عدن جنوبي اليمن: أزيز الرصاص يتوقف ومحطات الكهرباء عاجزة سكان يحلمون بغد أفضل ومنظمات إنسانية تدق ناقوس الخطر

حجم الخط
0

عدن ـ جنوبي اليمن ـ «القدس العربي»: قبل أن تحط الطائرة رحالها لأي وافد في مطار عدن جنوبي اليمن، سيكون لاحظ من الجو آثار الحطام المنتشر في كل مكان وركام المباني المهدمة وسط المدينة التي كانت إلى وقت قريب تعتبر حاضرة عامرة لها تاريخ تليد. مشهد سيرسم للزائر الجديد لوحة قاتمة عن حال ومآل المدينة التي يكابد سكانها لأجل استعادة الأمل وإعادة الإعمار منذ استعادتها من ميليشيا الحوثي وقوات علي عبد الله صالح.
على ساحل خليج عدن وبحر العرب في جنوب البلاد، لفت الطائرة التي رافقناها والمحملة بمساعدات غذائية وإنسانية عدة مرات في الجو، قبل أن يؤذن لها بالهبوط بسبب المخاوف من وجود مركبات وآليات مشبوهة غير بعيد عن المطار وتلافي أي احتمال لاستهداف الطائرات من بعيد.
عدن، العاصمة الاقتصادية لليمن، التي شهدت أحداثاً تاريخية هامة، وعرفت بأنها عين البلد، يبلغ عدد سكانها أزيد من نصف مليون نسمة، تعتبر حاضرتهم أهم منفذ طبيعي على بحر العرب والمحيط الهندي فضلاً عن تحكمها في طريق البحر الأحمر. يتحسر السكان على مخلفات السياسات السابقة لنظام علي عبد الله صالح الذي لم يسمح لأبناء المنطقة الاستفادة من النموذج المتميز لمنطقتهم في تكامل نشاطها الاقتصادي وتنوع البنيان الإنتاجي، إذ جمعت بين الأنشطة الصناعية والسمكية والتجارية والسياحية والخدمية، وتنبع أهميتها من كونها ميناء تجارياً من أهم الموانئ في المنطقة، ومنطقة تجارة حرة إقليمية ودولية.

الحاجة إلى الكهرباء

بين زيارتي التي قمت بهما للمدينة خلال أقل من شهرين كان ولا يزال الشغل الشاغل لأبناء عدن وما جاورها الحصول على كفايتهم من البنزين وعودة الكهرباء التي أصبحت حلما نادرا والبيوت تعيش في ظلام دامس بسبب توقف المحطات عن إنتاج الطاقة مع ارتفاع أسعار الديزل إلى مبالغ خيالية بسبب كثرة الطلب عليه لتشغيل المولدات الكهربائية. عمر يشير إلى أنه اضطر لبيع سيارته ليوفر ما تستهلكه من بنزين استنزفت كل مدخراته، ولتسديد تكاليف تشغيل مولد الكهرباء الذي اشتراه بأزيد من ثلاثة آلاف دولار ويضمن به تموينه بالطاقة. ويؤكد لنا أن البنزين والديزل الذي يصل المدينة جله مهرب ويتحكم في تحديد أسعاره أباطرة وتجار كبار يشرفون على توزيعه ويستنزفون للناس مدخراتهم بسبب حاجتهم لأي كمية تسمح لهم بتشغيل مولداتهم.

البنزين بسعر الذهب

جل الذين قابلناهم وفي حديثنا معهم ومن المطار يؤكدون أن مطالب السكان العاجلة هي ضرورة توفير الحاجيات الأساسية للمواطنين وضمان أمنهم بعد تردي حياتهم اليومية بسبب غياب الخدمات الأساسية وانعدام الرعاية الصحية وتدني مستوياتها نتيجة محتمة لتوقف النشاط في أغلب القطاعات المحورية. ويعتبر الجميع أن على حكومة خالد بحاح أن تباشر وقبل أي خطوة معالجة هذه التراكمات لتضمن الاستقرار في المنطقة الجنوبية من البلاد وتضمن للناس حياة كريمة تخلو من العوز لأساسيات منها الكهرباء الضرورية للجميع. ونتيجة لتذبذب عمليات التوزيع تنقطع الكهرباء بشكل مستمر، حيث أن إجمالي الأحمال الكهربائية في عدن وحدها يبلغ في أوقات الذروة حوالي (280) ميغاوات لكن فعليا لا تنتج مختلف المحطات في أحسن حالاتها ما دون 40 ميغاوات وهو ما يجعل العجز كبيرا في ظل ارتفاع أسعار مشتقات النفط التي يتندر الأهالي أنها تباع الآن بسعر الذهب الذي يبرع اليمنيون في عمليات تجارته. أزمة المشتقات النفطية المفقودة والتي يناشد اليمنيون دول الجوار الخليجي مساعدتهم في توفيرها عمقت من معاناة الناس لكونها المحرك الأساسي والأول لمعظم مقومات الحياة، مما أدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية وما ترتب عنه من ارتفاع لأسعار المواد الغذائية وأهمها القمح والدقيق والخدمات التي تعتمد عليه.

الأمل بغد أفضل

انتهاء موسم الصيف الذي كان الأكثر صعوبة وقساوة لأبناء عدن والمحافظات القريبة يحمل أملا بغد أفضل ينسيهم الأهوال والمعاناة التي عاشوها فترة طويلة إبان الحرب التي شُنت عليها وعلى عدد من المحافظات، من ميليشيات الحوثي وقوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح منذ بداية آذار/مارس الماضي. الحروب دوما تخلف مآس وكوارث إنسانية يدفع ثمنها الأبرياء وهو حال شرائح يمنية عدة تعاني من ويلات ما مر عليها وما زالت تداوي جراحها وتواسي مرضاها. ويشرف الهلال الأحمر القطري وهو أحد المنظمات القليلة التي ظلت في البلد رفقة السكان منذ الأزمة على علاج ومداواة مئات الجرحى وتقديم الدعم اللازم لهم في إطار جهوده الإنسانية مستفيدا من المساعدات التي ترسلها اللجنة القطرية الدولية لإغاثة الشعوب الصديقة والشقيقة لتقديم خدماتها وعدم التوقف عنها. وتناشد المنظمات الإنسانية المجتمع الدولي لدعم مختلف الوحدات الميدانية العاملة في مختلف المحافظات اليمنية التي تواجه صعوبات عدة. خصوصا مع عودة الكثيرين من أبناء المحافظة، والسعادة تشع من وجوههم، على الرغم من صور الحُزن على حال بلادهم، لما أصابها من دمار غيّر ملامحها المحفوظة في ذاكرتهم. وحذرت الأمم المتحدة من أن اليمن بات على حافة المجاعة، وأن ثمانين في المئة من سكانه بحاجة لمساعدات إنسانية عاجلة، بعد أن شُرد أكثر من مليون شخص من منازلهم خلال الشهور الأخيرة. وحثت الأمم المتحدة وجمعيات الإغاثة بصورة متكررة على إيجاد سبل لإيصال الغذاء والدواء وغيرها من الإمدادات إلى البلد. كما أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة «أطباء بلا حدود» في بيانات لها، أن الوضع الإنساني «كارثي» في مدينة عدن وضواحيها. وقالت المتحدثة الرسمية باسم اللجنة الدولية للصليب ماري كلير فغالي إن «الوضع الإنساني في اليمن صعب جدا، لاسيما أن البلاد تستورد 90٪ من احتياجاتها الغذائية وأن الطرق البحرية والجوية والأرضية مقطوعة».

رواتب الموظفين

يناشد الكثير من اليمنيين في عدن وجل المحافظات حكومة خالد بحاح بضرورة توفير رواتبهم التي توقفت بسبب العجز في الموازنة ولكون البنك المركزي في صنعاء هو المسؤول عن مالية البلاد والتي هي تحت سيطرة الحوثيين. وتزداد المخاوف من أن يقرر البنك المركزي في صنعاء التوقف عن دفع الرواتب، بأمر من الحوثيين أو بسبب عجز مالي متوقع، وهو ما جعل الكثيرين يأملون خيرا في المساعدات الخليجية لحكومة الشرعية حتى تضطلع بواجباتها الأساسية وخاصة توفير رواتب الموظفين المتذبذبة أساسا في ظل مناخ عدم الاستقرار السائد. ويشدد الكثيرون على ضرورة عمل الحكومة على تأمين موارد مالية خصوصا من خلال استغلال بعض النشاطات المحلية وعلى رأسها ميناء عدن الذي من شأنه أن يساهم في توفير فوائض في حال تم استغلاله بالشكل الأمثل خصوصا وأنه كان يعاني التهميش بسبب سياسات النظام السابق ومحاولات علي عبد الله صالح من تحجيمه والآن كل الظروف تجمعت ليسترجع مكانته كأحد أهم الموانئ البحرية في العالم انطلاقا من مقوماته وقربه من المياه الدولية التي تقل عن واحد ميل.

ميناء عدن الأفضل

ويؤكد أبناء عدن على ضرورة تجاوز مرحلة إغلاق المنافذ البحرية والجوية والبرية التي شكلت أهم أسباب الانهيار الاقتصادي والتجاري، في البلاد مع تلافي مسببات ذلك بسيطرة قوات الشرعية المدعومة من التحالف العربي على جنوب البلاد خصوصا وأن مينائي عدن والحديدة كانا قبل الحرب يستقبلان 60 و30٪ على التوالي من واردات اليمن أي نسبة 90 ٪ من الحركة البحرية مجتمعين معا. ليساهم هذا النشاط في توفير مصادر دخل جيدة تدفع بعجلة اقتصاد البلاد وتمويل مشاريع صغيرة تحرك قليلا من الركود الذي أصاب البلد فترة طويلة.

حلم الاستقلال

مخلفات الحرب وافرازاتها ساهمت في تجدد حلم الكثير من أبناء الجنوب بالاستقلال عن الشمال، وتحديدا بعد المعاناة التي استمرت عقودا زمنية خلفتها سياسات النظام الحاكم في صنعاء. ويرفض الرئيس هادي أي حديث في هذا المجال في الوقت الحالي ويعتبره في غير محله ليؤكد للجميع أن العمل جار على توحيد البلاد فعليا وفي كل القطاعات والمستويات. وفي حديث سابق أجريناه مع وزير الخارجية رياض ياسين أكد لنا أن التوجه الحالي باعتماد عدن عاصمة لليمن في السنوات المقبلة من شأنه أن يساهم في إطفاء جذوة أبناء الجنوب بالمطالبة بالإنفصال عن الشمال ويؤكد ضرورة ارتباط مصير أبناء البلد مع بعضهم البعض من دون أي مطالبات انفصالية من شأنها الاخلال بالوحدة الوطنية. واعتبر أنه باختيار المدينة العريقة ذات التاريخ التليد وبما لديها من إمكانيات ومقومات ونقاط قوة عاصمة لليمن للسنوات المقبلة من شأنه أن يساهم في تطورها وترقيتها إلى مدينة حديثة وهو ما يغني الجنوبيين عن المطالبة بالانفصال والعمل من أجل الوحدة الوطنية.

ممنوع التصوير

منذ أن تصل المطار في عدن تلاحظ جليا التواجد الإماراتي الواسع في المدينة واضطلاعهم بمهام عدة والاشراف على كل القطاعات الاستراتيجية والحيوية. واستلمت القوات الإماراتية ملف الأمن كاملا وبصورة تامة في محافظة عدن ومديرياتها الثمان ولا يتحرك أي شيء من دون موافقتها، ولا تنفذ خطة من دون رعايتها لها. وبحسب مصادر تحدثت معها «القدس العربي» فإن الجانب الإماراتي يشرف على عملية تأهيل قوات الشرطة المحلية واستلمت كل المديريات التي أسندت لضباط أبوظبي الذين وضعوا على رأس جل الوحدات.
وخلال تواجدنا في المطار حاولنا التقاط صورة تذكارية توثق رحلتنا إلى عدن (بالرغم من عدم وجود أي توجيهات تمنع التصوير) ففوجئنا بعد لحظات بتوقف سيارة لاندكروزر من دون لوحات ترقيم ينزل منها شاب إماراتي بملابس رياضية رثة، ولا يحمل أي صفة محددة وتكشف عن جنسيته ملامحه وسحنته، والغترة الملونة التي لفها على رأسه. ومن دون أي تعريف بنفسه أو بصفته، أو حديث مسبق سحب منا الهاتف الذكي الجديد بما يحتويه من معلومات شخصية وخاصة، ووضعه في جيب سرواله الأيمن وكان يتدلى من الأيسر مسدس ناري. محاولاتنا اليائسة لنشرح لزميل الرجل الذي أخبرنا أن مرافقه ضابط استخبارات إماراتي مسؤول عن المنطقة، ولم نفلح في إيصال الفكرة له أننا التقطنا صورة خاصة لنا فقط ويمكنه أن يحذفها بنفسه طالما أن الهاتف لم يكن موصولا بشبكة الانترنت لكنها لم تجد نفعا. وفي المحاولة الثانية أردف لنا وبغلاظة أنه يمكن لنا أن نظل مع الهاتف لو رغبنا في البقاء، وهي كناية عن توقيفنا واحتجازنا في هذا المكان المجهول وقد لا يعثر على أثرنا أبدا. استسلمنا للأمر وصلينا الجنازة على الهاتف بما يحتويه من آلاف الذكريات عبر مئات الصورة لجولات عدة قمنا بها في مناطق العالم ومذكرات وملاحظات غنية، ورجونا عوضه وندمنا على الصورة التي كلفتنا الكثير.
نصحنا مرافقون لنا بضرورة تجاوز الأمر فهؤلاء الضباط يملكون صلاحيات مطلقة وليس من النافع لنا مجادلتهم على قرار مهما كان حتى لو كان ذلك تعسفا في سلطتهم لضمان أمننا وسلامتنا. غادرنا المطار وفي القلب حرقة على هذا الأمر والوضع الصعب وتمنينا أن تعود المنطقة إلى سالف عهدها بالأمان ويستقبلنا في الرحلة المقبلة اليمنيون ونلتقط معهم آلاف الصور وهم مستبشرون وفرحون بعودة الأمن والأمان إلى أرضهم الجميلة والرائعة التي تأسر قلب زائرها من أول لحظة.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية