عثرات وأخطاء في خمسة حقول: عودة إلى تجاوزات الترجمة

حجم الخط
7

ليس الغرض هنا ذكر أسماء الأشخاص، ولا التشهير بأحد، بل هو استعراض أمثلة من العثرات والأخطاء في عمل بعض النقلة من الإنكليزية إلى العربية أو العكس، لاحظتُها خلال نصف قرن من عملي في هذا المجال ومؤخراً في كمبرج.
يمكن تحديد العثرات والأخطاء في خمسة حقول رئيسة هي:
1 ـ ثقافة المترجم؛
2 ـ معرفته في اللغتين؛
3 ـ مدى تحرّي الدقة؛
4 ـ غشاوة المشاهير؛
5 ـ في ترجمة معاني القرآن الكريم؛
(1) ثقافة المترجم بشكل عام أساس في كل عمل في الترجمة. فقد يكون أمام المترجم نص، أو كتاب، بإحدى اللغتين، يضم إشارات تاريخية أو فلسفية أو سواها، تقتضي ان يتناولها المترجم بعناية خاصة، إذا كانت حصيلته الثقافية في التاريخ أو الفلسفة، أو في فنون الرسم والنحت، أو في قواعد الألعاب الرياضية ضعيفة أو محدودة. هنا يجب الرجوع إلى المصادر من كتب وسواها، للإشارة التاريخية أو الفنية، أو إلى معركة حربية تاريخية، أو منطقة جغرافية، أو إلى أحوال الأنهار والبراكين وما يتصل بذلك. إن ضعف حصيلة المترجم في هذه النواحي يجعل عملية الترجمة مرهقة للمترجم، ومضللة للقارئ معاً. ومثل ذلك الجهل ببعض الأغاني الشعبية، التي قد ترد في النص، مما يقتضي التدقيق في معناها ومناسبة ورودها في النص. ثمة أغنية أطفال إنكليزية تقول «جسر لندن يتهاوى، يتهاوى، يتهاوى» وقد وردت في قصيدة اليوت الكبرى «الأرض اليباب» ترجمها أحدهم إلى «قنطرة لندن تحطمت وهَوت». أولا: القنطرة غير الجسر. وجسر لندن كبير وراسخ. فاذا بدأ «يتهاوى» وجب توضيح المعنى حسب وروده في السياق. وهو هنا ليس محض أغنية أطفال. وثمة تضمينات أكثر تعقيدا ومغزى، يجب استيضاحها بالرجوع إلى المصادر الأخرى، قبل التورط في ترجمتها حسب معناها الظاهر.
(2) المعرفة اللغوية الدقيقة في اللغتين مسألة حيوية: معرفة بلغة النص وباللغة المنقول إليها، نحوا وصرفا واشتقاقا وتاريخا. ومن المفيد جداً معرفة بلغة أو أكثر مما يتصل بلغة النص ولغة الهدف معا. ففي الإنكليزية، من المفيد جدا توافر معرفة بالاغريقية واللاتينية وما تفرّع عنهما من إيطالية وفرنسية واسبانية. أية معرفة بهذه اللغات أو بعضها ينعكس إيجابا على النص المترجم. فمعرفة المترجم بشيء من الفرنسية أو الإيطالية مثلا يضفي بهاء على الترجمة عند الإشارة إلى جذر الكلمة الفرنسية في أصلها اللاتيني مثلا، أو عندما يبدو على الكلمة الإنكليزية ظلال من جذرها في لغة أوروبية. ويمكن اظهار ذلك بالحرف المائل، مثل كلمة etiquette أو عبارة savoir faire أو zeitgeist الألمانية بمعنى روح العصر أو الزمن، أو عبارة deo volente الإيطالية بمعنى «ان شاء الله» العربية.

