر، ولكننا لن نعترف بدولة يهودية. لا يمكن اجبارنا بالقوة. فليأتوا إلى الامم المتحدة ويغيروا اسمهم لما يريدون، حتى «الامبراطورية الصهيونية اليهودية». لماذا لم يطرحوا طلبا مشابها مع مصر والاردن؟ لماذا نحن بالذات؟ نحن لن نعترف بدولة يهودية. لماذا؟ هكذا. منذ 20 سنة ونحن نعترف بدولة إسرائيل، ونحن نعرف لماذا نقول هذا. نحن نعرف الاسباب خلف طلب الاعتراف بدولة يهودية».
كما يتناول ابو مازن ايضا مسألة تبادل الاراضي، التي طرحت في اثناء الانتخابات الاخيرة في البلاد، وبموجبها يضم كل الاستيطان إلى إسرائيل بينما اراضي المثلث تضم إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية. «لن نقبل احدا منكم في دولة فلسطين»، يقول للصحافيين الان ويتناول عدم رغبته في استيعاب العرب الإسرائيليين في الدولة الفلسطينية، «ولكنكم ستكونون ضيوفا مرحب بكم».
كما يتناول ابو مازن مبادرة رئيس المعارضة اسحق هرتسوغ للانفصال عن الفلسطينيين، وبموجبها يجب استكمال بناء جدار الفصل في الضفة الغربية بشكل يضم كل الكتل الاستيطانية الكبرى في إسرائيل ويقطع القرى الفلسطينية في شرقي القدس عن باقي المدينة. وهو يقول: «لم نسمع من هرتسوغ مبادرة بشكل مباشر كي نرد. نحن معنيون بالانقطاع عن الإسرائيليين. لسنا معنيين بدولة واحدة».
«لا نتدخل»
لقاء ابو مازن الاسبوع الماضي مع عائلات مخربين بالذات في اليوم الذي قتلت فيه مقاتلة حرس الحدود هدار كوهن في عملية في باب العمود أثار انتقادا شديدا ضده في إسرائيل. وهو يقول الان: «هذه عائلات شهداء. ماذا تريد إسرائيل؟ أن اقول لهم اذهبوا إلى الجحيم؟ هذا لن يحصل. نحن نقف إلى جانب العائلات وندعمها. شرحنا للإسرائيليين في الماضي بانه حتى عندما يمسكون جاسوسا وحتى لو اعدموه، فاننا سنواصل دفع راتب لعائلته. فما هو ذنب عائلات الشهداء؟».
إلى جانب ابو مازن يجلس محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة للعرب في إسرائيل. بالنسبة لموقفهم حول يوم التضامن مع مواطني إسرائيل العرب، والذي تم احياؤه لاول مرة في 30 كانون الثاني الماضي، بمبادرة لجنة المتابعة، يقول ابو مازن: «نحن لا نتدخل. ما ترونه سليما عمله، ندعمكم فيه. مثلما يدعم العرب الإسرائيليون اقامة دولة فلسطينية».
ولخيار المصالحة الفلسطينية الداخلية بين حماس وفتح، والتي توجد مرة اخرى هذه الايام على جدول الاعمال في جولة محادثات اخرى بين الطرفين في الدوحة في قطر، يتناول ابو مازن ويقول: «طالما لا تنفذ حماس شروطنا للمصالحة، فهذا لن يتحقق. الشرطان هما اقامة حكومة وحدة والذهاب إلى انتخابات».
معاريف 11/2/2016
ياسر عقبي