إذا كان في الإمكان تحقق عدة ثقافات في زمن واحد، يمكن في الوقت نفسه، أن نقطع مسافة واحدة بين فضاءين في عدة أزمنة. يبين ذلك أن علاقة الزمن بالمكان تعتريها عدة مفارقات، تبرز لنا ليس فقط طبيعة العلاقات وأنواعها، حسب البيئة والثقافة، ولكن أيضا تبعا للتفاوت بين الوقائع والوظائف، ولذلك أثره العام في العلاقات بين الناس وفي الحياة العامة. سبق لي أن كتبت في أواسط الثمانينيات في جريدة «أنوال»، حين كنت أنتقل شبه يوميا بين الدار البيضاء والرباط، مقالة جعلتها تحت عنوان «زمنان لمسافة واحدة»، تجلى لي من خلالها الفرق بين الرحلة بواسطة القطار والحافلة العمومية على المستويات كافة. وجدتني، وأنا أسافر إلى طنجة للمشاركة في نشاط ثقافي نظمه مهرجان ثويزا لمحاورة إبراهيم الكوني، أستعيد تلك الذكريات القديمة، وقد تبدل الناس والزمان، وجرت مياه كثيرة وجديدة تحت الجسر.
تصرفت مثل الناس الذين يقدرون الزمن، ويستفيدون من التكنولوجيا الجديدة. تصفحت موقع القطار، قبل يوم السفر، لأعرف كيف أتصرف وأصل ساعتين قبل موعد أحد الأنشطة، وبالسرعة المناسبة. كنت قبل موعد انطلاقه بساعة، أملا في شرب قهوة للحديث مع نفسي. جاءتني القهوة ومعها قارورة ماء رفضتها لغناها بالصوديوم، وطلبت من النادل أن يحمل غيرها. فأخبرني أنهم لا يملكون غيرها، لأن بين المقهى وشركة المياه شراكة؟ وأن ثمن الماء جزء من تعريفة القهوة. وحين استفسرت عن ذلك، أجابني بأن «السيستم» الإلكتروني مبرمج على ذلك؟ وعليك أداء ثمن «المشروبين» معا وكاملا غير منقوص، شربتَ الماء أو رفضته. وسيتكرر هذا في بعض مقاهي طنجة. يفرضون عليك ما تشربه بالثمن الذي يشاؤون. كنت أسمع أن الزبون مَلك، فإذا هو مِلك في الثقافة الإلكترونية الجديدة. تجرعت مرارة القهوة بلا سكر، وحوارا مزعجا ومفروضا عليّ، يلهيني عن حديثي مع نفسي. فلم يكن أمامي سوى التساؤل عن برامجنا وبرمجياتنا المغربية والحيل التي نشتغل بها في توظيفها؟
نزلت قبل الموعد بأربعين دقيقة، لأسمع بعد ربع ساعة أن القطار سيتأخر أربعين دقيقة؟ قبلناها، على مضض، فقد اعتدتنا على مثل هذه الخروقات الزمنية. وبعد خمس وأربعين دقيقة وصل القطار. كنت قد اخترت توقيت القطار «السريع» الذي لا يقف في كل المحطات، فإذا بقطارنا حاتمي السخاء، فلم يترك محطة إلا توقف فيها، حتى تلك التي توجد في فضاءات شبه مقفرة، وقد يصل توقفه أحيانا حوالي ربع ساعة في انتظار مرور القطار الذي يتقاطع معه؟ فما الذي جعل القطار الذي اخترت يقف في كل المحطات وكان الأحرى أن يخطئها؟ إنها حيلة السياسة «الزمنية» التي تقضي بالاستفادة من دمج زمن قطارين في زمن قطار واحد؟ لم أصل إلا بعد مرور حوالي ساعة ونصف الساعة على الموعد المفترض تكنولوجيا، وحمدت الله على السلامة. أليس التأخر في الوصول أخير من عدم الوصول؟
المسافة واحدة لكن يمكن أن تقطعها زمانيا حسب «الطريق» الذي تختار في عدة أزمنة. وبما أن كل طريق تفرض عليك وسيلة خاصة فهي تفرض عليك معها تعريفتها وسرعتها الخاصتين. فالسكك الحديد والطريق السيار والطريق «الوطنية». لم أنس الخطوط الجوية التي لم أفكر قط في اختيارها في السفر «الوطني». هكذا نعيش بعدة سرعات، وعليك أن تدفع الثمن حسب السرعة التي تفكر في نطاقها. وبما أن «الوقت من ذهب، وهو مثل السيف إن لم تقطعه قطعك»، كما تكرس في أذهاننا منذ الصغر، انتهينا، وقد اشتعل الرأس شيبا، إلى أن الذهب هو الذي يقطع الوقت، ومن لا ذهب له، يذهب به الوقت إلى حيثما يشاء.
إن التفاوت في استثمار الزمن، حسب الفضاءات والأغراض المختلفة التي تهم الناس، في أي ثقافة، ليس سوى تعبير عن التفاوت الكبير بين أفراد المجتمع، وفي الوقت نفسه عن تضارب المصالح وتباينها وعن التخلف أيضا. ومتى كان التقارب في توظيف الزمن بغض النظر عن الوسائل والجماعات الاجتماعية والأهداف، كان ذلك دالا على التقدم وفهم قيمة الوقت، الفهم الذهبي الذي يجعل الجميع قادرا ومؤهلا على قطعه بالطريقة التي تتلاءم مع تقدم الدولة والمجتمع. أن يسير مجتمع ما بسرعات متعددة دليل على تخلف المجتمع والدولة معا. وفي تباين السرعات ما يؤشر على أن قيمة الزمن غير متكافئة، وأن توزيعه يتم حسب المعادن البشرية، فالذهب ليس القصدير. كما يدل على أن هناك تحكما في الزمن بهدف توظيفه لفائدة فئة ضد فئات أخرى. من يتحكم في زمنك، ويفرض عليك الزمن الذي يريد لا يحترم زمنك، تماما كما يفعل من يفرض عليك مشروبا لا يلائم صحتك. لا يتعلق الأمر فقط بأن لبعض الناس رؤية متخلفة للزمن. هناك من يتدخل في الزمن لجعله لفائدته ضدك.
سيدشن قريبا القطار الفائق السرعة. ستقطع المسافة بين طنجة والدار البيضاء في زمن قياسي، وبسرعة 320 كيلومترا في الساعة، يقدر بساعتين وعشر دقائق بدلا من خمس ساعات تقريبا. نرحب بالسرعة الفائقة. لكنا نطالب باحترام الزمن.
٭ كاتب مغربي
سعيد يقطين