(3) تحرّي الدقة في معنى كلمة أو عبارة لا يضير، بل هو من واجبات المترجم. فمثلا كلمة river نهر، هي غير sea بحر. لكن أحدهم ترجم river Thames إلى «بحر التايمس». وكلمة company تعني «شركة» ولكن عبارة I did not know you have company تعني في السياق: ما كنت أعلم ان عندك ضيوفا، وليس «لديك شركة». وكلمة farm في الأساس تعني «مزرعة» ولكنها في كتاب «جورج اورويل» Animal Farm لا تعني «مزرعة الحيوانات» بل «حظيرة الحيوانات». لكن أحدهم ترجم الكتاب إلى «مزرعة الحيوانات» وأهدى نسخة من ترجمته إلى وزير الزراعة في بلد بعينه ومع ان الكتاب لا يشير إلى الزراعة ابداً، قام الوزير الأديب بتحرير كتاب شكر إلى المترجم قائلاً: «ان هذا الكتاب سوف يساهم في تطوير المشاريع الزراعية في بلادنا».

وفي ترجمة لقصيدة إليوت الكبرى «الأرض اليباب» اشترك اثنان من الشعراء المعاصرين في ترجمتها إلى «الأرض الخراب» وهذا خطأ يدل على أن الشاعرين المترجمين الاثنين لم يفهما القصيدة ولم يعرفا الفرق بين «دارهم خراب، وأرضهم يباب» كما يذكرالقاموس. فالحضارة الأوروبية في عقابيل الحرب العالمية الأولى، كما يرى إليوت، قد غدت أرضا يبابا لا تنبت زرعاً، ولا تنعش حياة، لأننا «قد نسينا التراث والإيمان» وعندما ندركهما يهطل المطر فتنتعش الحياة وتعود إلى الأرض اليباب. من لا يدرك هذا لا يدرك الفرق بين الخراب واليباب. وكلمة swallow هي اسم طائر السنونو، ولكنها إذ تستعمل فعلا تفيد عملية «البلع» مثل بلع حبة الدواء، أو شراب لعلاج السعال، إذ تقول الأم لطفلها وهي تناوله ملعقة الدواء: ابلع، ابلع. ولكنها في قصيدة إليوت تأتي نداء لطائر السنونو. فكيف أصبحت في ترجمة الشاعرين فعل أمر: ابلع ابلع؟
وكلمة homme الفرنسية معناها الأول «الإنسان» ومنه «رجل». ولكن عبارة «بوفون» (1707 ـ 88) الشهيرة Le style c’est l’homme لا يجوز ترجمتها «الأسلوب هو الرجل» لان ذلك يغمط حق الكاتبة المرأة، فهو لم يقل style c’est la famme Le لان القصد هو (الأسلوب هو الإنسان نفسه).
(4) المشاهير… هم أدباء وكتاب استجلبوا على انفسهم هذه الصفة في الغالب. هذا أحد المشاهير أصرّ على ترجمة مسرحية شكسبير: ماكبث، وهو متخصص بالعربية لا بالانكليزية، على الرغم من وجود ترجمات جيدة سابقة لمسرحية «ماكبث». ففي الفصل 3، المشهد2، الأبيات 46 وما بعدها، يدخل ماكبث بعد ان قتل الملك دنكن قريبه وصديقه، ويتعذّب لما فعل، ويداه ملطختان بدم أحمر لا تزيله «خضرة البحر المحيط» فينادي الليل «تعال ياغطاء الليل لتُسربل عين النهار الرقيقة الحلوة» فيترجمها صاحبنا المشهور المفوّه بتصرف «بليغ» إلى: «ألا ليت هذا الليل يغدو دثاراً» فجاء «فهلوي» آخر بصفة «مراجع» للترجمة، وجعلها «ليت هذا الليل يصير بطانيّة» فقامت حروب داحس والغبراء على صفحات المجلات بين المترجم والمراجع، وكلاهما يدعي «الفهلوية».
وهذا إنكليزي «مشهور» آخر، كرمته دولة عربية بوصفه نقل روائع الأدب العربي إلى الإنكليزية. فهو قد عاش في بغداد خمسينات القرن الماضي أيام ازدهار الشعر والشعراء فيها، وكان يعرف كثيراً من الشعراء والأدباء. لكنه يترجم قصيدة لعبد الوهاب البياتي يقول فيها: «نحن لم نقتل بعيراً أو قطاة» فيترجم «قطاة» إلى crow أي غراب، فقتل المعنى والمغزى في كلمة «قطاة» وكلمة «غراب». ثم: «حاملين الوطن المصلوب في كف وفي الأخرى التراب» فتصير «كف fist « أي قبضة واحسب ان الكف منبسطة لتحمل الأشياء، والقبضة منقبضة تقبض على الروح. والوطن مصلوب فماذا بقي منه لكي يقبض عليه؟
وهذا مشهور آخر، رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة أوروبية عريقة، يترجم قصيدة بدر شاكر السياب «إقبال والليل». ويجب أن يعرف كل من قرأ أشعار السياب أن «إقبال» هو اسم زوجة الشاعر التي يتشوق إليها وإلى أطفاله، وهو في مستشفى الكويت قبيل ان يفارق الحياة في 24/12/1964، ويناديها بوضوح: «إقبال مدّي لي يديكِ من الدجى ومن الفلاة». لكن البروفيسور المستشرق الكبير «يشرح ويفسر» أن إقبال هو»الفيلسوف المسلم الهندي الشهير» …. بعد هذه المعرفة، أيّان الغفران؟ يقول إليوت.
(5) في ترجمة معاني القرآن الكريم تكون العثرات والأخطاء مما لا يُغتفر. في عام 1934 نشر الهندي المسلم عبد الله يوسف علي (1872 ـ 1948) كتابه الذي عمل عليه وحده لثلاث سنوات، بعنوان «ترجمة معاني القرآن الكريم». بقي هذا الكتاب المرجع الأول للباحثين من العرب في الوصول إلى ترجمة «المعاني» إلى الإنكليزية، وقد تيسّر لي النظر في هذا الكتاب يوم كنت أستاذا في الجامعة الإسلامية العالمية في كوالالمبور ـ ماليزيا، وكان المرجع الوحيد أمام الطلبة في دراستهم. لقد وجدت في هذا العمل الكثير من الأخطاء مما لا يمكن السكوت عنها، وأعرض هنا القليل من تلك الأخطاء: ففي سورة البقرة، الآية 37 نقرأ: «فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، انه هو التوّاب الرحيم» ترجم الفعل «تاب» إلى turned والتواب Oft – Returning ، بالمعنى الأصلي للفعل تاب بمعنى رجع. ولكن المقصود هنا هو التوبة عن المعصية. وفي سورة النساء، الآية 95 نقرأ: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولي الضرر…» أصبحت في الترجمة : Those who sit and receive no hurt ، فالمقصود «المصابون بضرر، أي المرض» والترجمة عكست المقصود. وفي الآية الأولى «واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام» ترجم الأرحام حرفيا، جمع رحم المرأة، فصارت reverence the womb ، ويعقب ذلك بهامش يفسر أهمية الجنس! وفي سورة الاسراء، الآية الأولى، يترجم «اسجدوا لآدم» bow down ، أي «اركعوا» والركوع غير السجود. وفي سورة «الذاريات» نقرأ الآية 19 «وفي أموالهم حق للسائل والمحروم» أصبح السائل والمحروم: him who asked and him who was prevented والمقصودwho begged وثمة أمثلة كثيرة على الترجمة الحرفية التي تسيء إلى المعنى المقصود، مما يجب التنبيه عليه لكي يفهم غير الناطقين بالعربية المعاني الصحيحة في كتاب الإسلام الأول.

عثرات وأخطاء في خمسة حقول: عودة إلى تجاوزات الترجمة

د. عبد الواحد لؤلؤة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية