الرباط – «القدس العربي»: عبد الكريم الطبال (1931) ليس شاعرًا وواحدًا من رواد الشعر المغربي وحسب، وإنّما هو مُعلّم ومثقف من الطراز الرفيع، بقي بعيدًا عن مغريات السلطة وقريبًا من الإنسان، ولذلك نفهم سرَّ محبّة الناس له في بلدته ووطنه.
ينتمي الطبال إلى جيل الستينيات المؤسس لحداثة الشعر المغربي، وحاول جهده أن يكتشف أُفقًا ورؤى جديدة تتجاوز السائد وتتخطّاه. بدأ الشاعر نشر قصائده في بدايات الخمسينيات من القرن العشرين. وابتداءً من عقد السبعينيات، ظهر ديواناه «الطريق إلى الإنسان» (1971)، و»الأشياء المنكسرة» (1974)، ثُمّ توالى النبع الشعري سريًّا ورائقًا. وفي سنة 2000، صدرت له الأعمال الكاملة في جزئين، عن منشورات وزارة الثقافة المغربية، قبل أن يحظى بجائزة «تشيكايا أوتامسي» عن مجموع أعماله الشعرية في مهرجان أصيلة عام 2004. ومنذ ذلك الوقت، لم يتوقف نشاطه الشعري، بل ازداد فورةً وألقًا وصار محطَّ تقدير وإعجاب، بحيث صدر له ما يقارب من عشر مجاميع وحضر أكثر من لقاء ومهرجان شعري مُشاركًا أو مُحتفىً به.
في هذا الحوار، يحدثنا عبد الكريم الطبال عن بداياته الشعرية، وعن رؤيته للذات والعالم، وطقوسه أثناء الكتابة وشؤون حياته الحميمية داخل البيت؛ ثُمّ عما يحدث في العالم العربي من دمار واقتتال.
■ هل تذكر أول قصيدة نشرتها، وتذكر الأثر الذي أحدثته في نفسك؟ وهل غيّر ذلك من بعض عاداتك وعلاقتك بغيرك؟
□ كنت أبعث بمحاولات شعرية إلى هذه المجلة وتلك، حتى نشرت قصيدتي الأولى في «الثريا» وهي مجلة تصدرها الإذاعة الوطنية، تحت عنوان: «كيف أبتسم». ولا أنسى الوقع الذي أحدثه النشر في نفسي، فقد كدت أطير فرحًا وأتيهُ زَهْوًا في ساحة مدرسة الصفارين، وأحسست معه كأنّني ملكت كل شيء، وأنّ الحياة في قبضة الكفّ، وإنْ كان هذا الشعور ما لبث أن توارى تحت الذاكرة. والشيء الذي أستغربه من نفسي هو الاكتفاء بفرحي الخاصّ، فلم أعلن لأحدٍ من الرفقة عن القصيدة أو عن النشر. وظل هذا الانطواء أو الاكتفاء يصاحبني إلى الآن. وأذكر أنّني ذات مساء كنت نازلًا إلى مقر الشبيبة والرياضة في المدينة لألقي محاضرة مع الطلبة، فأوقفني صديق كان قاصدًا المقهى المعتاد بيننا، يسألني: إلى أين؟ قلت له: إنَّ لي موعدًا وسأعود بعد قليل. وبعد النشر الأول ظللْتُ كما كنت في علاقاتي مع سواي، وما غيّرتُ من سلوكاتي في شيء، وما أطلقت على نفسي اسم شاعر، وما كنت أُطلع أحدًا على ما أنشر حتى يقول: إنّني شاعر، أو يدعوني باسم الشاعر. فكلمة (شاعر) عندي صعبة وعالية المقام، وإلى الآن لا أزال كما كنت أحرص على عدم التلفظ بالكلمة هذه لقُدْسيّتها عندي، وفي حسباني أنَّها تتعالى عليَّ. ولذا، أعجب من الذي يكتب اسم شاعر قبل كتابة اسمه، فالشعراء في نظري دائمًا قيد الإعداد ليكونوا شعراء. فالقصيدة الأخيرة التي يحلمون بها ليرضوا عن أنفسهم وعن شاعريَّتهم لا يكتبونها حتى في الأخير.
وأذكر أنّني كنت في مدينة بعيدة عن مدينتي في مطعم أتناول الطعام، وأثناءه لاحظتُ أنَّ أحدًا يُركِّز نظره عليَّ وأنا لا أعرفه، وحينما كنت أستعدُّ للخروج أوقفني ليسألني هكذا: أأنت الشاعر الكبير عبد… قلت له: لا، وانصرفت. رُبّما كنت جِلْفًا في جوابي، ولكنّني ما اخترت ذلك.
■ ابتداء من أول أعمالك إلى ديوان «نمنمات» الفائز بجائزة الشعر ضمن جوائز المغرب للكتاب 2016، هل يمكن القول بأننا أمام تكثيف ذاتي ورؤياوي لسيرة عبد الكريم الطبال الذاتية داخل التوتُّر بين الحياة والموت، الوهم والحقيقة، والسماء والأرض؟
□ منذ الديوان الأول إلى الآن أتراوح في شعري وفي تطوافي بين أغوار ذاتي، لا أكتفي بالوقفة هنا من دون أن أكون هناك. فحين أكون في الوهم أكون في الحقيقة، وحين أكون في الخيال أكون في الواقع مُشتّتًا كريح، مُتّفقًا مُخْتلفًا في الآن، بَحْثًا عن شيء غير مفقود، ولكنّني لا أدركه وما أدركه أحد. والخلاصة هي أنني مُبْتلى ولا دواء لي مع الشِّعر إلّاه.
■ هل يمكن القول بعد هذا العمر من المشي والتمشية إن عبد الكريم الطبال كرس في شعره رؤِية خاصة به إلى الذات وإلى العالم، وأنه كتب ما كان يحلم به شعرًا؟
□ خلال هذا العمر الذي مضى في المشي رفقة الوقت الذي لا يعروه العياء، كان لا بُدّ لي وأنا أمشي إلى الآن أن أختار شجرة في الطريق لأستريح ولو قليلًا، ولأستردَّ النفس وأدع الوقت وحده. وحين أستريح لا أستريح بكُلِّي فإصبعاي لا يدعان الوقت وحده يمشي؛ فهما معًا معه في الظلِّ، في اللهب، في حوار معه مستمرّ. وأحسُّ وأنا بعيدٌ عنهما أنّني معهما، ولست تحت أيّ شجرة. ولذلك كنْتُ باستمرار حاضرًا في الغياب، كما كنْتُ حاضرًا في الحضور. وفي كُلّ ما كتبتُ وأنا أمشي، كنت أكتب ما أقرأ في الكتاب الذي أفتحه في ذاتي، وفي الكتاب الذي أفتحه في الواقع، وفي الكتاب الذي أفتحه وراء الذات ووراء الواقع معًا. وهذا الكتاب الثالث فيه من الأسرار ما ليس في الكتابين الأولين، وقلّما يسعفني الحدس على تصفح أوراقه لأقرأ خفيَّ بوارقه ورقائقه. وإلى الآن، لا أزال أقرأ ولا أدّعي أنني في كتاباتي قدمت ما أحلم به شعرًا، أو أنني كونت رُؤْيةً تخصُّني عن الذات والواقع والحياة، ما دمت لم أكتب كل ما أحلم به، وإنْ كنت استطعت أن أترك خلفي أثرًا للمشي على مقاس قدمي.
■ هل لديك طقوس معينة في الكتابة؟
□ في الكتابة لا طقوس عندي ثابتة، ففيما مضى كنت في وقت الكتابة أستعد وكأنّني أتوضأ للصلاة؛ لا بُدّ من كأس قهوة صغيرة، ولا بُدّ من سيجارة، ولا بُدّ من غلق الباب عليَّ. ثمّ سوف أعبر هذا الطقس إلى طقوس أخرى خفيفة العبء وقد بلغت الآن – منذ مدة غير قصيرة- إلى الاكتفاء بالنداء الداخلي أو بالشهوة المحرمة، فأكتب وأنا أمشي.. وأنا في الفراش، أو أنا في المقهى. وعادةً ما أعود إلى خربشات في الورق الذي يصحبني مع القلم أينما توجهت، فقبل الخروج من البيت أتفقّد الساعة في يدي والقلم والورق ولو ورقة واحدة، وهذا الطقس الأخير ملتُ إليه ومال إليّ. فلا ترتيب مُسبقًا عندي لكتابة القصيدة التي تأتي عليّ على حين غفلة منّي: هذا الصباح، وأنا في المقهى، ورد عليّ خاطرٌ عن حفيدتي وهي تبتسم، فكتبت شذرة عنها. مع ذلك، فالكتابة في تصوُّري تقوم على مُقوِّمين رئيسين، هما: المعرفة التي تتاح لي من جماع تأمُّلاتي وقراءاتي، والتجربة الداخلية التي هي امتدادٌ طبيعي لها وعوْنٌ عليها.
■ كشاعر ومثقف، كيف تنظر إلى ما يحدث في العالم العربي اليوم من دمار واقتتال؟ وهل تعتقد أن الشّعر لا زال بوسعه أن يقدم شيئًا للعالم؟ أم أنه لا جدوى منه، وأنّ صوته بالكاد يصل؟
□ ما يجري في العالم العربي الآن يدمي حتى الحجر، فالعراق وسوريا واليمن وليبيا بلدانٌ تحوّلت من مراكز حضارة إلى بؤر للهمجية. وكم أخجل من نفسي حين أسمع عربيًّا مُسْلمًا يرسل الرصاصة إلى صدر أخيه الإنسان المسلم، وهو يردّد: الله أكبر الله أكبر. إن العالم العربي الآن عاد إلى جاهليّته الأولى، فانتقل من الأمة إلى القبيلة، ومن القرن العشرين إلى عصور سحيقة مظلمة، إنْ لم أقل إلى عصور الغاب الوحشي القديم.
وكنت آمل في «الربيع العربي» أن يكون يقظةً، فإذا به غشاوة. وكنت آمل أن يكون بدايةً لتاريخ جديد تبدأ معه بوادر النهضة الحديثة حقًّا، التي أُريق في الكتابة عنها ما شاء الحبر وما شاءت الأفهام، وإذا بها مجرد أحلام وخيالات. ولو عاد من قبره طه حسين أو الكواكبي أو محمد عبده لرثَوْنا.
ومع ذلك، لا يزال الأمل يداعب النفوس المُحبّة للسلام والحرية والعدالة في البعد عن زمن القبيلة التي أفسدت الإنسان والأرض. وكم أخشى أن يتسرب هذا المرض القبلي إلى المغرب العربي، ولاسيما مع هذه البوادر والإشارات التي بدأت في الظهور. فأنت ترى الآن ببلدنا في مناسبات مختلفة من يرفع راية غير الراية، ومن يدعو إلى الشقاق داخل الوطن الواحد بدعوى العِرْق المختلف، ناسِيًا أن لا عِرْقَ صافيًا في العالم، فالإنسان واحدٌ أينما كان، ويبقى الأمل معقودًا على الأجيال الجديدة المثقفة، الواعية والمؤمنة بهُويّتها وبالمستقبل.
■ أحببتُ أخيرًا أن أسألك عن سويعاتك التي تقضيها في البيت بمعية صاحبته ووسط أهلك ومُحبّيك، فلقد تحدثنا ما يكفي عن بيتك الرمزي في الشعر وعبره؟
□ حياتي في البيت مختلفة تمامًا عن الحياة خارج البيت. في البيت، ألتقي بي وَجْهًا لِوَجْه، وصَوْتًا لِصَوْت، وإِحساسًا لإِحساس. في البيت، مكتبتي الصغيرة التي تحضنني إلى صدرها كأُمّ، ثُمّ تحكي لي ما تشاء من أسرار. في البيت، ألتقي مع النصف الثاني أو الأول، فأكتمل وأطمئنّ في الحضن الثاني الذي يحكي لي ما عنده من شَوْقٍ إلى نصفه. في البيت، ألتقي بأصدقاء أُحبّهم، أصغي إليهم بمحبّة وهم أحياء يرزقون. وكم أغيب عن ذاتي وأنا أصغي إلى إنشاد جلال الدين الرومي، وكم أُحلّق وأنا أنظر إلى وجه السهروردي، وكم أحلم وأنا أمدُّ يدي إلى المعتمد، وكم أحني الرأس وأنا أقف أمام ابن عربي في البيت. ففي مكتبتي، عوالم لا يُعدّ أمامها شيئا ذلك العالم الذي خارج البيت. في البيت، حديقة صغيرة أطلُّ عليها وأنا أقرأ في كتاب، فأزداد معرفةً على معرفة. وكم من مرّة توقفت عن القراءة في الكتاب لأقرأ في الحديقة الصغيرة الكبيرة. في البيت، أستمع إلى موسيقى الطير الذي يزور الحديقة في الصباح، ومع المذياع أتصيّد صوت فيروز التي تطير بي إلى غاب جبران، وإلى ناي جلال الدين، وإلى أذان القدس، فأحيا أكثر من حياة. في البيت، مجراي ومرساي.. حتّى لو كنت غائِبًا في سفر، فإنّ مجراي ومرساي في البيت. وحتى لو كنت غائِبًا في سفر، فإنّي أمكث في البيت قَلْبًا وقالَبًا. البيت عالم النصف الثاني أو الأول، عالم الأصدقاء، عالم الموسيقى، عالم الحديقة. وباختصار، هو عالم الحلم الذي هو ما نملك في الحياة.
عبد اللطيف الوراري