عجوز مدجّجة بالاسلحة ويتيمة مدجّجة بالحق والإصرار

حجم الخط
1

مبروك لاسرائيل. فصباح الاحد الماضي بشّرها رئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو، خلال افتتاح جلسة حكومته العادية الاسبوعية، انه سيتم بعد ظهر ذلك اليوم وضع منظومة صواريخ «شَرْبيط كْساميم»، (العصا السحرية)، قيد الاستخدام العملي للجيش الاسرائيلي، جيش الاحتلال والاستعمار، جيش حماية وتحريض المستوطنين /المستعمرين.
منظومة الصواريخ هذه التي تم انتاجها بالتعاون بين الصناعات العسكرية ومراكز الابحاث الخاصة بالتقنيات التكنولوجية المتقدمة الاسرائيلية، ومقابلتها الأمريكية، مخصصة لاعتراض وتدمير الصواريخ متوسطة المدى. وجاءت بعد وضع منظومة صواريخ «كيبات برزيل»، (القبة الحديدية)، المتخصصة باعتراض الصواريخ والقذائف القصيرة المدى، وبعد منظومة صواريخ «باتريوت» الأمريكية والتي ترجم الاسرائيليون اسمها إلى «هحيتس» (السهم)، والخاصة باعتراض الصواريخ بعيدة المدى.
بعد ظهر نفس يوم الاحد الماضي، ترأّس نتنياهو، محاطا بوزير دفاعه، زعيم الحزب العنصري، «اسرائيل بيتنا»، افيغدور ليبرمان، ورئيس هيئة اركان الجيش الاسرائيلي غادي آيزنكوت، وقائد سلاح الطيران الاسرائيلي، وعدد كبير من جنرالات الجيشين:الأمريكي والاسرائيلي وعدد من المسؤولين الاسرائيليين، حفل تدشين وضع منظومة الصواريخ الجديدة، قيد الاستخدام العملي، دون ان ينسوا، (كعادة اسرائيل المعروفة)، اطلاق اسم جديد مشبع بالايحاءات، على كل عمل او منتج او حرب يخوضونها، فاطلقوا على منظومة صواريخ «شربيط كْسميم» اسما جديدا، هو «كيلَع دافيد» أي «مقلاع داوود»، بكل ما تثيره هذه التسمية من ايحاءات، تعود إلى قصص توراتهم واساطيرها.
في عصر ذلك اليوم، تحدث نتنياهو امام المحتفلين، مركِّزا على «انه يوم عيد لاسرائيل،… ونحن، ابيض وازرق، وايضا احمر وابيض وازرق، (كناية عن علمي اسرائيل وأمريكا)، نحتفل ليس بعيدا عن سهل أَلأَلاه، (سهل يقع في منتصف المسافة بين نقطة نهاية البحر الميت الجنوبية وساحل المتوسط بين اسدود وعسقلان)، حيث واجه داوود جوليات بمقلاعه، وانتصر عليه بفضل الجرأة غير العادية، والقدرة غير العادية على الابداع،… وها نحن نسير على خطى وطريق الملك (النبي، بالنسبة للمسلمين) داوود، حيث سيف داوود بيدنا، و»مقلاع داوود» في سمائنا، ودِرع داوود (نجمة داوود، بلغة العرب) على علَمنا،…اعود واوضّح: من يريد ان يضربنا سيُضرب، ومن يهدّد وجودَنا يضع وجوده هو في دائرة الخطر،… تنضم منظومة العصا السحرية، مقلاع داوود، لتطويرات تكنولوجية سابقة، مثل منظومة «القبة الحديدية» ومنظومة»السهم»، وهذه جميعا ستدافع عن اسرائيل، عن مواطنينا، عن مدننا، عن دولتنا،… ان كفاءات الابداع والابتكار لدى رجالنا، وروح القتال لدى جنودنا، تضاعف قوتنا في مواجهة اعدائنا، انها لا تمكننا من الدفاع عن جبهتنا الداخلية فحسب، بل هي تمكننا ايضا من الانتصار في المعركة.»…
حقيقة انه خطاب «عنتري» بامتياز. لكن الاهم مما ورد فيه، هو ما لم يرد فيه. وغياب الاجابات عن اسئلة بديهية يطرحها الاستماع إلى هذا الخطاب «الفصيح». واول هذه الاسئلة: لماذا هناك «من يريد ان يضربنا» على حد تعبير نتنياهو، وادعائه بوجود «من يهدد وجودنا»؟.
اسباب كل هذه المخاوف، الحقيقية المبررة في جانب منها، وتلك المتوهَّمة في جانب آخر، هي الاستبداد والظلم والاجحاف بحقوق الشعب الفلسطيني، واخضاعه بقوة هذه الاسلحة للاحتلال والاستعمار، والتصدي لحقه في الحرية والاستقلال وتقرير مصير بنفسه، واقامة دولته المستقلة، ولو على 22٪ فقط من وطنه فلسطين.
هنا يكمن ضعف أي قوة عسكرية مهما بلغ حجمها، ومهما بلغت قدرتها على التدمير.
مأساة الاسرائيليين، وسبب ما يعانون من قلق ومن عدم اطمئنان على حاضرهم ومستقبلهم، هو ابتلاؤهم بقيادات عنصرية، ضيقة الافق، ترفض الاعتراف بانه لم تتمكن أي قوة عسكرية مستندة إلى روح الاستبداد والظلم والاجحاف بحقوق الناس والشعوب والامم، من الصمود والخلود، وانها لن تتمكن ايضا. هذا الدرس الذي ترفض اسرائيل تعلمه، هو الذي يكشف بوضوح كامل حالة القلق الاسرائيلية المتواصلة.
اسرائيل، مالكة اكثر اسلحة الدمار الشامل وغير الشامل في المنطقة، وصاحبة احد الجيوش الخمسة الاقوى في العالم، لا خطر عليها كدولة، ولا على وجودها، ربما، في المستقبلين: القريب والمتوسط ايضا. لا خطر على حاضر الدولة الاسرائيلية، لكن ماذا عن الاسرائيليين، وماذا بالنسبة لاحفادهم؟؟؟.
اسرائيل التي تنتج وتمتلك قنابل ذرية، (حسب مصادر اجنبية)، وتتلفّع بثلاث طبقات من الدروع الصاروخية التي تحمي سماءها، يحرص 18٪ من مواطنيها البالغين، (حسب استطلاعات حول هذا الموضوع اجريت قبل بضع سنين)، على وضع المسدس تحت المخدة في غرف نومهم، جرّاء القلق والخوف،، وذلك حتى قبل انتشار موجة السكاكين والمقصات والمفكات الحالية.
نسي نتنياهو ان يقول الحقيقة حول السبب الحقيقي لانعدام وجود خطر على وجود ومستقبل الدولة الاسرائيلية، تم، ويتم بفضل من انشأوا اسرائيل، بفضل حُماتها وضامنيها من بريطانيا وفرنسا والمانيا بداية، وصولا إلى «بطرونها» الجديد الولايات/الدول المتحدة الأمريكية. هذا ما يضمن حاضر «دولة» اسرائيل، وينفي الخطر عن مستقبل الدولة الاسرائيلية المنظور.
تلك هي المسألة، وذلك هو السؤال لمن ينظر إلى المستقبل، ولمن ينظر إلى ابعد من انفه، والى ما هو ابعد من فترة جلوسه على مقعد قيادة سفينة شعبه ومواطنيه.
هذا هو الفرق الجوهري بين من لا تهمه ولا تشغل باله وعقله إلا عناوين الصحف اليومية الزائلة، وينسى ويتجاهل ما ستحفظه عناوين فصول كتاب التاريخ الخالدة.
كل ما تمتلكه العجوز/اسرائيل المدججة من اخمص قدميها وحتى رأسها من اسلحة محرّمة وغير محرّمة، لن تمكنها من ابتلاع حقوق اليتيمة الفلسطينية، التي تعاني من شلل مرحلي، لأنها «مدجّجة» بالحق والعدل والاصرار، ولأن هذا هو الامر المنطقي والطبيعي، ولأن دروس التاريخ تؤكد لنا هذه الحقيقة الساطعة.

٭ كاتب فلسطيني

عجوز مدجّجة بالاسلحة ويتيمة مدجّجة بالحق والإصرار

عماد شقور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية