عبد الرزاق الربيعي: رياح الدهشة الشعرية تهب دائما من العراق

حجم الخط
0

عبد الرزاق الربيعي شاعر وكاتب مسرحي وصحافي عراقي، يقيم في سلطنة عمان منذ عام 1998، ويحمل الجنسية العمانية. صدر له خلال مسيرته الأدبية قرابة العشرين مؤلفا تراوحت بين الشعر والمسرح والمقال، آخرها مجموعة شعرية بعنوان: «ليل الأرمل». حول تقييمه للمشهدين الشعريين العراقي والعماني، ومحاور أخرى جاء هذا الحوار ..
■ من خلال متابعتك للساحة الشعرية العراقية، كيف تُقيم تجربة الشعراء الشباب في العراق؟
□ تأتي متابعتي لهذه التجارب في الساحة الشعرية العراقية، من يقين بأن رياح الدهشة الشعرية، تهب دائما من جهة العراق، والرهان دائما يكون على الشباب الذين هم يظلون يحملون هذه الشعلة التي توارثوه من الأسلاف، متقدة، وقد اعتادوا استبدال زيتها وفتيلتها، ومدها بزيت جديد. أما عن تحديث المضامين، فأنا من الذين لا يفصلون بين الأشكال والمضامين، فكل شرارة شعرية تولد من رحم التجربة تحمل معها ملامحها، أما المحاولات التي يبذلها الشباب لتحديث القصيدة العمودية، فهي لإمساك العصا من المنتصف: ارضاء الذائقة التقليدية، وركوب موجة الحداثة من خلال رص تراكيب جديدة، وإظهار المهارات اللغوية، وهنا يدخل عامل الصنعة في بنية العمل الفني حتى يبدو كأنه فقد عفويته، الشعر الحقيقي لا يحتاج كل هذا، الشعر الحقيقي حصان جامح في براري الدهشة، يكسر كل القيود، والأطر، وقضبان النظريات.
■ ما الذي منح الشعر العراقي خصوصيته؟
□ تنبع خصوصيته من ارتباطه بالحياة اليومية، فمنذ القدم نشأت علاقة مشيمية متأصلة للشعر بحياة الناس، وكلاهما مرتبط بالآخر، فكان يجري على ألسنة الناس، في المزارع والمعامل والمقاهي، معطرا كلامهم اليومي، وظل نهر الشعر يتغذى من تلك التجارب الثرية بمنعطفاتها، وتراجيدياتها، حتى معطيات البيئة ساهمت في إثرائها، فإذا كان لكل مكان عبقرية، فعبقرية المكان العراقي تتجلى في الشعر، وهذا أوجد نوعا من التراكم، وقد تمخض الواقع الصعب، والحروب، والصراعات، والمعاناة عن مادة شعرية دسمة، والكم أفرز نوعا، ومن النوع نبعت الخصوصية.
■ وماذا عن المشهد الشعري العماني؟
□ مشهد متنوع، موار بالحركة، غني بالتجارب التي تستند إلى إرث شعري يمتد عميقا، هذا المشهد، وهو منفتح على هواء القصيدة الحديثة بكل تجلياتها، ورغم علاماته الواضحة في المشهد الشعري العربي يظل الدر كامنا في أعماقه، فهو مثل جبل الجليد ثلثاه غاطس وجزء منه ظاهر، بسبب قصور في الجانب الإعلامي، وتواضع، وزهد متأصل في الشخصية العمانية عن الظهور.
■ ما تعليقك على ندرة الحضور النسائي الشعري في عُمان؟
□ من المجحف توصيف الحضور النسائي الشعري في عمان بالندرة، فهناك أصوات أثبتت حضورا في المهرجانات الخليجية والعربية، ونالت ثناء النقاد مثل: سعيدة خاطر، وشميسة النعماني، وحصة البادي، وعائشة السيفي، وفاطمة الشيدي، وريم اللواتي، وأسماء أخرى عديدة، لكن بشكل عام تظل الأصوات الشعرية النسوية في الوطن العربي، وحتى العالم قليلة إزاء الرجالية.
■ ما بين فترة عرض أول مسرحية لك في صنعاء عام 1996، والآن، هل تؤيد رأي بعض النقاد أن الدراما التلفزيونية طغت على السينما والمسرح، وألقتهما في الظل؟
□ كان عنوان ذلك العرض «آه أيتها العاصفة» الذي أخرجه الراحل كريم جثير، في صنعاء، ثم انتقل به إلى تورنتو في كندا ليشارك من خلاله في مهرجان مسرح المضطهدين العالمي الثاني، ثم تبعته عروض أخرى عديدة، أما عن طغيان الدراما التلفزيونية، فلم تشكل الدراما التلفزيونية، في يوم من الأيام منافسا للمسرح الذي هو «أبو للفنون» جميعا، مثلما لم تنافس السينما، ولم يسحب نوع من أنواع الدراما جمهور غيره، فلكل مجال نكهته، وجمهوره، وما يزال المسرح يستقطب جمهورا واسعا في عواصم كثيرة من بينها لندن التي شاهدت الجمهور يقف طوابير طويلة بانتظار الدخول لمشاهدة عرض مسرحي. الذي طغى على المسرح في بلداننا ليس الدراما التلفزيونية، بل النزعة الاستهلاكية التي سحبت كثيرا من رصيد جمهور المسرح، وتراجع الوعي والقراءة.
■ كيف ترى مستوى المسرح في عُمان؟ وما السبيل إلى تطوير الفن المسرحي؟
□ تعود بدايات المسرح العماني إلى ما قبل 1970 مع تأسيس المدارس السعيدية في مسقط 1940، وصلالة 1951، ومطرح 1959، وفيها جرى تقديم (اسكتشات) بالعربية الفصحى أو باللغة الإنكليزية، وكانت تتناول موضوعات تعليمية مساندة للمناهج المدرسية المقررة، وأحيانا بعض المشاهد الكوميدية، ولم يتعد تقديم تلك العروض أبواب المدارس، وبعد 1970 قام النادي الأهلي بتقديم عروض مسرحية، وكذلك نادي عمان ومسرح الشباب في الثمانينيات، تبعه إنشاء الفرق المسرحية الأهلية، وانطلاق مهرجان المسرح العماني عام 2004 وإنشاء الجمعية العمانية للمسرح في 2009، لتتواصل مسيرة المسرح العماني إلى يومنا هذا، وقد تمخض ذلك الحماس عن انطلاق أكثر من 15 مهرجانا محليا، ورغم عدم وجود الدعم الكافي، إلا أن بعض الفرق نجحت بتمويل نفسها بنفسها، فدأبت على تقديم عروض جماهيرية خلال المواسم والأعياد، وقد حصدت من خلالها العديد من الجوائز الدولية، إلى جانب ذلك كانت بمثابة ورش عمل لأعضاء تلك الفرق، وهذا لن يغنيها عن إقامة ورش فنية عديدة لصقل المواهب، ومواكبة التطورات الحاصلة في المسرح المعاصر، في الأداء والإخراج والكتابة والسينوغرافيا، وبقية عناصر العرض، ومشاهدة العروض العالمية، والاحتكاك بالتجارب المسرحية العربية، والأجنبية، وهذا هو السبيل الأمثل لتطوير فن المسرح.
■ هل يعاني المسرح العربي من أزمة نصوص أم أداء؟
□ إذا سلمنا بوجود أزمة نصوص، كما يُشاع، فالمخرجون هم الذين يتحملون مسؤوليتها عندما أداروا ظهورهم للنصوص المكتوبة للمسرح، بحثا عن السهل، والممكن، فقاموا بخياطة أقمشة تناسب مقاسات عروضهم، وصار المخرجون يؤلفون عروضهم، فيما ظلت نصوص المؤلفين مركونة في أدراجهم، لذا انصرفوا عنه، باستثناء المؤلفين من أصحاب الفرق، وأعرف كاتبا كان رئيسا لفرقة اعتادت عرض أعماله، وعندما ترك الفرقة توقفت تلك الفرقة عن عرض أعماله، والأمر طال بقية الفرق التي ترى اسمه مرتبطا بفرقة منافسة، فانصرف إلى مجالات أخرى.
■ وهل من ثمة رسائل معينة تحرص على إيصالها من خلال كتاباتك المسرحية؟
□ لكل كاتب، وشاعر رسائل سوى رسائله الجمالية، ومنذ عرفت الطريق إلى الكتابة وتشغلني الدعوة إلى المحبة، والسلام والتسامح، وتعزيز القيم الإنسانية النبيلة، ونبذ العنف والصراعات، بدءا من الجريمة الأولى عندما قتل قابيل أخاه هابيل، وإلقاء الأخوة ليوسف في الجب، وليس انتهاء بالذبح على الهوية، وما جاء به المتشددون من شرائع تحط من قيمة الإنسان، فمن صميم مسؤولية المثقف الأخلاقية اليوم رفع صوته احتجاجا على شريعة الغاب التي ينتهجها العالم الجديد، بإشعال الحروب، وتسويق الأسلحة، التي لن تخلف سوى المزيد من الدم، والدمار في كوكبنا الصغير الملتهب.
■ من يقرأ مجموعتك الشعرية الأخيرة «ليل الأرمل»، يقرأ لغة رمزية عالية، تستمد رؤاها من نظرة عميقة لفلسفة الموت والفقد والحياة، فهل يمكن للشاعر أن يبدع بمعزل عن ذاته وهمومها؟
□ بالنسبة لي تشكل التجربة الحياتية دافعا مهما، ومحركا أساسيا للعملية الإبداعية، على وجه العموم، وقد اعتدت أن أنطلق من شظية أستلها من الواقع لأبني عليها عالم النص الذي له حياته الخاصة، ينمو، ويكبر، مكتفيا بذاته، ناطقا بلغة ترتدي حلة رمزية، وليس بالضرورة أن يكون وقود هذه الحياة الهموم، والأحزان، ولأنها حاصرتنا من كل حدب، وصوب، لذا لا بد أن تطبع بصمتها على كلماتنا، ونصوصنا.
