عراف الـرئيس

مع نهاية كل عام، تتسابق قنوات التلفزيون والاذاعات والصحف ومواقع الإنترنت على نشر لقاءات مع من يعرفون بالفلكيين. أشخاص يقدمون أنفسهم على انهم (علماء فلك)، والحقيقية انهم منجمون يقومون بقراءة المقبل من الاحداث، اعتمادا على ما يعتبرونه علما بمواقع النجوم والكواكب وتأثيرها على الاحداث في كوكبنا الصغير، المنزوي في ركن قصي من اركان الكون اللامتناهي.
قد يستمع البعض لتحليل وتنبؤات الفلكيين من باب المتعة والتسلية، لكن هنالك ايضا نسبة كبيرة ممن يتابعون المتنبئين بجدية وتصديق، وهذا ما يعزيه علماء النفس إلى الخوف من المستقبل، حين نحاول أن نجد ما يساعدنا ويمدنا بمعلومة نتشبث بها حتى إن تقاطع ذلك مع قيم العقل.
عندما يكون الانسان بسيطا فإن الامر بدوره يكون بسيطا، ويتعلق بطريقة الفرد في التعاطي العقلاني أو غير العقلاني مع الظواهر، لكن عندما يتعلق الامر بساسة ذوي مناصب مهمة، فإنه يتحول إلى امر عام، ويصبح مشكلة، لانه يغدو مؤثرا على حياة الملايين من المواطنين، واذا تتبعنا حياة الساسة من زاوية علاقتهم بالمنجمين وقارئي الطالع فسنجد أن الامر لم يكن حكرا على دولة دون اخرى، فهو منتشر في الدول المتقدمة والمتخلفة على حد سواء وفي جميع النظم السياسية.
فمن المعروف تاريخيا أن ديكتاتور المانيا ادولف هتلر كان كثيرا ما يستشير العراف الألماني وولف ميتسنخ، الذي اخبره مرة أن قوات الرايخ ستنهار في هجومها على الاتحاد السوفييتي، فما كان من الفوهرر الا أن حكم باعدام العراف الذي فر قبل القاء القبض عليه ليصل إلى الاتحاد السوفييتي ويصبح من خاصة الديكتاتور جوزيف ستالين ويعمل في خدمته، حيث احتضنه الزعيم السوفييتي بعد أن علم بنبؤته عن انتصار السوفييت واقتحام الدبابات السوفييتية لبرلين قريبا، وقد تحققت تلك النبؤة في مايو 1945.
ومن زعماء اوروبا المعروفين بلجوئهم للعرافين الرئيس الفرنسي الاسبق فرانسوا ميتران، وعلاقته بالعرافة الفرنسية اليزابيث تيسيه معروفة عبر تسريبات التسجيلات التليفونية التي سجلت دون علمه، وبثتها إذاعة «فرانس انفو»، فقد اشيع عن ميتران انه كان يستشير تيسيه حتى في اختيار رئيس الوزراء، حيث كان يمنحها ثلاث ساعات في اللقاء الاسبوعي الذي يلتقيها فيه ليستمع لنصائحها، كما كان ميتران يسأل منجميه وبشكل خاص تيسييه عن أبراج الزعماء الذين سيلتقي بهم، ويذكر أنه طلب تقارير من عشرعرافين عن صدام حسين بعد احتلاله للكويت، ليتخذ قراره بمشاركة فرنسا ضمن التحالف الدولي عام 1991، ففي التسجيلات المسربة كان هنالك تسجيل للمكالمات الهاتفية التي تمت بين الرئيس ميتران والمنجمة اليزابيث تيسيه وتضمنت استشارتها في الانضمام إلى قوات التحالف في حرب الخليج الثانية.. وفي مكالمة اخرى يقول فيها ميتران: «لقد اتخذت قراراً بالانضمام إلى الحرب فما هو التاريخ المفضل برأيك؟».
وينافس الرئيس الفرنسي ميتران في هذا الشغف عدد من رؤوساء الولايات المتحدة الامريكية، فها هو الرئيس جيمي كارتر يزور القاهرة عام 2012 لمراقبة أول انتخابات برلمانية بعد الثورة، ضمن نشاطات مركز كارتر للدراسات الاستراتيجية، ليخرج بعد اداء مهمته لزيارة عرافة عجوز تعيش فى نزلة السمان، التي قال إنها تنبأت بدخوله البيت الأبيض، حين زار مصر في الستينيات. أما الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريغان فقد كتب الكثير عن هوس زوجته نانسي بالعرافين والمنجمين وقارئي الطالع، حتى قيل إنها طلبت من عرافها الاقامة الدائمة في البيت الابيض، وربما هي من نقلت هذا الشغف إلى زوجها الذي عيّن بعد فوزه في الانتخابات نهاية 1979 ثلاثة من الفلكيين أو الروحانيين كمستشارين له، وهم من رشح جورج بوش الاب نائبا له، بعد استشارة النجوم.
وما دام الامر على هذا النحو في ما يعتبر دولا متقدمة، فلا ريب أن انتشار اعتماد الزعيم أو الرئيس في دول العالم الثالث على العرافين اكبر والظاهرة اكثر وضوحا، فقد كتب مايلز كوبلاند، ضابط المخابرات السابق ومؤلف الكتاب الاشهر «لعبة الامم» واصفا الامر: بأن رئيس جمهورية غانا كوامي نكروما ورئيس جهورية إندونيسيا أحمد سوكارنو والزعيم الألباني محمد شيحو أمكن التأثير عليهم بنجاح من خلال خرائط نجوم سربتها لهم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، عبر عرافين متعاونين معها. وأضاف كوبلاند: وفي الحقيقة أمكن إقناع نكروما بزيارة فيتنام حتى يكون بعيدا عن الساحة عندما يقوم الجنرال انكراه بانقلابه.
كما كان الرئيس العراقي الاسبق صدام حسين من بين اشهر الرؤساء العرب في تقريبهم للمنجمين واستشارتهم، كما كان شغوفا بكتب التنجيم والسحر وقراءة الطالع، وقد ذكر بعض المقربين منه ما حدث اثناء قمع الانتفاضة الشعبية التي اندلعت بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، حيث قامت عناصر من جهاز الاستخبارات العراقي بالاستحواذ على مجموعات كبيرة من كتب السحر والقدرات الخارقة في المدن التي حدثت فيها الانتفاضة، ومنها مدينتا كربلاء والنجف ونقلتها إلى القصر الجمهوري، حيث تسلمها المكتب الخاص للرئيس لمعرفتهم باهتمامه الكبير بهذا الامر، وتذكر موظفة في مديرية الرقابة البريدية في وزارة الاعلام أن الكثير من كتب السحر والقدرات الخارقة التي كانت ترد إلى العراق كانت تحجز بحجة انها ممنوعة وتجمع كلها وترسل إلى الرئيس لولعه بها، وبعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 تكشفت بعض الحقائق في هذا الجانب، ومنها احتجاز الرئيس للشاب احمد صلاح الدين، وهو من ذوي القدرات الخاصة وكان يخبره عما سيحصل له، ومن نبؤاته مقتل وزير الدفاع عدنان خير الله، وغزو الكويت وضرب العراق وتدميره من قبل قوات التحالف الدولي وخيانة صهر الرئيس حسين كامل وهروبه خارج العراق، وهذه كانت القشة التي حطمت العلاقة بين الرئيس وعرافه، حيث كان الفريق حسين كامل عام 1993 موضع سر الرئيس والمؤتمن على حياته والمستبعد جدا من دوائر الشك والخيانة، ما ادى إلى اعتقال العراف احمد صلاح الدين وتعريضه لانواع من التعذيب النفسي وليس الجسدي خوفا من التأثير على قدراته، ومن ثم استطاع هذا العراف الهرب من قبضة الرئيس لخارج العراق، والا كان مصيره سيكون مثل عرافة محافظة السماوة التي كان الرئيس يقطع رحلة لساعات ليستمع لها، وعندما ابلغته بنبؤتها الكارثية بزوال حكمه بعد 23 سنة نتيجة خيانة اعوانه، حكم باعدامها فأعدمت واخفيت جثتها حتى دون ابلاغ ذويها.
كذلك كان حال الرئيس الليبي الاسبق معمر القذافي الذي كان مهووسا بالعرافين والمنجمين، وكان يستعين بمجموعة منهم ، وذكر المقربون من القذافي انه استخدم عشرات السحرة من موريتانيا والسنغال ومالي ونيجيريا للتأثير على خصومه ومعارضيه. وهذا هو حال الرئيس السوداني الاسبق جعفر نميري الذي كان يستعين بمنجم ابلغه عندما كان ضابطا صغيرا بأنه سيكون رئيسا للسودان في المستقبل، ومنحه عصا لم يتخل عنها النميري طوال حياته، ويوم كسرت هذه العصا اكتشف النميري أن هنالك مؤامرة لاسقاط حكمه تم احباطها.
ومن جانب آخر وظفت نبؤات المنجمين لاغراض سياسية مرحلية وتسويقها على انها حقائق سياسية، مثال ذلك ما تم في فترة حكم الرئيس المصري محمد مرسي، عندما أكد الدكتور عبد الرحمن البر، مفتى جماعة الإخوان المسلمين وعضو مكتب الإرشاد، أن ثورات الربيع العربي وأدت مشروع إسرائيل من النيل إلى الفرات، لافتا إلى أن أحد العرافين تنبأ بتحرير القدس على يد محمد الثالث في إشارة إلى الرئيس محمد مرسي وإزالة إسرائيل من الوجود.
فما كان من الاستخبارات الامريكية الا أن تستخدم السلاح نفسه بطريقة مضادة، حيث استخدمت تصريحات العراف الأمريكي جون هوج، الذي يعد أشهر شارح معاصر لنبؤات نوسترا داموس الشهيرة، فقد أدلى هوج بتصريحات للصحافة الامريكية والفرنسية تنبأ فيها بفوز مرسي في الانتخابات، رغم ضآلة فرصته وعدم وجود أي مؤشرات تجعله حتى يدخل دورة الإعادة، والغريب في الامر أن جون هوج وبعد عدة عمليات حسابية وبالاعتماد على نبوءة لنوستراداموس اعلن أن عام 2013 لن ينتهي قبل أن يخرج هذا (الملك من عرش مصر) ليكون أقصر حكام مصر عمرا، ويضيف هوج في تفسيره للنبوءة أن نزوله عن الحكم لن يكون هادئا، فجسده سيتمزق بشكل كبير حتى أنه سيستعصي على المصريين تجميع أشلائه، وقد اطيح بالرئيس محمد مرسي في يوم 3 يوليو2013.
وفي النهاية ونحن نتابع مثل كل عام فيضا من التوقعات والنبؤات عن العام المقبل، اقول يجب أن ننظر إلى توقعات العراف للسنة المنصرمة وما تحقق من نبؤاته لنعرف حجم الخطأ الذي سنصدقه للعام المقبل.
كاتب عراقي

عراف الـرئيس

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية