عبد الوهاب بوري وهندسة «الخط المغربي» في القصيدة الكاليغرافية

حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي» من محمد البندوري: الوعي بالبعد الجمالي للخط المغربي وتناميه تماشيا مع التطور الحضاري، يظهر جليا في الشعر المغربي، وبذلك نجد بعض الشعراء الذين أنجزوا نصوصهم وفق المعطى الجديد للشكل البصري، واعتماد الخط المغربي في تشكيل المكان، قد ذهبوا بعيدا في هذا المنحى بوجود خطاطين مهرة أبدعوا وأجادوا وشكلوا منحى حروفيا للقصيدة المغربية، منهم الخطاط عبد الوهاب بوري الذي قدم شكلا فنيا خاصا للقصيدة الكاليغرافية.
ففي نطاق الدعوة التي وجهها محمد بنيس لاعتماد الخط المغربي على وجه الخصوص في القصيدة المغربية، وتجاوز الخط المطبعي لكونه يغيب جسد الشاعر، نجده قد وقع في تناقض عندما أحضر تجربة الخطاط عبد الوهاب بوري التي اتسمت بهذه المطابقة. فأشعار محمد بنيس اعتمدت في تخطيطها على بوري، حيث شكلها من الخط المغربي المبسوط لتحقيق شعرية النص وإضفاء جمالية الخط المغربي بشكل مغاير للمعتاد. وبذلك تبدى أمام القارئ أن هذا العمل الواحد قد دخلت فيه ذواتان وهو ينتمي في نهاية الأمر إلى الشاعر الواحد. فإذا كان محمد بنيس قد غيب جسده ولجأ إلى الوسيط الخطاط عبد الوهاب بوري في إنجاز القصائد بالخط المغربي، فإنه بذلك طرح سؤالا محوريا حول دور الخطاط نفسه في توجيه عملية التلقي وتوجيه المعنى البصري، ذلك أن مشاركته ليست محايدة، فالخط يحضر بكل حمولاته وإيقاعاته، والخطاط يصب كل إحساساته وانفعالاته ومشاعره، ليصبح القارئ أمام منتجين هما: الشاعر محمد بنيس والخطاط عبد الوهاب بوري.
ولتناول هذا الموضوع لا بد من ذكر فعالية عبد الوهاب بوري الخطية حيث يعتبر أحد المهندسين في الخط المغربي لهذه القصيدة وكاتبها بعشق الخطاط وشغف المبدع المجدد. وقد برع في ذلك من خلال تطويع حروف الخط المغربي المبسوط لسلاستها وليونتها مع نمط القصيدة ونمط الخط المغربي، ليصنع توليفا جماليا ومشهدا فنيا بصريا جديدا في الثقافة الخطية المغربية، معتمدا على استدارات الحروف الملائمة لتشكيل النص وفق رغبته ووفق هواجسه وانفعالاته وتفاعله مع النص ومع جماليات الخط المغربي، ليشكل أيقونة جمالية للنص. وقد تمت الكتابة بالخط المغربي المبسوط، بسمك عادي وموحد أحيانا، وبسمك متنوع أحيانا أخرى حسب تفاعله مع عمليات الكتابة بالخط المغربي في كل النصوص وفي بعض الأبيات، ليقوم بتكسير نمطية الكتابة المألوفة، خاصة في الشعر، وليمثل من خلال ذلك أنموذجا جديدا للشكل البصري المرتكز على الخط المغربي المبسوط، لكن بصيغ فنية خاصة بالخطاط عبد الوهاب البوري، حيث حاول في بعض القصائد الاعتماد على تقاطع الأبيات وتقابلها ثم تشكيلها على شكل مثلثات، واعتمد في أشكال أخرى على السمك في تثبيت الخط المغربي المبسوط، حيث وضعه بشكل غليظ بارز يخترق القصيدة من الأسفل نحو الأعلى ويقتطع حروفها. وتتوسطهما لام الألف مع الهمزة (لاء) بخط كوفي سميك تبتدئ منه القراءة، وهو يتأسس على مبدأ التفصيل، إذ يتسنى للقارئ أن يبدأ القراءة من أي جزء من الأجزاء، رسم من خلاله الخطاط عبد الوهاب بوري صورة بصرية ذات دلالات إيحائية تكشف عن معالم جديدة في الخط المغربي ثم في الشعر المغربي.
إن عبقرية هذا الخطاط الذي تألق في فترة الستينيات والسبعينيات وما تلا ذلك من إنجازاته، جدير بالمتابعة العلمية والمعرفية وجدير بالدراسة والبحث، لأنه قدم مشهدا خطيا غير مستهلك، وأبدع في الخط المغربي بطريقته الخاصة وبأسلوبه المميز، فحظي الخط المغربي على إثر ذلك بتغيير في شكل الكتابة، حيث انتقل به من الكتابة العادية إلى تشكيل المكان بنوع من المهارة والتقنية العالية، فاسترعى اهتمام النقاد والأدباء والخطاطين والباحثين وحظي كذلك بالتقدير. ويعتبر بذلك الخطاط عبد الوهاب بوري من الأوائل الذين صنعوا هذا الإنجاز الريادي للخط المغربي.

عبد الوهاب بوري وهندسة «الخط المغربي» في القصيدة الكاليغرافية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية