عذابات العُمر الجميل… من وحي ما كتبه فاروق شوشة عن سيرته الشعرية

حجم الخط
0

منذ أن عمل مدرساً للغة العربية إبان تخرجه في كلية دار العلوم عام 56 ثم انتهاءه من الدراسة في كلية التربية عام 57 وهو مؤرق بالشعر، تلك الموهبة التي تضاءلت أمامها كل الامتيازات الأخرى، فجعل ينظمه صوراً وأبياتاً وقوافي وبحورا ويعتني به كأولوية أساسية في منهجه الحياتي.
لقد أدرك فاروق شوشة أنه واقع في أسر اللغة الجميلة لا محالة، فلم يقاوم وآثر أن يدخل طوعاً زنزانـــــة الإبداع ليظـــــل شاعـــراً، يكتب ما يمليه عليه وجدانه قبل عــقله ويسجل تفاصيل ما يجيش بصـــدره لحظة بلحظة فيتحول الشعر إلى مرآة تعكس صور الحياة بقسوتها وأوجاعها وآلامها، فتتكون عذابات العُمر الجميل كما وصفها صاحب السيرة الشعرية الفصيحة، الفريدة في مذاقها وتكوينها وعمقها.
كان العمل الإذاعي هو الأقرب إلى جو الشعر والإبداع فقصد الشاب الموهوب وجهة الإذاعة عام 58 مختصراً مشواراً طويلاً في الطريق الوظيفي كان سيستغرقه حتماً لو استمر يعمل بالتدريس، ولكنه فطن مبكراً إلى مأزق الخيار الصعب، بين أن تعيش آمناً مطمئناً في وظيفة تقليدية رسمية تؤدي دوراً جليلاً وحسب والصعود إلى قمة الجبل متحملاً تبعات الموهبة ومشقة الحياة المختلفة الخارجة عن السياق المألوف، فتستريح يوماً وتتألم أياماً وتخضع بإرادتك لسُلطة الشعر وسُلطانه ولا عزاء لك غير ما تجود به موهبتك وما يتمخض عنه إبداعك فأنت رهين نفسك وقلمك وخاطرك.
لقد قبل الشاعر الراحل بهذا القانون وانضم إلى أسرة الإذاعيين كفرد في كتيبة تحمل على أكتافها مسؤولية التثقيف والتوعية، وكان أول ما قدمه في هذا المضمار برنامجه الشهير «لغتنا الجميلة» عام 67 باعتباره متخصصا في اللغة العربية وأدرى بشعابها، فضلاً عن كونه متذوقاً موهوباً لجمالياتها وشاعراً رقيقاً يحس بنبضها ويتنفس هواءها، وعلى أثر النجاح المذهل للبرنامج اللغوي الفصيح قدم للتلفزيون أمسية ثقافية كانت انعكاساً لحصاد الأسبوع الثقافي ومنهلاً للباحثين عن المعرفة، التواقين لها. وبالقطع كان للإسهام الثقافي الإعلامي المهم أثر في اختيار فاروق شوشة ليكون رئيساً للجنتي النصوص في التلفزيون والإذاعة على حد سواء، بالإضافة إلى تعيينه رئيساً للجنة الملحنين والمؤلفين وعضواً في لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة ومشاركاً نشيطاً وفاعلاً في المهرجانات العربية والدولية.
كان من الطبيعي أن تؤول مسؤولية الإذاعة لأحد فرسانها الكبار فقد أصبح شوشة بالفعل رئيساً لها وأحدث بها نقلات وطفرات وجعل الثقافة والإبداع مواد أساسية في كثير من برامجها، وأفرد مساحات واسعة لحرية التعبير والنقد بشكل نموذجي راعى فيه آداب التخاطب وحُسن الأداء ولياقة الحديث كدعائم ضرورية للعمل الإذاعي البناء بوصفه ضلعاً من أضلع البناء المجتمعي وأخلاقياته القويمة، ومن ثم شهدت البرامج الإذاعية في عصره تميزاً ملحوظاً في الشكل والمضمون. ولم تأخذ المسؤوليات المتعددة الرجل بعيداً عن فنه وإبداعه ودوره الثقافي والأكاديمي المهم، فقد عمل أستاذاً للآداب في الجامعة الأمريكية في القاهرة وفي الوقت نفسه عكف على إنجاز عدد كبير من الدراسات والدواوين، منها «إلى مسافرة والعيون المحترقة وسيرة الماء والدائرة المحكمة ولغة من دم العاشقين وفي انتظار ما لا يجيء»، فضلاً عن دراسات أخرى معتبره، أهمها «مواجهه ثقافية والعلاج بالشعر وعذابات العمر الجميل ولغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة» وغيرها.
وإزاء هذا التميز حصل الشاعر فاروق شوشة عبر مشواره الإبداعي الطويل على كثير من الجوائز والأوسمة تقديراً لموهبته وعرفاناً بدوره، إذ نال جائزة الدولة عام 86 وجائزة محمد حسن الفقي وجائزة الدولة التقديرية في الآداب وجـــــائزة كفـــــافيس، ومؤخراً وقبل وفاته بقليل قلادة النـــيل، وهي أرفع وسام يمنح للأدباء وهو استحقاق يليق بالموهبة والموهوب.

٭ كاتب مصري

عذابات العُمر الجميل… من وحي ما كتبه فاروق شوشة عن سيرته الشعرية

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية