عبد الله العروي بين القصر والجماهير

حجم الخط
0

القليل ممن يعرفون علاقة المثقف والمفكر الماركسي المغربي عبد الله العروي بالنظام من جهة وبالجماهير من جهة ثانية، من خلال كتابه « Le Maroc et Hassan 2 / témoignage « يسرد لنا كرنولوجيا خلال 16 فصلا أحداثا تاريخية عايشها بين المغرب وبعض العواصم العالمية كفلورنسا، القاهرة، باريس، الجزائر أوسلو، كنشاسا، لشبونة، هارفرد وقد تضمنت فصول الكتاب شهادة حية إزاء الراحل الملك الحسن الثاني، نترك للمقدمة تشرح بعض تفاصيلها :

مقدمة

«من بين القوانين التي تعني المتوفين بدو أن الجليد أصلب إلى حد يفرض على تحركات الأمراء أن تخضع للفحص بعد بموتهم»

مونتاني

الحسن الثاني لم يكرمني ولم يعذبني، وإنما «اعترف بي» فقط كما يقال في لغة البرلمانيين. لقد تجاهلني، لمدة طويلة، كمثل العشرات من بعض المثقفين الذين كانوا يوثرون الكتابة بالعربية، ثم حوالي 1985، ولأسباب لم أشأ أبدا التعمق فيها، نادى عليّ ليكلفني ببعض المهام التي قبلتها لنزوعي الوطني. وعلى الرغم من كل ذلك لم أصبح أبدا من المقربين منه، لم يضع أبدا الثقة فيّ، ولا تجاذب معي بعض القضايا الداخلية. كان موضوع المهام التي يسندها إليّ ذات صلة فقط بالعلاقات الخارجية للمغرب.
لم يكن الحسن الثاني يحب أولئك الذين عاشوا طويلا في الخارج، أو كانت لهم آراء أصيلة، خصوصا أنه في العديد من المرات كان يؤكد عدم حاجته «لصوت سيده»، ولم يكن يرتاح سوى بين التقنيين أولئك الذين كانوا يكتفون بإيجاد الحلول للمشاكل التي كان يطرحها عليهم، مهندسين، وقضاة، وأطباء إلخ… وكان يتفاهم جيدا أيضا مع العلماء التقلدانيين، الذين كانوا أيضا، وبطريقتهم، عبارة عن تقنيين للعمل والتوجيه السيكولوجي.
دون أن أخفيكم سرا، ليس لدي عنوان بعينه أسمي به كتابا حول الحسن الثاني فاهتمامي بحياته أو سياسته أقل من اهتمامي بالمغرب، الذي خلفه لنا وراءه. كلما سنحت لي الفرصة لألتقي به رأسا لرأس، كنت أقف على طريقة تفكيره وصيغة اتخاذ قراره، دائما كنت أغادر المقابلة وأنا أطرح دائما السؤال ذاته: هل هو حده من خلق النظام الذي نعيش تحت سقفه، وننتقده بينما ننتهي دائما بقبوله؟ أم هل أن المغرب المعهود، إن كان حقا موجودا، هو من أوجده، وحيث كان هو مثلنا جميعا الضحية الراضية؟ فإن المشاكل التي واجهناها طيلة أكثر من أربعين عاما، التي لا أحد منا استطاع أن يطوقها، تتوضح على نحو مختلف حسب نظرتنا إزاء الحسن الثاني، كمجدد أو متمم. إن المفاهيم التي نتطارحها دون توقف ـ التغيير، الإصلاح، القطيعة، إلخ. ـ ليس لديها المضمون نفسه في هذا الطرح أو ذاك. وانطلاقا من هذه المسألة المدرجة في لب كتابي، أعتقد أنني منحت نفسي الوسيلة لأكون منصفا إزاء عاهل كنا نمدحه بلا حدود أو نزدريه دون تحفظ. فبقدر ما كان محترما من طرف زملائه قادة الدول، الذين كانوا يروه عن كثب، بقدر ما كانت معاملته من قبل بعض الصحافيين سيئة والذين لم يعرفوه سوى عن طريق الإشاعة. عندما اقتحمت لأول مرة عتبة القصر الملكي، أدركت للتو كم هي المسافة التي تفصلني عن مواطني ذوي النزوع الملكي. لقد استطاع شاتوبريان أن يؤكد، أن يولد بسانت مالو، لم تجعله يألف حياة البلاط. وأنا بدوري، وقد ولدت بمدينة صغيرة محاذية للمحيط كان لدي، دائما، الانطباع بالموانع ذاتها، وبما أنني لا أنتمي لأي أقلية لم أكن لأبحث عمن يحميني. لست شعبويا بيد أني لم أكن لأخشى التجمعات. وإذن لا شيء كان يمنعني من التعلق بشخص العاهل. وإذا كنت مهتما بفهم خطواته فإن ذلك، وقبل كل شيء، لأني كنت مدفوعا بهاجسي الوطني.
عند منتصف فترة حكمه، وبعد تصالحه مع قيادة المعارضة، وبالتالي الأزمة التي أعقبت ذلك وتعارض المغرب مع الجزائر في موضوع تحرير الصحراء الغربية، لم يكن للحسن الثاني غير طموح واحد: أن يكون ملكا عظيما.
أعتقد بأن له مكانة في متحف عظماء ملوك المغرب. فبتحرير هذا الكتاب، لا أريد مدحه ولا إدانته وانما فهمه فقط.

كاتب ومترجم مغربي

عبد الله العروي بين القصر والجماهير

محمد العربي هروشي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية