«عرب إسرائيل» سعداء أم مرتاحون؟

حجم الخط
9

في الأسبوع الماضي وتعقيــــبا على مقـــالي «أنا يهودي» كتب أحد الأخوة الــذي وقــــع باسم (Passerby ؟)
بعدما أطرى على المقالة مشكورا ختم كالتالي «لي ملاحظة وأرجو أن لا أكون مخطئاً: يبدو لي أنكم مرتاحون (لا أقول سعيدين) بالحياة نوعاً ما في فلسطين المحتلة أكثر مما هو عليه الحال في كثير من الدول العربية! هل هذه مفارقة أم أن انطباعي خاطئ؟ أرجو المعذرة».
أولا تحية لجميع المعقبين المحترمين لمقالاتي التي أقرأها باهتمام، أما فكرة أننا مرتاحون تحت الاحتلال في مناطق 48 أكثر من أخوتنا العرب فهي منتشرة عموما، وقد سمعتها من عرب كثيرين وحتى من فلسطينيين.
سأكون واضحا وشفافا مع هذا السؤال، دولة الاحتلال وبلا مواربة تعامل الفلسطيني في إسرائيل كعدو استراتيجي يجب التخلص منه بشتى الوسائل الممكنة، بما يتيحه الظرف المحلي والإقليمي والدولي، انطلاقا من تطبيق فكرة «يهودية الدولة» أو «دولة اليهود»، التي يطمح إليها الكيان الصهيوني منذ تأسيسه، الأمر الذي يعني أن يبقى على أرض فلسطين أقل ما يمكن من العرب، على أقل ما يمكن من مساحة الأرض.
لهذا الهدف سنت دولة الاحتلال منذ قيامها عشرات القوانين لمصادرة أراضي العرب، ونادرا ما تجد عائلة لم تصادر لها أرض بدون تعويض أحيانا، أو بتعويض تافه لأرضها، يودع في البنك، ثم محاكمات قد تستمر عقودا بدون جدوى، وبعدها يقولون لك إن العرب باعوا أراضيهم، علما أن معظمها مصادرة بالقوة، كذلك تمنع القوانين بيع أرض للعرب، ويمنع العربي من السكن أو اقتناء بيت في معظم التجمعات السكانية في فلسطين، بقوانين سافرة أحيانا وملتوية أحيانا أخرى.
الإحصاءات تقول إن دخل الأسرة العربية في إسرائيل يساوي 50٪ من دخل الأسرة اليهودية، ودخل الفرد العربي يصل إلى ثلث دخل الفرد العام في الدولة، وأهم سبب هو أن معظم الشركات الحكومية الكبيرة لا تشغل العرب إلا نادرا، على رأسها الصناعات العسكرية، ثم شركات الكهرباء والموانئ والمطارات والهاتف والصناعات الدقيقة والكيماويات ومراكز الأبحاث والقطارات وغيرها الكثير، ويشغل العرب في إسرائيل 7٪ من الوظائف الحكومية معظمها في جهاز التربية والتعليم والسلطات المحلية والجهاز الطبي في المستشفيات، هذه النسبة كانت أقل بكثير وتحسنت بهدف استرضاء الأوروبيين من قبل إسرائيل لدخول اتحادهم.
يتمركز ثقل مصادرات الأرض في السنوات الأخيرة في منطقة النقب، وهو احتياط الأرض الوحيد المتبقي للعرب، فمعظم القرى والمدن العربية استنفدت ما تملك من الأرض. لهذا الغرض أعلنت الحكومة خطة لاقتلاع عرب النقب ومصادرة أراضيهم مقابل تعويضهم بفتات، تصور «راحة البال» لدى سكان قرية في النقب اسمها (أم الحيران)، يعيش فيها أكثر 1500 مواطن منذ الخمسينيات من القرن الماضي، نقلتهم السلطات من حدود قطاع غزة، إلى منطقة داخلية في النقب بحجة وجود خطر على الحدود مع مصر، بعد أن استقروا منذ ستة عقود واستصلحوا الأرض الصحراوية من حولهم، تطالبهم الدولة الآن بالرحيل، والأوقح هو إقامة مئات المستوطنين في بيوت مؤقتة قبالة أم الحيران بانتظار ترحيل سكانها ليقيموا مستوطنة مكانها باسم «حيران»! فتخيل راحة بال هؤلاء، ومثلهم أكثر من أربعين قرية في النقب تأوي حوالي 120 ألف مواطن.
يعيش حوالي 300 ألف عربي فلسطيني من أصل مليون ونصف المليون داخل مناطق 48 لاجئين في وطنهم، أصلهم من القرى المهجّرة، بعضهم يعيش على مسافة كيلومترات قليلة من أرضه وبيت ذويه، وأحيانا على بعد مئات الأمتار، ولا يحق له العودة إليها، بينما يأتي الروسي والأمريكي والفرنسي ليسكن ويقيم عليها أمام عينيه.
منذ سنوات تتوجه قيادات وأحزاب عربية إلى سفارات الأوروبيين والأمريكيين و(المصريين والأردنييين) ودول العالم، وتشكو عنصرية حكام إسرائيل تجاه العرب، وردا على هـــــذه الشكاوى وفي محاولة لخداع الأوروبيين، أعلن بيبي نتنــــياهو قبل عام تقريـــبا أن حكومــته خصصت 15 مليار شيكل للسلطات المحلية العربية، لمساعدتها في التطوير.
كانت كذبة كبيرة وانتظرنا كيف سيتخلص نتنياهو منها.
قبل أسبوعين وبإيعاز منه اجتمعت لجنة حكومية لتقرر مصير هذه المليارات الخمسة عشر الافتراضية، فخفضتها أولا إلى مليارين ونصف المليار فقط، واشترطت على السلطات المحلية العربية أن تهدم البيوت العربية غير المرخصة في نطاق نفوذها كشرط للحصول على ميزانيات، أما السلطات المحلية العربية التي لن تهدم بيوت العرب غير المرخصة فلن تحصل إلا على الفتات المعهود.
هذا الدعم المشروط زاد من قلق عشرات آلاف العائلات العربية خشية البدء بعمليات هدم واسعة لمنازلها التي يسكنها حوالي نصف مليون إنسان، الأمر الذي يعني نكبة أخرى لشعبنا.
أما لماذا البيوت غير مرخصة، فهذه فكرة صهيونية قديمة لئيمة، السلطات لا تصادق للعرب على مسطحات بناء جديدة وتعرقلها بحجج شتى، بعض القرى لم تعدل فيها خرائط البناء منذ نصف قرن، وبسبب هذه الضائقة المخططة مع سبق الإصرار يبقى أمام العرب ثلاثة حلول، التوقف عن التكاثر، أو الهجرة من الوطن، أو التوسع في البناء على أراضيهم الزراعية وفوق بيوتهم القديمة وحولها من دون ترخيص، الأمر الذي يعني محاكمات وغرامات وأوامر هدم، ودفع تكاليف الهدم مع تكاليف قوة الشرطة المرافقة للحماية، هكذا تراكمت عشرات آلاف أوامر الهدم في أدارج السلطات، نفذ الكثير منها، أحيانا مع وقوع ضحايا من العرب، وما زال سيف الهدم مسلطا على رقاب الناس، الأمر الذي يعني قلقا مستمرا.
بيبي يعرف أن أي سلطة عربية محلية لا تستطيع تنفيذ توصيات لجنته بهدم البيوت غير المرخصة، لأن أي رئيس سلطة يقدم على هذا سيعتبر خائنا، وعدم الهدم يعني عدم الحصول على ميزانيات. هذه هي الصورة العامة بدون التفاصيل التي تحتاج لمجلدات وروايات من الحياة اليومية في ظل العنصرية، بلا شك أن هناك اختراقات فردية ونجاحات لدى بعض الناس بإقامة مشاريع ناجحة، ولكن هذا يأتي رغم أنف السلطة.

٭ كاتب فلسطيني

«عرب إسرائيل» سعداء أم مرتاحون؟

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية