عدم اكتراث أمريكي تجاه اليمن: الحل العسكري لن يحل مأزق البلاد ولكنه الطريق الوحيد للعودة إلى الحوار السياسي

حجم الخط
1

واشنطن -«القدس العربي»: اليمن دولة فاشلة مهما كانت النوايا والمقاصد، فهي تعد من أفقر الدول في العالم العربي ومؤشرات التنمية فيها مفزعة وفقا لتقارير الأمم المتحدة حيث يعيش ما يقارب نصف سكانها تحت خط الفقر الدولي، ولدى البلاد مشكلة تطرف مقلقة بشكل لا يصدق مع تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب الذي يستخدم اليمن كقاعدة آمنة للتخطيط لهجمات داخل وخارج البلاد، كما سلب قادة اليمن بعدم كفائتهم أو نزاهتهم أبناء شعبهم على مدى عقود من الزمن.
كان من المفترض ان تنتهي هذه المأساة عندما تم اجبار الرئيس السابق علي عبد الله صالح على التخلي عن السلطة بعد 30 عاما من السلطة بفضل الربيع العربي ورغبة دول مجلس التعاون الخليجي، ولفترة من الوقت، بدا اليمن وكانه يحرز تقدما هائلا حيث توجه الملايين في رحلة شاقة إلى صناديق الاقتراح في شباط/فبراير 2012 لانتخاب الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي، وانشغل مئات من كبار رجال الأعمال والسياسين وزعماء القبائل في عام 2013 للتفاوض على الهيكل المستقبلي للحكومة اليمنية لدرجة أدت بصحيفة «نيويورك تايمز» إلى نشر قصة مفرطة في التفاؤل تحت عنوان «اليمن يخطو خطوات للإنتقال إلى الديمقراطية بعد الربيع العربي».
ولكن، إذا نظرنا الآن إلى حال اليمن فاننا بالتأكيد سنشاهد مشهدا مؤلما حيث تفكك التحول السياسي إلى صراع داخلي تغذيه الطائفية والمصالح الذاتية الضيقة للفصائل بسبب التدخلات الاقليمية وخاصة من قبل جماعة الحوثي التي تحركت من معاقلها الجبلية في محافظة صعدة في الشمال إلى ضواحي مدينة عدن الجنوبية الأمر الذي أدى بالسعودية إلى التدخل العسكري في تحرك لم يثر استغراب أحد، وهكذا تم دفن الديمقراطية اليمنية الوليدة، أما السؤال البسيط والمعقد في الوقت نفسه الذي يطرحه العالم فهو، ماذا سيحدث بعد ذلك؟
الإجابة السعودية والخليجية والعربية لهذا السؤال تفيد ان العملية السياسية لا يمكن ان تنجح دون تقليص قدرات الحوثيين إلى حد يتمكن فيه الرئيس هادي من امتلاك اليد الطولى في أي مفاوضات، وإذا سألت هادي نفسه، فعلى الأرجح سيقول ان الانسحاب الكامل لجماعة الحوثي واستسلامهم قد يكون كافيا. أما الولايات المتحدة فهي بلا شك تريد العودة إلى عملية سياسية انتقالية شاملة بما في ذلك الانتهاء من صياغة الدستور ووضع وثيقة للتصويت.
يقول المحلل الأمريكي دانيال ديبيترس من مؤسسة الأبحاث الاستشارية الجيو سياسية «ويكيستارت» ان القول بأن الدبلوماسية هي الحل الوحيد لمأزق اليمن هو مثل القول ان الحل الوحيد للمرض هو الذهاب إلى عيادة الطبيب، وذلك في إشارة واضحة إلى رؤية إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول اليمن والتي تتكئ على انه «لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع». ويضيف ديبيترس ان البيت الأبيض يتجنب بغموض الدخول في تفاصيل ماهية السياسة الأمريكية تجاه اليمن. ويتساءل الخبير في شؤون الشرق الأوسط حول مدى الوقت اللازم للأطراف الرئيسية في الصراع بما في ذلك الرئيس السابق صالح وحكومة هادي وجماعة الحوثي وحزب التجمع والسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة وإيران والولايات المتحدة لتبني الحس السليم والابتعاد عن السياسة العنيفة ونحن نشاهد آلاف الناس وهم يفقدون حياتهم. ولكن ديبيترس وغيره الكثير من المحللين يعلمون شيئا واحدا وهم يشاهدون الطائرات السعودية والحكومة اليمنية في حالة يرثى لها وهو انه ليس لديهم أدنى فكرة إلى متى سيستمرهذا النزاع.
وفي الواقع، تشعر إدارة أوباما بالغبطة من قدرة الدول العربية أخيرا على التعامل مع مشاكلها وخاصة فيما يتعلق بقيادة السعودية تحالفا عربيا دوليا لمحاربة الحوثيين في اليمن، ولكن معظم خبراء واشنطن يحذرون الولايات المتحدة من أمانيها لأن الدول العربية شكلت بنجاح جبهة لدرء التهديد المشترك ولكن ليس هنالك مخرج من العاصفة سواء للأصدقاء أو الأعداء الكثر مما يجعل المنطقة التي تترنح على حافة الاحتراق التلقائي في الطريق إلى كارثة.
ويشير العمل العسكري السعودي إلى موقف أقليمي جديد حيث التزمت الرياض بسياسة هادئة لعقود وتركت المهمة الصعبة لعصا الجيش الأمريكي السحرية ولكن هنالك اعتقاد في واشنطن ان الخطوة السعودية هي أقل من استراتيجية تكتيكية وأقرب إلى مسألة شخصية، وفي الوقت نفسه، فشلت الولايات المتحدة في فهم التهديد الوجودي للدول المجاورة لإيران حيث لم يلتفت صناع السياسة الأمريكية كثيرا لنوايا طهران في المنطقة وسط انشغالهم بمفاوضات البرنامج النووي رغم تأكيد الخبراء على حصول إيران على هدنة مجانية من الغرب منحتها الفرصة لشراء المزيد من الوقت لتعيث فسادا في المنطقة وتواصل مخططاتها التوسعية واحياء المجد التاريخي للامبراطورية الفارسية.
ويعتقد بعض نقاد أوباما في الوسط السياسي والإعلامي الأمريكي ان فشل واشنطن في اليمن هو جزء من استراتيجية مميتة للإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط. وهنالك في الواقع، جوانب غريبة ومتناقضة في الموقف الأمريكي تجاه اليمن كما يقول المحلل ديفيد ويب حيث زعم أوباما الانتصار في الحرب على الإرهاب هناك ولكنه لم يقاتل الجماعات الشيعية المتمردة الموالية لإيران مما أدى إلى حرب أهلية وانهيار الحكومة المنتخبة بل هرب أوباما أو غاب كليا عن المشهد اليمني.
ولم يتمكن ويب من التستر على مشاعره الحقيقية تجاه أحداث اليمن والشرق الأوسط عموما، فهو لا يمانع صراحة مثل الكثير من ساسة واشنطن بشأن فكرة نشوب اقتتال بين السنة والشيعة في حرب استنزاف ولكنه يريد منهم المساعدة في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» وهم على قيد الحياة، وهذه المشاعر العدوانية ليست وهما كما يعتقد الكثير من السذج في الشرق الأوسط بل انها في الحقيقة مؤشر يوضح طريقة التفكير الأمريكية والغربية في الوقت الراهن.
وكما اوضحت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر في الأيام الأخيرة فان اهتمام واشنطن ينصب على القدرة على تشغيل عمليات مكافحة الإرهاب في اليمن أكثر من الإهتمام بعملية «عاصفة الحزم» وإذا كان هنالك اهتمام بعودة الحكومة اليمنية فهو لهدف واحد ينحصر بعودة نشاط العمليات الأمريكية ضد تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب مع التأكيد على ان الجيش الأمريكي مستمر في العمليات رغم كل ما يحدث في اليمن.
يضع الموقع الاستراتيجي اليمن في نقطة اختناق استراتيجية لحاملات النفط، أما دول الخليج فهي في حالة ذعر من التمدد الإيراني وهنالك شعور في الشرق الأوسط ان اتفاق أوباما مع إيران حول برنامجها النووي هو خيانة للحلفاء، لذا لا مناص للالتفات إلى نقاط الضعف العربية وخاصة الحالة اليمنية، كما يشعر العرب بان التوسع الإيراني مع مظلة نووية هو تهديد كبير للمنطقة ولكن وجهة نظر الإدارة الأمريكية تتجه إلى ان إيران قد تملأ فراغا في السلطة وتوفر الاستقرار مما قد يفسر القليل من غموض البيت الأبيض تجه المشهد اليمني.
التصريحات الأخيرة لوزارة الخارجية الأمريكية بشأن عملية «عاصفة الحزم» تلخص موقف واشنطن الرسمي، حيث قالت ماري هاريف المتحدثة باسم الخارجية، في آخر مؤتمر صحافي ان الهدف الأمريكي هو العودة إلى مسار الحوار السياسي حتى لو كان الأمر من خلال عمل عسكري، كما قالت في مؤتمر سابق ان الولايات المتحدة تدعم العمليات السعودية، ولكن هل تدعم الولايات المتحدة هجوما بريا من قبل الدول العربية ضد جماعة الحوثي في اليمن؟ الإجابة التي خرجت بها هاريف كانت كالعادة أنها لا تستطيع التكهن حول ما قد يفعله التحالف السعودي في المستقبل ولكنها أكدت على نقطة مهمة للغاية هي ان الولايات المتحدة لا تريد حملة عسكرية مفتوحة مثلما قالت القيادة السعودية مع التأكيد على شراكة الولايات المتحدة مع دول الخليج في تلك الإجراءات العسكرية.
وأضافت بعد الحاح إعلاميين طالبوا بتفسير الموقف الأمريكي ان الولايات المتحدة تدعم العملية السياسية في اليمن وهي ترى ضرورة للعودة إلى مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي وعودة هادي كرئيس شرعي للبلاد، وأكدت أيضا، ان الهدف هو مشاركة جماعة الحوثي في العملية السياسية. مع الإشارة إلى ان هنالك ضرورة للتصرف بهدوء في أي نوع من الصراع العسكري.
وبعيدا عن التصريحات الدبلوماسية الجافة، كانت المساعدات العسكرية الأمريكية لعملية «عاصفة الحزم» أكثر حسما، حيث أستعدت الولايات المتحدة لتزويد طائرات التحالف السعودي بالوقود في الجو بثمن مادي، كما وعد الرئيس الأمريكي باراك أوباما بتقديم مساعدات لوجستية واستخبارية في العمليات العسكرية ولكن تعهداته كانت ناقصة حيث وفرت الأقمار الأمريكية الاستخبارية معلومات عن ميدان المعركة بدون تحديد أهداف مما يؤكد حقيقة النوايا الأمريكية بانها تريد نهاية سياسية للعملية لا نهاية عسكرية حاسمة أو بلغة أخرى، إجبار جماعة الحوثي على العودة إلى طاولة المفاوضات بالسلاح ولكن عدم القضاء عليهم.

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية