يفترض في كل اليهود أن يخرجوا للاحتجاج ضد من يسؤون التصرف منهم اليوم تجاه الفلسطينيين ومقدساتهم.
قبل أن يقوم تلميذ لايفنتش، كرستيانو فون وولف، بادخال مفهوم التعددية في القرن الثامن عشر بكثير، تم استخدام ألاعيب الحوار التعددي، وليس دائما من اجل تشجيع الانفتاح والتنوع في المجتمع الانساني. احيانا بالعكس ـ من اجل قمع الآخر المختلف.
عرف التاريخ اليهودي جيدا ظواهر كهذه في أزمان قديمة. الاكثر شهرة منها أن أحد المركبات الاساسية للتصور الذاتي السلبي لليهود في نظر العالم الهيليني والروماني، كان الارتداع عن التوحيد اليهودي بسبب غياب تحمل الآلهة الآخرين. اليونانيون والرومان الذين كانوا يلائمون بين الالهة السيئين مع آلهتهم نفروا من رفض اليهود التعاون مع هذه النظرة العملية. واعتبروا ذلك شهادة واضحة على الطابع الظلامي والبربري لليهودية.
القضايا المعروفة مثل حكم الملك السلجوقي انتيوخوس على الديانة اليهودية، أو نية القيصر الروماني جايوس كليجولا وضع تمثال له في الهيكل، عكست الغضب وخيبة الأمل لحضارة عبدة الاصنام بسبب فشلها المتكرر في كسر الروح «الغير تعددية» للديانة الشرقية الاصولية.
واضح أنه للبعد الديني والثقافي للتوتر بين اليهودية والعالم الهولستي والروماني، كان ايضا اساس سياسي قوي. لقاء يهود ارض اسرائيل مع العالم الهولستي والروماني كان عندما وقعوا تحت سيطرة الامبرياليات الاجنبية. لذلك فان الصمود والتصميم على الهوية الدينية التوحيدية وبالذات الصراع ضد محاولات استخدام طقوس العمل الغريبة في الهيكل في القدس كانت فوق كل شيء حرب دفاعية من اجل بقايا ما يمكن تعريفه الشخصية الجماعية للشعب اليهودي في ظل الاستعباد. في المقابل، بالنسبة للمسيطر الامبريالي فان الجهد المتواصل لاختراق الاماكن الخاصة الجماعية للشعب المستعبد هدفه تشديد لجام القمع وضمان انصياع المسيطر عليهم لفترة طويلة.
التاريخ يعود على نفسه مرتين، حسب اقوال كارل ماركس، مرة كمأساة ومرة كملهاة. ما زال مبكرا القول أي من هذين الموضوعين نشاهدهما اليوم في الحرم، لكن من الصعب التملص من الانطباع أن هذا الامر حدث قبل نحو ألفي عام. الفرق هو أنه في هذه المرة يهود اسرائيليين أفراد يظهرون بمهمة اليونان والرومان في الوقت الذي يبدو فيه العرب الفلسطينيون في دور اليهود في فترة الهيكل الثاني.
اليهود القوميون المسيحانيون المسؤولون عن الهيكل مدعومون من حكومة اسرائيل المحتلة، يطلبون حرية العبادة لليهود في المكان الديني الإسلامي. مستخدمين بذلك حوار التعددية الدينية من اجل هدف واحد غير ديني محض، بل قومي سياسي واضح من اجل اثبات الوجود اليهودي في احدى جزر الخصوصية الجماعية للعرب الفلسطينيين والتي بقيت لهم في وطنهم، وبذلك يتم تعزيز الاستعباد. هذا يشبه الحوار الهولستي والروماني الذي صور مقاومة يهودية الهيكل الثاني لادخال العمل الغريب إلى الهيكل كظاهرة بربرية وقدم سلاحا دعائيا فعالا من اجل تعزيز السيطرة العليا بحق اليهود.
الفلسطينيون من جانبهم يعتبرون الحرم الشريف ليس فقط أحد أقدس الأماكن الإسلامية، بل أحد المواقع الحميمية القومية الأخيرة التي ليس من المفترض ان تدوسها احذية الاحتلال. بالضبط مثل الهيكل الذي مثل بالنسبة لليهود خلال فترة الهيكل الثاني المكان الخاص والمميز للشعب اليهودي حيث لا وجود فيه للمحتلين الاجانب.
«اذهبوا من هنا، اذهبوا إلى بيوتكم، أنتم غير مرغوب فيكم، مجرمون، هذا لنا، هذا بيتي»، قال مؤخرا عضو الكنيست جمال زحالقة لعدد من اليهود الذين دخلوا إلى الحرم. يجب علينا أن لا نخطيء بغض النظر عن صلافة وشدة هذه الاقوال، فهي ليست موجهة لليهودية ولا لليهود بل ضد الروح السيئة الامبريالية التي تعبد الاصناع في تناسخها التاريخي السابق والتي سيطرت على اقلية آخذة في الكبر في اسرائيل.
يفترض من كل اليهود الذين ذاكرتهم التاريخية لقمع شعبهم في ارض اسرائيل في الماضي البعيد مليئة بالمغزى، أن ينتبهوا لصرخة الفلسطينيين وعضو الكنيست زحالقة وأن يخرجوا للاحتجاج ضد من يتصرفون اليوم تجاه الفلسطينيين ومقدساتهم بنفس الشكل الذي تصرفت فيه المملكات التي تعبد الاصنام تجاه آبائهم.
هآرتس 9/10/2015
دمتري شومسكي