بغداد – «القدس العربي»: من دون ضوضاء، يقدّم الشاعر العراقي عبود الجابري منجزه الشعري للقارئ، هذا المنجز الذي يطرح من خلاله حكاياته العراقية بلغة تبتعد عن الانفعال والصراخ، فحكاياته تقترح واقعاً بديلاً من خلال سرده لمنمنمات مدينته النجف أولاً، ولتفاصيل آبائه الذين خاضوا الحروب جميعها ثانياً، ليخرج بعد ذلك ببناء خاص به، فالحياة من وجهة نظرة ليست إلا تمثلات لما نشعر به وليس ما نعيشه فعلاً، وهي بين هذا وذاك منجماً للشعر وللإبداع لا يمكن أن يتشكل إلا من خلالها.
الجابري المولود عام 1963، ترك العراق منذ عام 1992 متوجهاً إلى عمّان، تلك المدينة التي أحبها وتزوج فيها وأصدر فيها مجموعاته الشعرية الثلاث: «فهرس الأخطاء» 2007، «يتوكأ على عماه» 2009، «متحف النوم» 2012، «فكرة اليد الواحدة» 2015… ورغم هذه المجموعات وتمسك الجابري بالشعر، إلا أن هناك عوالم أخرى يعيشها الجابري ويتألق فيها فيها أيضاً، خصوصاً عالم الترجمة الذي قدم من خلاله نصوصاً شعرية لشعراء من دول مختلفة يكتبون باللغة الإنكليزية، ومقالات في الشعر وعنه.
■ كيف يمكن لشاعر أن يترجم أخطاءه شعراً، ربما فعلت أنت ذلك في مجموعتك «فهرس الأخطاء»، لكن أخطاءك تلك كانت دافعاً أكبر لأن تقترح فهارس جديدة في تجربتك الشعرية؟
□ لم أترجم أخطائي، ولكنني أشرت إليها على استحياء، وهذا الحياء قادني إلى ندم شديد جعلني أفكر باستدراكات يمكن لها أن تكون معادلاً موضوعياً للمسكوت عنه في نصوص «فهرس الأخطاء»، هذه الاستدراكات كانت نصوص مجموعاتي الثلاث التي تلت، وعلى الرغم من ذلك ما زلت مقتنعاً بأن الوقت الذي تغتصبه الحياة مني قد قتل كثيراً مما يمكن أن أسميه شعراً وأعتد به لو توفرت لي سبل أكثر سهولة في الحياة، لكنني ما زلت مصراً على الإتيان بما يمكن القول يوماً إنّه قصيدتي التي أسعى إليها.
■ اليومي والمتداول من أهم السمات التي تشتغل عليها في نصوصك، حتى كأنك تعيد إنتاج حياتك وحياة من تحبهم بطرائق تقترب تماماً من الحقيقية.. وتبتعد عنها حدَّ الأسطرة في الوقت نفسه.. كيف يمكن لك هذا المزج؟
□ ذلك لأني مولع بالتقاط ما يصادفني أينما حللت والتفكر به ساعة الخلوة وتأويله فلسفياً وشعرياً، وهي مهمة عسيرة تناقض ما يراه الناس في الكتابة في هذا الباب. اليومي والمتداول بات أقرب إلى ذائقة القارئ لأن الشاعر يغني نيابة عنه، القارئ يجد نفسه في ما لا يستطيع التعبير عنه، وأنا كذلك، أكتب ما يشبه مزاجي في القراءة ومزاجي في هذا الباب أكثر ميلاً إلى الكتابة عما هو ملقى على الأرصفة من التفاصيل ولا يجد من ينبري لالتقاطه ونفض التراب عنه وتقديمه بصورته الناصعة، ويبدو لي أن محاولاتي في الاقتراب من الحقيقة وأسطرة ما يحيط بها من تفاصيل لكي تبدو بعيدة فيها نوع من الصنعة التي لا بد منها لكي تقدم نصاً يثير اهتمام القارئ، فلست حكّاءً بأي حال من الأحوال، وذلك يقودني إلى التفكير بالشعر قبل الخروج من قلب الحكاية والإعلان عن تمام النص.
■ مجموعتاك الأخيرتان «متحف النوم» و»فكرة اليد الواحدة» كانتا تشتغلان على فكرة النوم، وكأنك تهرب من اليقظة وواقعها.. لماذا هذا الهروب؟ وكيف يتجسد شعراً وواقعاً؟
□ ليس في الصحو الذي نعيشه ما يغري بالمديح، النوم بيت أحلامنا التي لا تأتي، وهو محاولة فاشلة كذلك للخلاص من هذه اليقظة القبيحة… شخصياً لديَّ عطش إلى النوم مردّه شظف الحياة التي عشتها طفلاً والتي كانت تحتم عليّ أن أعمل ليلاً وأنام قليلاً في النهار، ويبدو لي أنّ هذا الأمر خلق له إسقاطات ممتدة على حياتي حين كبرت، وقد آمنت بهذه الإسقاطات ولم أحاول التخلص منها، فهي وسيلتي الوحيدة للاحتجاج حين حوصرت بأبنائي وحاجتهم إلى أن أكون متيقظاً ويدي على زناد الوقت لكي لا تفلت الحياة من بين أيديهم.
في لغتي الشعرية كثير من العمى وهو نوع من النوم العمد، وكثير من النوم وهجاء الصحو الزائف، هي على أي حال مفردات تتوغل في نصوصي ولا أشعر بها إلا حين أفرغ من الكتابة، ولم أجد في هذا القاموس ما يضير طالما كان وسيلة للصراخ الذي لا يخدش أسماع الآخرين.
■ قلت إنك تسعى لتغييب مفردة الموت حتى لا تكون نبوءة لموتك..! هل يمكن أن نحذف من لغتنا؛ نحن العراقيين، المفردات التي أصبحت مرجعية رئيسة في ثقافتنا؟ وكيف يمكننا نزع موتنا من اليومي والسائد في تفاصيلنا؟
□ هي محاولة تشبه الغناء في الظلام لطرد الخوف، أفكر كثيراً وأتوقف عند مفردة الموت حين أوردها في نصوصي، على الرغم من حضورها الكثيف في لغتي لفرط ما عاشرنا الموت في بلادنا، وأتخيل الكتابات الأخيرة لبعض أصدقائي من الراحلين وكيف أن آخر ما كتبوه كان يشي بأنهم سيموتون قريباً، هذه التفاصيل تخيفني، لا أريد أن أتنبأ بموتي على الرغم من عدم خشيتي منه، أريده أن يأتي من دون توقع أو انتظار، الموت عندي في القصيدة رديف مكروه لجمال أصبو إليه في بلاغة النص ونزق الحياة، ويبدو أننا معشر العراقيين مبدعون في رسم صور شخصية واضحة المعالم والألوان لهذا الموت بسبب من وضوحه في مرايانا، لذلك نجد ثمة متعة في تعقب المفارقات التي عشناها ونحن نقارن موتنا بحياة الآخرين.
■ هل يستطيع الألم الذي نمر به على كتابة نصوصه؟ وما الذي يجعل من النص الإبداعي مقنعاً ومعبراً عن الألم الذي أنتجه وأنتج الشاعر معه؟
□ لا أحب النواح كتعبير عن الألم، أحب أن أكتب عن الأرض الخالية بعد سقوط المنزل المشيد عليها، أحب الكتابة عن الجوع حين أرى السنبلة تموت، أحب أن أمدح السعادة كهجاء للبؤس، وأحب كذلك مديح الجمال في إشارة إلى نقائضه التي تحيط بنا، أحب النصوص التي تشير ولا تصرح… نعم الألم ينتج نفسه في قاموس الشاعر وذلك القاموس ينتج شاعراً محفوفاً بالألم، وتبقى هنا قضية الشاعر الرئيسة التي تتلخص في محاولاته المستمرة في الخلاص من هذا الألم أو تجميله لكي يستمر في العيش، ولذلك تولد نصوصنا، نحن العراقيين، خصوصا والعرب بشكل عام مشاعر مريعة لدى المتلقي الأجنبي حين يعاين هذا الكم من الوجع في سطورنا ويبدأ بالتفكير بشكل الإنسان الذي يستطيع تحمل كل هذه القسوة ويبقى حيّاً، وفوق ذلك يكتب عنها ويصفها كما لو أنها الحديقة التي يلعب فيها كل يوم.
■ يرى البعض أن الشاعر يكتب قصيدةً واحدة في حياته، أما نصوصه الأخرى فهي تنويعات أو تطوير لنموذجه الأول.. كيف يمكن للشاعر أن يغير من جسد لغته وجلد مفرداته مع كل مرحلة من مراحله الشعرية؟
□ ما يراه هؤلاء لا ينطبق على جميع الشعراء. صحيح أن بعض الشعراء يمتازون بقاموس يحدد هويتهم ويمكنك التعرف عليهم من خلال هذا القاموس، لكني أؤمن أن على الشاعر أن يسعى لتجديد لغته ومواضيعه وهذا الأمر يؤتى عبر تجديد القراءة وتنويعها والخروج من روتين حياته اليومية، كما أن للمغامرة اللغوية شأنها البارز في هذا المجال، اللغة تتغير تبعاً لتقادم العمر البيولوجي للفرد، وهي إن لم يتسنَّ لها ذلك فإن ذلك يعني أن الشاعر أو الكاتب ما يزال يراوح على الصخرة العالية نفسها التي بقي متردداً خائفاً من الهبوط منها، وعليه في هذه الحال أن يبحث عن مهنة أخرى أكثر جدوى بدلاً من البقاء بالطعم نفسه عبر سنوات عمره.
■ كيف يمكن للشاعر أن يكون فريسةً للمكان؛ على حدِّ قولك؟ وهل يحتمل أي كاتب أن يجلد نفسه ليبرئها من حمى الأمكنة التي تسكنه؟
□ لا يمكن الكتابة بمعزل عن المكان وتأثيراته على الأديب، لكن الكتابة الشعرية تصف انعكاسات المكان على الشاعر حتى لو لم يقم بوصف ذلك المكان، الشاعر يصل إلى النتائج بشكل مباشر، على عكس السرد الذي يقوم بوصف المكان كجزء من مهماته الفنية، ونحن كعراقيين جميعنا فرائس للأمكنة التي أردنا البقاء فيها أو الوصول إليها وأسقط في أيدينا مثلما نحن فرائس للأمكنة التي أكرهنا على الذهاب إليها وأحيانا العيش فيها، في المكان دائماً هناك حنين إلى ما هو حلم ورفض لما هو كابوس مع افتراض خوفك في المكانين، لا يستطيع الكاتب أن يكون صادقاً حين ينبري ليبرئ نفسه من وطأة الأمكنة التي تعيش في تقاطيع وجهه وتفاصيل حياته، مع استثناءات قليلة انتبهت إليها عند بعض أصدقائنا الذين يعيشون في المهجر، حين أرادوا الكتابة تحت تأثير الانبهار بالبلدان التي يعيشون فيها، فجاءت كتاباتهم باهتة لا تحمل ذلك الوهج الذي تمتعت به نصوصهم حين كانوا في العراق.
■ كانت للترجمة مساحة كبيرة في حياتك، غير أن ترجماتك للشعر والنقد تعبر عن شخصيتك كشاعر… ما الفارق بين عبود الجابري الشاعر والمترجم؟ وكيف تعيد إنتاج نفسك بين الكتابة الإبداعية والترجمة؟
□ لا أعتبر نفسي مترجماً، ولن أجرؤ على هذا الإدعاء يوما، فأنا أترجم ما أجدني قادراً على الإخلاص له من النصوص، وما أستطيع الإخلاص له هو ما أراه قريباً إلى نفسي، سواء على صعيد الشعر أم على صعيد النقد، لذلك قمت بترجمة سلسلة مقالات تهتم بالشعر وعلاقته بالأشياء تعبيراً عن اهتمامي وحاجتي إلى معرفة أعمق للشعر من وجهة نظر غربية، صحيح أنّني أتوق إلى ترجمة مشاريع كثيرة من قراءاتي لكن هذا التوق، كما أرى بحاجة إلى حاضنة لا تتيسر لي في الوقت الحالي، ويمكن أن أعود إلى العمل عليها مستقبلاً، حين أكون مالكاً للوقت والمحيط كضرب من ضروب الحلم. الترجمة تمنحني تجديداً للغتي وخلق مرادفات أكثر ندرة مما هو متداول لدى الآخرين، كما أنها تشذب صوتي من الضجيج وتقودني إلى المقارنة بين الموضوعات الشائعة في الأدب العربي وما يتم تناوله من موضوعات في الأدب الغربي نراها بعيدة عن اهتمامنا وربما تكون مدعاة للسخرية من البعض حين يرى الأديب العالمي مهتماً بالبيئة والطبيعة والطغيان التقني على التفاصيل الإنسانية في الحياة هناك… ولعلني ألتمس لنا عذراً في ذلك، فنحن نعيش في أوطان (لا تنتمي إلينا) كتنويع على عبارة أدونيس، لذلك ينصب جل اهتمامنا على التفكير بالوصول إلى الغد بسلام واتقاء الضرر المحتمل الذي يمكن أن تسببه لنا أيامنا الراهنة.
صفاء ذياب