■ بم تفسر الانتقال نحو السرد في تجارب كثير من الشعراء العرب؟
□ الكثير من كبار الشعراء في العالم كتبوا الرواية، وأبدعوا فيها، بل أنهم عُرفوا في ثقافتنا العربية كروائيين، أكثر من كونهم شعراء من خلال ما وصل إلينا من نتاج سردي مترجم كفكتور هوغو وكازنتزاكي، لصعوبة ترجمة الشعر ربما، بل أن روائية معروفة كأحلام مستغانمي بدأت حياتها شاعرة، ومازالت تسير في كتابة الرواية بمحاذاة نهر الشعر، فالرواية تتيح مجالا أوسع للشاعر للتعبير عن مكنوناته الذاتية، وكذلك هي فن العصر، وتشهد معارض الكتب إقبالا على شراء كتب الرواية عكس كتب الشعر التي تبقى مكدسة أمام أنظار القراء. أما الناشرون فالمسألة بالنسبة لهم مسألة عرض وطلب، وهذا لابد أن نضعه أيضا بنظر الاعتبار.
■ وفي الأخير .. ما تعليقك على إلغاء اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين دعوتك للمربد بحجة حملك للجنسية العمانية؟
□ للتصحيح والتوضيح، أولا سحب الدعوة جاء بحجة التخلي عن الجنسية العراقية، لصالح العمانية، حسب القوانين المعمول بها في سلطنة عمان، التي لا تسمح بازدواجية الجنسية، وهذا القانون معمول به في جميع دول الخليج، وأكثر من دولة أجنبية متقدمة، من بينها ألمانيا التي لم تسمح بازدواجية الجنسية إلا قبل أربعة أعوام فقط. ثانيا: سحبها يعكس ارتباكا يهيمن على المشهد العام في إدارة الدولة العراقية منذ سنوات، وسط غياب الكلمة الفصل في صنع القرار، فأصحاب القرار من النخب، يحتاجون أصوات الناخبين، لذا يسايرونهم حتى في الرثاثة، وهذا ما جرى، فلم نسمع تعليقا لرئيس الاتحاد مثلا، الذي لاذ بالصمت المطبق، ربما لضمان إعادة انتخابه لدورة جديدة، كما أن فرع البصرة يلقي اللوم على المجلس المركزي، والأخير ألقى الكرة في ملعب (البصرة) الدولي، وهكذا ضاع دم القصيدة بين قبائل ارتباك إداري، و(العزة) بهذا الارتباك، علما بأن الدعوات التي تصلني كثيرة من مهرجانات عربية، واضطر للاعتذار عن عدد منها بسبب ارتباطي بالعمل، ولكن دعوة (المربد) وافقت عليها بدون تردد بمجرد مفاتحة الصديق الشاعر عارف الساعدي عضو المجلس المركزي للاتحاد، لأنها جاءت من أهلي وأصدقائي، قبل وصول الدعوة بشكل رسمي، ومن ثم سحبها. ثالثا: لنسلم بأن الإجراء في البدء لم يكن مقصودا، أو «هفوة إدارية» كما وصفها أعضاء في الاتحاد، همسا، لكن بيان الناطق الإعلامي للاتحاد الموسوم بـ (العراق وكفى) وما يحمله هذا العنوان، والبيان من تمركز حول الذات، صب الزيت على النار، فأشعل مواقع التواصل الاجتماعي. رابعا: على أي حال، لم تكن (الزوبعة) تخلو من حسنات، ومن حسناتها أنها (غربلت) المحيطين بي، وقامت بعملية فرز للأصدقاء عن سواهم، ففي الوقت الذي كشفت لي عن محبة المتابعين البعيدين، فأضافت لي أصدقاء جدد كثيرين بحمد الله، أزالت الأقنعة، عن وجوه من كنت أحسبهم (أصدقاء)، وهؤلاء قلة قليلة جدا، وبعضهم، من العراقيين والعرب، باستثناء الشعراء العمانيين الذين انسحبوا من المهرجان، وقاطعوه، أقول: بعضهم جامل المنظمين طمعا بضمان وصول دعوة له، وأنا أتحمل مسؤولية ذلك، فمشكلتي إنني أحب الآخرين، وأسقط المحبة حتى على من لا يستحقها. خامسا: أختتم جوابي باستحضار أبيات قديمة للصديق الشاعر رعد السيفي بعثها لي خلال الهجمة:
أطلق يديك وقل للريح يا ريح
هذا زماني ولي في ساحه سوح
وعاقر الجمر فالأيام عاتية
وخفف الوطء ما في عصرنا نوحُ
واربأ بنفسك عنهم إنهم همل
وإن تآذوك تقويل وتجريحُ
وكن كما أنت.. كن غيثا لمجدبة
وكن كما كنت في صحرائهم شيحُ

عبد الرزاق الربيعي: رياح الدهشة الشعرية تهب دائما من العراق

حاورته: منى حسن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية