عبقرية الانكليز في تسويق «طمباخية»!

حجم الخط
1

في صغري عندما كنت أمارس كرة القدم مع رفاق الطفولة في أزقة الكويت وحواريها على ملاعب رملية، كنا نتوارى كلما غضب منا أحدهم على الازعاج الذي نسببه، ودائماً ما تلاحقنا كلمات التسفيه والعتب والتي تنتهي بـ»هدوكم من الطمباخية ويودوا دروسكم»، أو بالفصحى «اتركوا كرة القدم واهتموا بدروسكم»… الطمباخية هذه أصبحت اليوم مصدر سعادة وفرح وتنافس لغالبية شباب العالم، بل أصبحت لغة مشتركة وعاملاً مشتركاً بين شباب لا يمتون لبعضهم بعضا بأي صلة جغرافية او دينية أو عرقية، فيصبح أنصار ريال مدريد مثلاً «أخوة دم» يستقتلون للدفاع عن كريستانو وبيل وبنزيمة، مهما كانت خلفياتهم.
اليوم، وبسبب هذه الشعبية الجارفة لكرة القدم (الطمباخية)، نجح عباقرة التسويق الانكليز في جعل بطولتهم المحلية الأغلى في عالم اللعبة، فبعدما دفعت شركتا «سكاي» و»بي تي» أكثر من 5 مليارات جنيه استرليني للحظي بحقوق البث من 2016 حتى 2019، فأنه أصبح صاحب المركز العشرين والأخير في البريميرليغ أثرى من بطل أي بطولة دوري أخرى في العالم، حتى من ريال مدريد وبرشلونة في الدوري الاسباني، ففي الواقع فان متذيل الدوري في موسم 2016-2017 سيجني على أقل تقدير 106 ملايين جنيه استرليني، في حين سيجني ريال مدريد وبرشلونة معاً 110 ملايين جنيه، أي ضعفا ما سيجنيه زعيما الكرة الاسبانية اللذان بدورهما يتقاضا نصف حقوق البث في الدوري الاسباني، فيما تتقاضي بقية الاندية الـ18 النصف الآخر.
ومباشرة فور سير مفعول العقد في الموسم بعد المقبل، فانه ستصبح الاندية الممتازة العشرون بين أثرى 30 نادياً في القارة الأوروبية، في صورة واضحة الى القوة الجبارة التي يتمتع بها دوري اسمه «البريميرليغ»، الذي بدأ في 1992 ببيع حقوقه بـ191 مليون جنيه فقط لمدة خمس سنوات، قبل ان يقفز الى 670 مليون جنيه في العقد التالي للفترة بين 1997-2001، ليكسر حاجز المليار في الفترة بين 2001-2004 وتحديداً بـ1.2 مليار، ليهبط بين 2004-2007 الى ما يزيد على مليار بقليل، قبل أن يقفز الى 1.706 مليار للفترة بين 2007-2010، وزاد المبلغ بضعة ملايين للفترة بين 2010-2013، قبل ان يتضاعف الى أكثر من 3 مليارات في الفترة الحالية.
وطبعاً العقد الحالي المقدر بأكثر من 5 مليارات جنيه، لا يشمل المبالغ من بيع حقوق البث الخارجي حول العالم، والذي قد يدر 3 أو 4 مليارات أخرى.
لكن كيف نجح الانكليز في جعل لعبة ترفيهية، من المفترض ان تكون فقط للهواية، ان تصبح قوة اقتصادية هائلة؟ الجواب ببساطة يعود الى الحنكة التسويقية والدراسة المستفيضة، والأهم العدالة في توزيع الثروات التي تجنى من اللعبة، فلا معنى أن يحظى فقط الكبار بالمبالغ الرئيسية في حين يهمش الباقون على غرار الدوري الاسباني، لان هذا سيهد الأساس الذي تبنى عليه الاثار والتنافسية، فحتى الفرق الممتازة التي تهبط الى الدرجة الاولى تظل تحظى بمبالغ تسمى «باراشوت ماني» أو أموال مظلة الهبوط، والتي تهدف الى أن لا يعاني النادي الهابط مالياً على مدى العامين التاليين جراء رفع عقود لاعبيه وللتخلص من الأعباء. مثلما كانت الأندية الانكليزية سباقة في الزيارات الخارجية، الى شرق آسيا والولايات المتحدة وافريقيا، لتعزيز شعبية البريميرليغ، فنجحت هذه الاندية في استقطاب شرائح كبيرة من المعجبين، حتى عززت هذه الأندية علاقتها بالعالم الخارجي عن طريق ضم نجوم الدول التي تحظى فيها بشعبية هائلة. وأيضاً لعبت رابطة الدرجة الممتازة دوراً مهماً في تعزيز الشعبية، حيث راعى فارق التوقيت بين انكلترا وكل دول العالم، فاختار أوقاتاً لاقامة مبارياته تتلاءم مع الجميع، بدءاً من مباريات مطلع ظهيرة السبت التي يكون موعدها هو الذروة في دول شرق آسيا، وعصر السبت الذي يمثل أيضاً ذروة المشاهدة في الشرق الاوسط، بالاضافة الى موعدين يومي الأحد وهو العطلة الرسمية لغالبية البلدان الغربية والامريكيتين، وأضاف اليهما موعداً في ليلة الاثنين، الذي يعد يوماً «ميتاً كروياً»، وأضاف اليه من خلال العقد الجديد، موعداً جديداً في مساء أيام الجمعة. فلم يعد هناك مشجع كروي وعاشق للعبة في العالم لا يمكنه مشاهدة مباراة أو اثنتين من هذه المواعيد.
وحتى لو كان المشجع الكروي لا يعشق الكرة الانكليزية، فأنه سيكون مضطراً خلال فترة أعياد الميلاد (الكريسماس) أن يشاهد جولات مكثفة من منافسات حامية من البريميرليغ، كونه الدوري الأوروبي، وحتى الغربي، الوحيد الذي لا يتوقف او يذهب في اجازة كنظرائه في المانيا او اسبانيا او ايطاليا، بل يزيد من جرعات المباريات، وتخوض الفرق 4 جولات في غضون 10 أيام تكون كفيلة بجذب المزيد من عشاق اللعبة، الذين لن يجدوا منافسات أخرى تدور رحاها سوى في انكلترا.
يبدو أن «طمباخيتنا» في عالمنا العربي ظلت كما هي «طمباخية»، لكن عند الانكليز «طمباخيتهم» غير، فهي تلد ذهباً.
@khaldounElcheik

خلدون الشيخ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية