يتكئ عثمان مشاورة في روايته الثانية «مقهى البازلاء» (مؤسسة إبداع، القاهرة، 2016) على كاتب ضمني اتخذ منه ساردا يروي حكاية، وهو في الوقت ذاته يعتزم كتابة رواية عن عقيد متقاعد من الجيش الأردني غريب الأطوار اسمه سليم بيك. التقاه على نحو غير متوقع في مقهى يحمل اسم مقهى الجنرال، غير أن هذا المقهى الذي يديره أيضا عقيد متقاعد في الجيش هو حسان بيك يغدو في نهاية الرواية بزبائنه الدائمين من المتقاعدين العسكريين جديرا بتسمية جديدة هي «مقهى البازلاء» لأن المترددين الدائمين عليه يشبهون بكنزاتهم الصوفية الضاربة للخضرة قرونا طويلة من البازلاء المتسمرة على الكراسي.
ويتردد السارد الذي هو في الأساس محام اعتزل هذه المهنة استجابة لهوايته المفضلة، وهي كتابة المقالات، والتحقيقا ت الصحافية على أساس أن المرافعة عن الناس وقضاياهم العامة في الصحف لا تختلف عن المرافعة عن قضاياهم في المحاكمات، ويتردد في الاستجابة لمطلب سليم بيك بكتابة رواية جديدة مستخدما ما دفع به إليه من وثائق ومذكرات، ورسائل تلقاها أو أرسلها، وقصاصات من أوراق قديمة، ومنشورات، ودعايات، ومحاضر اجتماعات يمكن أن تمثل- مجتمعة ـ المادة الأولية الخام التي تتشكل منها حبكة لرواية جيدة، لاسيما أن سليم بيك كان بزعمه قد اطلع على رواية أخرى يقوم الصحافي بكتابتها عن عقيد آخر هو نايف بيك الصالح.
ومن النبش في الوثائق، ومن المتابعات، تتخلَّق في فضاء الرواية شخصية أخرى من سليم بيك، هي شخصية نايف الصالح. فالاسمان نايف وسليم يطلقان على شخصية واحدة لا اثنتين. فقد نشأ نايف في قرية أردنية تقع في إقليم الجنوب، وهي قرية مهمشة عزلاء منسية تمامًا يعيش سكانها على الرعي مثل أي قبيلة بدائية لا تعرف الحضارة. تستقبل في بعض المواسم جماعات من (النَّوَر) الغجر، وفيهم فتاة لعوب (أرمندا) تعزف على آلة موسيقية (البزق) يغرم بها نايف فتهدي له آلة البزق، وتعده بتعليمه العزف عليها لكن والده الذي لم يكن يفهم لغة الموسيقى، لم يكتف بمصادرة (البزق) وإنما ألقى به في النار ليصبح رمادًا، محطمًا بذلك آمال الصبي.
وبدلا من أن يرسل به للدراسة دفع به بعد أن نجح في الثانوية بمعدل 66٪ للخدمة العسكرية كغيره من أبناء الإقليم المهمَّش، وارتقى في الخدمة إلى أن أصبح عقيدا، لا بل ينتظر أن يتلقى خطابًا يخبرونه فيه بترقيته لرتبة عميد، لكن الرياح جرت بغير ما تشتهي سفن العقيد نايف، فقد تلقى بدلا من ذلك ظرفا مختوما كتبت عليه كلمتا سري ومكتوم، وما إن فتح المغلف حتى اكتشف أن الكتاب يتضمن بلاغا بإحالته إلى التقاعد بعد خدمة كافية من غير ترقية. والواقع أن العقيد لم يتلق بذلك الخطاب خبرا يقع على نفسه وقوع الصواعق فحسب، بل فجع بما هو أكثر، فقد اكتشف أن أحد ضباط الكتيبة الخامسة الذي أحسن إليه على الدوام، كان يشي به للمسؤولين، ويكتب عنه التقارير التي تنقل لهم ما كان يقال في مجلسه في البيت، وما كان يقال عن نشاطه السياسي، فكانت الترقية من نصيب ذلك المدعو خالد بيك جواد. وقد بادر العقيد لزيارته في مكتبه، ووجه له بدلا من التهنئة ما هو قادر عليه من توبيخ وتقريع، ولكن هذا التوبيخ والتقريع الذي كان من الممكن أن يفضي به للسجن، لم يفده كثيرا، ولا قليلا.
يحاول التغلب على هذه المحنة باستشارة جاره في العمارة المعلم أمين مرزوق، ولكن جاره لم يكن أمينًا في الواقع، فقد اكتشف أنه كسابقه خالد بيك يورطه ورطة تلو الأخرى من دون أن يكف عن كتابة التقارير التي تسيء له لدى المسؤولين الأمنيين. فقد أقنعه مثلا بالترشح للانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2007 متطوعا لقيادة حملته الانتخابية بلا مقابل، وأقنعه بزيارة البلدة التي ينحدر منها وغيرها من القرى المجاورة في الجنوب، والاتصال بالأهالي بدءا بشقيقه سلمان الصالح، مرورا بالمختار صقر السالم، وإمام الجامع. ولكن تلك الحملات تظــــل موضع شك، لذا أقنعه في تورط آخر بأن يحذو حذو مرشح آخر يستخدم المال لكسب الأصوات، واختلس منه مبلغا يربو على 50 ألف دينار لهذا الغرض. وتبين لاحقا أنه سطا على المبلغ لحسابه، ولم يشتر إلا قليلا من الأصوات، مما جاء بنتيجة عكسية، ورطه بعدها بالتظاهر ضد التزوير، والهتاف ضد الحكومة، وأغراه أيضا بإنشاء حزب سياسي تحت إلحاح: ما الذي ينقصك؟ الخبرة موجودة، والمال متوفر، والأهلية السياسية والعزوة متميزة.
ومما فاجأه به المحقق، لاحقا، أن كل هذه المشاريع كتبت عنها التقارير للاستخبارات أولا بأول، وأن الكاتب هو أمين مرزوق الذي اختفى. أما الشيخ أبو المؤمن، إمام الجامع، فقد أغراه بعد صلاة استخارة مزورة بتأليف كتاب عن العائلة المالكة، لعل وعسى أن يعيد للعقيد أمجاده، فيلتفت إليه القصر، وينعم عليه بلقب رئيس وزراء، أو وزير، أو سفير، على الأقل. ولكن المشروع لم يخفق فحسب، وإنما زاد من متاعب العقيد بعد أن اتهم بسرقة مقالات من الإنترنت ضمنها هذا الكتاب، فهو كتاب ممسوخ، وغير موثق، ومضطرب، تقتحم فصوله زوائد لا علاقة لها بالموضوع، أي أن الإمام لم يكن أقل خداعا من أمين مرزوق، ولا أقل خطرا، وإخفاق مشروع المؤلف، وحفل التوقيع، الذي لم يحضره سوى خمسة أشخاص غير مهتمين، ولم يحظ إلا بخبر موجز في ذيل إحدى الصفحات الثقافية، لا يقل عن إخفاقة في الانتخابات. أما حسان بيك ـ صاحب المقهى ـ فهو الآخر يواظب بدقة على تزويد الاستخبارات يوميًا بتقارير عن النشاط الحزبي للعقيد، وعن شعاراته الرنانة، وتكراره لاسم ارنستو تشي جيفارا، وعن خطبه النارية في الاجتماعات، محرِّضًا أتباعه على حزّ عنق الحكومة، أو خنقها على الأقل. وأخيرا ابتلي أيضًا بحارس المقبرة فارس إبراهيم، الذي أقنعه بالبحث عن الكنوز الأثرية الثمينة التي تختفي في أحشاء خربة قديمة قريبة من قريته الجنوبية. انطلى عليه الأمر، ودفع للرجل نحو 10 آلاف دينار لشراء البخَّور الأزرق الذي سيفتح به خزائن الأسرار، ويستخرج منها التماثيل الذهبية والقلائد والجواهر التي تشهد على تاريخ الأنباط وقدماء المصريين، وقد ذهب المبلغ هباءً منثورًا، فالسيد فارس اختفى، وكلما حاول البحث عنه باءت محاولاته بالفشل الذريع، وقد أقنعته زوجته أن السيد فارس ـ زوجها ـ نصاب، وأنه لا يأتي للبيت إلا مرة، أو اثنتين، في السنة، وأنه إذا شاء العثورعليه، فليذهب للبحث عنه في البراري مع قطيع الأغنام الذي يملكه. ويتضح أن زوجة فارس إبراهيم مخادعة هي الأخرى، فقد كان زوجها طوال الحوار مع العقيد نايف بيك مختبئا داخل المنزل، وما إنْ غادر العقيد بسيارة (مريم) حتى خرج من المنزل، وجلس في المكان الذي جلس فيه العقيد، وتابع احتساء الشاي، غير مبال بالعقيد، ولا بكلماته.
وتقول هذه الحكاية: إن سليم بيك، الذي ظهر ظهورا غير لائق في حياة هذا الصحافي ـ سارد الحكاية وكاتبها الضمني- هو نفسه نايف الصالح. وأن سلمى، صديقته، هي مريم نفسها التي أصبحت صديقة العقيد بعد وفاة زوجها في حادث سير مروع. وأن هذه السيدة قد لا تكون بريئة تمامًا من الوشاية بأسرار العقيد، فقد أخبره المحقق – لاحقا – بمعاناتها من الزكام، وظن في البداية أن المحقق يمزح، لكنه عندما اتصل بها تبيّن أنها فعلا أصيبت بالزكام، مما يعني أن أخبارها لدى المحقق أدق من أخبارها لديه. أما المقهى الذي أصبح في نهاية الرواية مقهى البازلاء بدلا من مقهى لوركا، أو مقهى الجنرال، فحيطانه هي الأخرى لها آذان، فضلا عن حسان بيك، وصبيّ البوفيه.
وتبعا لهذه الشبكة من العلاقات، لا تفوت القارئ ملاحظة التداخل العجيب بين شخصيتي سليم ونايف، فإذا كان نايف هو الدال بلغة اللسانيّين، فإن سليم بيك هو المدلول. ولا تفوته أيضًا ملاحظة أخرى، وهي إلحاح السارد على تأطير الدور الذي يؤديه المخبرون في المجتمع الأردني، ولاسيما في مراقبة، أو التجسس، على شريحة كبيرة من المتقاعدين العسكريين، والوشاية بهم، يقول سليم بيك مخاطبا الكاتب الضمني: «إنك ما زلت لا تصدقني، لقد وشوا بي كلهم، بلا استثناء، حتى سلمى تغيرت منذ زمن، الجميع يخافون منه ـ يعني المحقق ـ أنا أعلم ذلك. المخبرون كالفطر، سرعان ما يتكاثرون عند أول وميض لبريق المال، لم أكنْ أهذي، كما تتهمني دائما، لقد كانتْ هناك، في تلك الزاوية من حقل البازلاء، فزّاعة».
واستكمالا لهذا الرسم الكاريكاتيري لعقيد متقاعد، جاءت اللمسات الأخيرة في الفصل (حلم الرجوع الأخير) فالحوار الذي يجري بين العقيد، ومسؤول التوظيف في شركة الذئاب، حوار يفصح عن معاناة هذا المتقاعد الذي حاصرته أخطاؤه الشخصية، ولاحقته الخيبة، على الرغم من أن سجله العسكري سجل مشرف، سواء في مراحل التدريب، أو فيما تلاها من مراحل، لكن خطأ كبيرًا ظل يلاحقه، وهو تجاوزه الحدود البحرية في العقبة مع الكيان الإسرائيلي، وتنديده مرارًا بسارقي الدلافين الصغيرة.
ومن يقرأ الروايــة، بتأمـــّل، تستوقفــه وفرة المشاهد الحوارية الساخرة، التي تحيلها ـ في بعض الأجزاء والفصول- إلى كومـــيديا في إهـــابٍ تراجيدي، وهذا يُضفي عليها الطابع الجدّي، مؤكدا أنها رواية رصينة لا تنزلق إلى ما يمكن وصفه بالتهريج الرخيص، الذي يغلب على المسرح التجاري، والروايات الهزليّة.
٭ ناقد وأكاديمي من الأردن
إبراهيم خليل