عبد المنعم رمضان في «متاهة الإسكافي»: البوح الشافي والتنزه في معاني الجسد

حجم الخط
0

 

الأقلية النادرة أو السعيدة، على حد تعبير ستاندال، هم من يصغون إلى نداء المتخيّل والمتنائي والاستثنائي، في إماطة اللثام عن المخفي والمستتر والمتواري وراء طبقات من الهجران والنأي بالحقائق الداخلية إلى ما وراء المستور والمسكوت عنه، وإن حدث وجاء من يكشف هذا المنزوي والمُحرّم والمطموس فلسوف يخوض عناء غمار هذا البوح، ورفع الستار المسدل على هذا الكلام غير المباح، فإنه سيكون الشخصية الحقة والفذة والمغامرة، تلك التي سعت إلى إضاءة المشهد وكشف تفاصيله الحسيّة وتسليط المزيد من النور حول تلك المشاعر الإنسانية الدفيئة.
الشاعر عبد المنعم رمضان سعى إلى كشف المخبوء والمطمور من الأحاسيس اليومية، بادئاً بنفسه ومن ثم الأقربين إليه ومن صادفهم خلال مسيرته الحياتية، منذ طفولته وصباه، وحتى شبابه وأيام مراهقته وسنوات الدراسة.
الكتاب الأوروبيون ليس لديهم مثل هذه المشكلة الآن، لقد مروا بها قبل أكثر من مئة عام، وواجهوا أقدارهم ومصائرهم وطرحوا منتجهم الحسي، بكل جرأة وتحد، وتخطوا التابو والعوائق وما سوف ينتج منها، من منع ومحاكمات ومصادرة لكتب عمالقة الأدب العالمي، جان جاك روسو، اوسكار وايلد، ويتمان، هنري ملير، أناييس نن، بودلير، رامبو، جيمس جويس، محمد شكري، وآخرون غيرهم، حتى باتت نصوصهم ومنتوجاتهم الإبداعية كتباً رائجة وعادية، وطُبِعتْ آلاف الطبعات.
العرب القدامى، أسلافنا التراثيون، أيضاً، كان لهم قصب السبق في ذلك، وكان هؤلاء العظماء هم ممن تخطى حاجز المحرّم والمقدّس والمحذور. لقد غامروا ونجوا بمنجزهم الجمالي ولكن للأسف ليس الآن، بل حدث ذلك قبل ألف عام ويزيد، عندما تداول العرب حكايات ألف ليلة وليلة وكتاب «زهر الربيع» وكتاب»الأغاني لأبي فرج الأصفهاني» وتداولوا أشعار أبي نواس، وابن الحجاج وابن نباتة ثم جاء بعدهم بقرون قليلة التيفاشي والنفزاوي وصفي الدين الحلي ليسطروا جموح المخيلة ويكتبوا لحظتهم الإيروسية المغموسة بنار الأشواق والتوله الرغبوي والشهواني.
وقبل أن نتيه في متاهة أخرى، نعود إلى متاهة الشاعر المصري عبد المنعم رمضان «متاهة الإسكافي» الذي كتب سرداً بالغ السطوع في مجال الكتابة التي تتنزه في معاني الجسد والرغاب والشهوة، دون أي رقيب معنوي وذاتي، بل مضى كما مضى أسلافه السابقون في تعرية الذات الخجلى، وكشف مضامينها علانية دون أي شعور بأنه سيكون مُراقباً أو مُحاسباً أو مُقيّداً، وعليه التحسّب والتنبّه والحذر، عبر القيد الذي يطوّق يده وهي تُسطّر، تلك الرؤى التعبيرية الحارة والساخنة، تلك المكاشفات التي تبوح وتقول وتصف وتتوغل في المشاهد الدافئة بعين المثقف الرائي، وليس النمطي والسائر على خطى المسلوك والمألوف والمتعارف عليه في الكتابة العربية.
ذلك أنّ كل كتابة لا تؤسس وتبني وتعلو لا يعوّل عليها، أو كل مكان لا يؤنث لا يعوّل عليه، كما قال شيخنا محي الدين بن عربي مرة، ومصر مؤنثة بجمال طبيعتها ومكانها اللافت بين الأساطير والعالم والكون والمترامي.
يكتب عبد المنعم رمضان سيرته وسيرة الأهل والجيران ورفاق الطفولة، حيث أيام الدراسة بتموجاتها ومراحلها وزهو دقائقها وتفاصيلها، يكتب عن والدته بمحبة الطفل الذي يتعلق بالأم، ويكتب عن والده بكل طيبته وهفواته ووصف يومياته في البيت، وحتى مشاغله مع والدته وكيف يشرع في حبها. ليس ثمة مواربة في الكلام والمسرود عنه، ليس ثمة تماه مع الموصوف، فالموصوف وهو الوالد، له حدبة تشبه السنام، وله ورعه أيضاً، في صلاته وصومه، لا سيّما أنه رمضان، الاسم المعطى له من قبل مسجل النفوس عنوة، وهكذا عليه أن يتقبّل تسمية المسؤول والحكومة، فهي تسمّي وتعطي وتأخذ، متخلياً عن اسمه الحقيقي مصطفى.
يحكي ابن مصطفى، عبد المنعم الشاعر، تواريخ جدّه وتحدّر العائلة ووصف العم مبروك وابن عمّه، ويصف الجدّة الحكاءة التي تستفيض في تفاصيل العائلة وتدله على الأرومة وتوابعها ومشتقاتها.
يبدأ عبد المنعم رمضان سيرته، مثل أي كاتب، بالطفولة، حيث الأصدقاء الثلاثة الذين يذهبون قرب الترعة إلى الحقول ليقطفوا التوت من الأشجار، واصفاً بطريقة شاعرية حركات الأطفال ومشاهدم وهم يحاولون قطف التوت واللعب بين الترع والحقول.
وحين تستأمن عبد المنعم ويأخذك الحكي والكلام وتصحبك متعة السرود الشعرية، وأجواؤها الرومانسية، يسعى بالتدريج، لأن يكشف عن تفاصيل حياته اليومية، في طور المراهقة، وطور مراهقة أخته، وما يعتري الاثنين من لواعج ورغاب دفين تجاه الآخر، حتى تتزوج اخته من ابن عمّه الذي يحبها ويناور من أجل الفوز بها.
في الفصل الثاني بعد فصل «الساحرة» يُعرّج عبد المنعم رمضان في الحديث عن الأب ومسز فاطمة، والمعنية هنا الأم التي تزوجها، بعد زوجته الأولى التي طلقها، بتحريض من أخيه، سترحل أمه فاطمة عن الدنيا وهي في شقة أخته بعد معاناة مع التهاب رئوي وتناول حقن المورفين، وكما هو دارج في الحياة، من تلازم الأزواج المحبّين لبعضهما، سيرحل الأب بعدها بفترة قصيرة، ليجد الفتى عبد المنعم نفسه، أمام الكتب والكلمات والاستعارة والحقول اللغوية، في كتب سوف يتبعها، وكتّاب بعينهم سوف يقتفي أثرهم، محمد عبد حليم عبد الله، وابن خفاجة، ومارون عبود، والمازني «كان المازني يمشي أمامي وأمشي خلفه، يعرج فأعرج، يستدير فأستدير، ويقف فأقف، كنت أحفظ وأحافظ على المسافة بيني وبينه»، وجمال قطب الذي أخذه إلى خان الخليلي، وزقاق المدق والسكرية وميرامار. ثم يروي فترة ذهابه إلى الإسكندرية حين نجح في الامتحان فكوفئ على ذلك، كان صحبة أصدقائه الناجحين مثله، فهناك سيكتشف سرّ البحر وجمالياته ورموزه الموحية وربما غدْره بمن لا يعرفون كنهه وأسراره الزرقاء وأبعاده المجهولة.
يسترسل عبد المنعم في تفاصيله الممتعة، ولا يتورّع من الإشارة إلى رغبات جسده، ورغبات الآخرين، من القريبين والجيران ومن حوله، في توريات واستيهامات واستيحاءات، تدخل في الإيروتيكي ولا تناور، وهي تسرد المحلوم والمتخيّل والملتهب في المخيّلة من الجمال القريب والبعيد، إنه هتك عام للغة يجريه الشاعر عبد المنعم رمضان عبر مبضعه التعبيري، يشرح ويُفصّل ويلم الشتات واللباب معاً لكيما يحصل على المشتهى من الذكريات.
يقول: «استسلمت وحدي للذكريات، أصبحت مالكها الوحيد» ليمضي في تهيئة الجو لنا، وعلينا أما تقبله، بما يحمله من ألغام شهوية، ورموز رغبوية، ومفاتيح يرميها لنا، لكي نستدل نحن، على المثير والمشع والمبهم، بين السطور التي تمرّ، حين تحمرّ التجربة وتسخن بمنخفضات سفلية، تتوخى الإيحاء وما علينا هنا سوى الاستكناه والاستغوار وفض عذرية الكلمات، بما يحمله حسنا من خيال، أما في الجانب الآخر من التصوّر، فقد يرفض العقل المُلقّن والتقليدي والمتزمت، المس بالمحذور وتخطي الخطوط الحمراء، ويستوجب التمسك بالتقاليد والنمط والعُرف، وعدم الاقتراب من الخطوط الحمراء، في كل مناحي الحياة وواقعها التفصيلي.
من هنا نستطيع القول إنها كتابة حمراء، دافئة، غير معنية بالرقيب الداخلي، كتابة تتوجها اللغة الشعرية، في حين، وفي حين آخر تشتط لتكون شفاهية، لغة شارعية، تستنبط حكاويها من الماضي، من التاريخ، من الفطنة، والتحكّم المتقن بمسار الذاكرة، من أجل قيادة الذكريات لتساس باتجاه الحقيقة والمنطق، منطق العقل أو الشارع والمقهى ودور السينما واسترجاع الشبق الثنائي، والتنويع على بطلات مضَين في خفة في تابلوهات السينما ووقفن في كامل جمالهنّ، وبريقهنّ، وروحهنّ المرحة، وخفتهنّ من ناحية السريرة، لكي يطفح سرورهن أمام الكلاكيت، في لحظة زمن جميل غارب، ذهب ولن يعود، ونحن نمر في هذه الأزمنة المرة، أزمنة تحجيب العقل والوعي والجسد، بكافة صنوف التراجع والتخلف والنظر إلى الرمادي والأسود والمكبل في حياتنا التاريخية الماضية، وليس النظر في ما أنجز من علم وتقدّم في الحضارة العربية الماضية.
يسترد عبد المنعم رمضان عبر ذاكرته الطرية، أزمنة الجيل الذي مضى، ووقف بجرأة أمام الكاميرا، من أمثال سعاد حسني، وزوزو نبيل، وشويكار وغيرهن من الفاتنات اللواتي سطعن في سماء السينما المصرية.
كذلك يمرّ في أيام صباه على سوق الخميس مع والديه اللذين يبحثان في السوق عن أضحية، وهو لا يبالي، سوى ببائع الصور الذي يبيع صور الأولياء المزخرفة، والملونة، فرحاً بها وشارباً العرق سوس في زحمة سوق الخميس، وحين بلغ صار ينتظر بشغف موزع البريد الذي سيحمل إليه رسالة من مها التي أحبها، وهو يديم الجلوس على السطح لكي يُري نفسه للجارات ويراهنَّ وهو يحمل كتابه ودفتر شعره ليدون فيه أحلامه ورؤاه الفتية.

عبد المنعم رمضان:«متاهة الإسكافي»
دار الثقافة الجديدة، القاهرة 2014
155صفحة

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية