عبد الرحمن الحلاوي يحول المادة التراثية إلى فن معاصر

حجم الخط
1

الرباط ـ من محمد البندوري يقوم الفنان التشكيلي عبد الرحمن الحلاوي في منجزاته التشكيلية بتشخيص الواقع، خصوصا ما ارتبط منه بالمادة التراثية، فهو يشتغل على التتابعات التراثية في تحولاتها المرتبطة بالظواهر الفنية، ينجزها وفق الشكل الذي يرغبه، فهو فنان الفروسية بامتياز.
وفن الفروسية هو ضرب عريق في التشكيل المغربي يتسم بالجمال والفسحة الفنية انطلاقا من تثبيت الملامح الخاصة بالفرس والفارس والشكل المتغير باستمرار للطرفين، وبالنظر إلى الجماليات التي يعتمدها الفنان عبد الرحمن الحلاوي في منجزه الفني، فإن أعماله تتبدى في مواجهة إيجابية مع القراء والنقاد، إذ يقارب الواقع التراثي بالمادة الفنية بتقنيات كبيرة ومؤهلات عالية، فإن منجزاته تتبدى مليئة بالمعاني الدقيقة، والعبارات الرقيقة، والشعور بالجمال الفروسي.
سمات تغذي أعماله التشكيلية، وتحمل في طياتها صدق المفاهيم ذات المغازي التراثية العميقة، فهو غالبا ما يربط الواقع الآني بالمادة التراثية.
لكن أجمل ما تتميز به أعماله أنها تتخطى الصورة الواقعية المتجاوزة إلى التوزيع اللوني والتكتل الشكلي الحداثي، الذي يتجاوز مجموعة من المفاهيم الغارقة في وحل الواقعية القديمة إلى المادة المعاصرة. فهو يصوغ أعماله بجمالية لامتناهية وشمولية إبداعية تجعل القارئ أمام فهم سليم للفروسية، من دون عزلها عن المادة التراثية وفق مشروع ذاتي رؤيوي معاصر، يجعل أعماله تتواشج على نحو جمالي فسيح يرصد الواقع التراثي بهاجس محرك للعملية الإبداعية بكل ما تحمله الفروسية من دلالات وقيم وجماليات.
إن أسلوب الفنان عبد الرحمن الحلاوي يعتمد الفروسية والشخوصات والطبيعة ويجسد الواقع الفروسي أساسا بصور جمالية تعكس احترافيته العالية وتقنياته الكبيرة التي تجعله يصنع مجموعة من العلاقات بين المادة التراثـــية والمادة التشكيلية.
يمزج الألوان ويضعها بشكل رصين ومنظم، ليتخذ بعد ذلك من التعبير اللوني والفضاء الفروسي مادة أيقونية للتعبير عن أحاسيسه ومكنوناته بشكل فني ساحر وتمظهرات شكلية عميقة الدلالة، فالأشكال تتبدى في مجملها واقعية، لكنها تحمل إيحاءات تقود إلى معان معينة، ترتبط أساسا بسيميولوجية الحلاوي، وبفلسفته الخاصة في بعدها الصريح المتجانس مع مختلف مقومات التشكيل المعاصر، وهي تنبثق أساسا من مجاله التعبيري، ورصيده الثقافي والمعرفي، الذي يشكل سهلا خصيبا لتدبير إبداعاته الفنية. فتلك الرؤى الفلسفية المتناسقة والمترابطة، تؤشر على أسلوبه التعبيري المتنوع المضامين، الذي يعكس بشكل جلي ثقافته التشكيلية المؤثرة في العملية الإبداعية، التي تدفع الفنان عبد الرحمن نحو الارتقاء بالفروسية فنيا إلى مصاف العصرنة، لا من حيث التقنيات أو الأسلوب، ولا من حيث التصورات أو فلسفة العمل ككل؛ حيث إن توزيع الألوان وفق خاصيات معاصرة وترادف الأشكال على بعضها والألوان على بعضها، والتوليف بين المادة التراثية وبين المادة الفنية، وبين المبنى والمعنى وبين المضامين والشكل، كل ذلك يؤدي إلى صنع حيز جمالي شامل فسيح يربط بين مختلف التصورات، بنوع من التوازن والتكامل والانسجام.
إن أعمال الحلاوي الإبداعية تتبدى مثقلة بالتعابير التراثية والقيم الجمالية، وتتبدى فيها أيضا اجتهادات كبيرة، فهو ينتج تعابير تراثية من مادة معاصرة، وبذلك تتخطى أعماله حدود الواقع وحدود الصورة الواقعية بالمقاييس التشكيلية وبالأدوات الفنية البنائية وبالمقومات الجمالية التي يعتمدها في تلك الصورة الفنية المعاصرة، ما يصنف أعماله في خانة الفنون التشكيلية المعاصرة ذات الطابع الجمالي الساحر.
ولا غرو في ذلك، فهو الذي يخترق المادة التراثية التعبيرية بجرأة وكفاءة تشكيلية عالية، ومهارات يحرك بها كل المفردات التشكيلية والعناصـــــر الفــنية المكونة لأعماله، ليحول المادة الواقعية إلى مادة تشكيلية معاصرة وإلى دلالات تحرك مشاعر القارئ.

عبد الرحمن الحلاوي يحول المادة التراثية إلى فن معاصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية