عبدالواحد النبوي يواجه مشكلة عمرها 30 سنة : أشباح «البيروقراطية» تسكن وزارة الثقافة المصرية

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: يبدو أن الدكتور عبد الواحد النبوي وزير الثقافة قد ورث تركة ثقافية مثقلة بالمشاكل والأعباء وهي ذاتها التي اعترف بها سابقه د . جابر عصفور في أخر مؤتمر له في معرض القاهرة الدولي للكتاب قبل إقالته حيث تحدث عن ضرورة إصلاح الهياكل الإدارية والتخلص من معوقات الانجاز الثقافي على كافة المستويات وأوصى بإنشاء معهد تأهيلي يتيح للشاب فرصة للالتحاق بالمؤسسات الثقافية والعمل بها بعد الانتهاء من سنوات الدراسة وفترة التدريب. وقد اعترف الدكتور جابر عصفور أيضا بضعف الكفاءات داخل قطاعات الثقافة مما رآه يستوجب اتخاذ إجراءات عملية وحاسمة للحيلولة دون تفاقم الأزمة وامتدادها لسنوات مقبلة.
هذه التصريحات أوجدت ردود أفعال متباينة داخل الهيئات والمؤسسات وفي الوسط الثقافي بشكل عام فهناك من رحب بهذه الخطوة واعتبرها بداية لإصلاح حتمي ومهم فيما انتابت العض الآخر حالة من القلق خوفا من أن يكونوا ضحايا المشروع المرتقب للإحلال والتبديل لأنه بالقطع سيتم الاستغناء عن العمالة الزائدة أو على الأقل تقليص نشاطها باعتبارها غير فاعلة. المهم ليست مسألة الرضا من عدمه عن القرارات التي كان مقررا اتخاذها لتحقيق مبدأ الاستحقاق الفعلي للكفاءات في إطار التطوير والتطور بالحصول على الامتيازات الوظيفية مقابل الأداء الجيد وإنما المهم هو أن الوزير قبل إقالته مباشرة عقد عدة جلسات مع قيادات الوزارة للتداول حول هذا الموضوع.
وقد تنامت أبناء عن وجود نية لمنع النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة بالعودة مجددا لتنفيذ القرارات الشفهية التي كان دكتور جابر عصفور قد ألمح إليها في مرحلة سابقة وتسببت في اعتراضات كثيرة فأرجأ القضية برمتها إلى وقت لاحق لحين تدارس الأمر. وأغلب الظن أن الإجراءات المتصلة بهذا الشأن جاءت بسبب أن إحصاءات وأرقام التوزيع أكدت عدم جدوى صدور بعض الإصدارات الصحافية والسلاسل الأدبية التي يقال أنها لا تحقق المرجو منها على المستوى الثقافي ولم ينتج عنها سوى المزيد من الخسائر المادية وتبدد الميزانية.
على ضوء هذا الاستقراء والاستقصاء كان الكلام عن قرار إيقاف السلاسل والإصدارات غير المجدية خلال الفترة المقبلة على أن يتم الإبقاء على عدد قليل من المطبوعات ذات التكلفة المنخفضة والخسائر المنخفضة أيضا وقد جاءت هذه الترتيبات وفق خطة للحد من الإنفاق وترشيد الميزانية المخصصة للوزارة بكافة قطاعاتها ولضمان تحقيق التوازن بين التوفير واستمرار حركة النشر كان مقررا أن تكون الهيئة العامة للكتاب هي الجهة الرسمية الوحيدة المنوط بها هذا النشاط وهو ما أعتبره وزير الثقافة السابق الدكتور جابر حينئذ كافيا وملائما تماما في ظل المرحلة الراهنة التي تمر فيها البلاد بأعباء اقتصادية. وعلى الرغم من أن محاولة ضغط النفقات أمر منطقي وفعل إيجابي ولكن السؤال الذي طرحه البعض كان لماذا لا يتم تصميم مبدأ الترشيد والتقشف على كافة القطاعات والهيئات الثقافية الأخرى مساواة بما يطبق على هيئة قصور الثقافة؟ بمعنى أن يتم الاقتصاد في النشاطات والمهرجانات والاحتفالات والاستغناء عن المستشارين والمساعدين المربوطين على أجور ومرتبات لا تسمح بها خطة جادة ونوايا حسنة للتوفير والتدبير.
وقد أوضحت الأغلبية المحتجة على القرارات أن المشكلة ليست فيما يقام من مهرجانات سنوية مسرحية أو سينمائية أو فنون شعبية ولكن الأزمة تكمن في تلك الاحتفالات المحلية الملفقة التي تتخذ من القضايا والمشكلات الأساسية عناوين براقة تندرج تحتها المفاهيم التي بموجبها تتشعب المهرجانات أو بالأحرى «السبابيب» لزوم المجاملات والإغراق على المحاسيب بطرق قانونية ومشروعة. إذ لا مانع من تنظيم مهرجان للمسرح أو السينما في احدى المحافظات وانتداب رئيس للمهرجان ومشرف عام ومنسق للعلاقات الإقليمية ومجموعة من المتخصصين لزوم التحليل والشرح والتبصير بمواطن القوة والضعف في العمل الفني على طريقة نجيب الريحاني في الفيلم الكوميدي إياه الذي ربط فيه كل التجاوزات ببنود ولوائح لها وجاهتها الشكلية، فقد نصح الريحاني أمين الحسابات بان يكون مقنعا فيما يسجله من نفقات رعاية الخروف واكله وشربه وحراسته ألخ. لقد استفاد السادة المحترمون أصحاب الذائقة الفنية من الدرس السينمائي الكوميدي في خلق مرجعية للأنشطة الوهمية وكله من أجل نشر الوعي الثقافي ومحاربة الجهل.
هذه الأنشطة ظلت تتم من الباطن وعبر الأبواب الخلفية، علما أن هناك إدارات رسمية تابعة لوزارة الثقافة تقسم الأنشطة نفسها على مدار العام وتقدم البضاعة ذاتها ولكن الآن البحر يحب الزيادة، فإننا لا نكتفي بنشاط واحد أو اثنين أو ثلاثة ونسعى لرفع درجة التثقيف القصوى فنترك أبواب الاحتفال مفتوحة على مصارعها وكله بحسابه.
الغريب أن جابر عصفور لم يستطع وقف نزيف المال العام في وزارة الثقافة طوال فترة وجوده القصيرة بها رغم كثرة حديثه عن أوجه التبديد المختلفة وتبنيه سياسة التغيير والتطهير لأن أشباحا تسكن الوزارة منذ ثلاثين عاما تفسد ما يحاول أن يصلحه الوزير، ليس وزيرا بعينه ولكن أي وزير.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية