عرسال اللبنانية: مدينة السجاد والحجر الصخري… «عرش الربّ» العالق على حدود النار مع سوريا

حجم الخط
1

بيروت ـ «القدس العربي»:يقال أن بلدة عرسال اللبنانية، الواقعة في أقاصي البقاع الشمالي على امتداد الحدود اللبنانية ـ السورية، معزولة نسبيا عن محيطها ومنسية تنمويا. إلا أن من يعرف عرسال، يعرف عنها ثقافة التمرّد الذي صنعه المكان الجغرافي الذي تتموضع فيه هذه البلدة، من حيث طبيعة الأرض والمناخ ما جعل من سكانها ثوّارا ينتفضون ويقاومون ويشاركون في المعارك التي شهدتها البلدة. وأهل عرسال معروفون بدعمهم للمقاومة الفلسطينية وانتفاضة المخيمات، ومؤخرا، الثورة السورية. فقد قفزت عرسال، التي تشترك مع سوريا في خط حدودي طوله 50 كيلومترا، مع إندلاع الحرب السورية، إلى واجهة الأحداث اللبنانية وتحولت إلى محطة لجوء لأكثر من مئة وعشرين ألف سوري تدفق معظمهم من منطقة القلمون بعد أن أجبرتهم الحرب على ترك بلداتهم في حمص. وتشهد البلدة، منذ آب/أغسطس 2014 مواجهات مسلحة بين الجيش اللبناني ومقاتلي جبهة النصرة وداعش الذين سيطروا على المدينة  لفترة قصيرة في 2014 قبل انسحابهم إلى التلال إثر اشتباكات مع الجيش. واختطف عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» وجبهة النصرة 30 جنديا لبنانيا، عندما انسحبوا من بلدة عرسال بعد اشتباكات مع الجيش اللبناني. وبعد مفاوضات طويلة تم الإفراج عن 16 من المختطفين مقابل الإفراج عن متشددين في السجون اللبنانية.
 وانتهت المواجهات الأولية  بإخراج المسلحين من البلدة، لكن عادة ما تتوغل عناصر من التلال المطلة على البلدة التي تؤوي آلاف اللاجئين السوريين. ورغم أن بلدة عرسال شهدت إهتماما عربيا ودوليا بعد الحرب السورية، فقد انحصر التعريف عنها في العمليات القتالية الدائرة فيها وارتبط اسمها إعلاميا بأخبار إرهابيي جرودها. لكن، بعيدا عن أخبار القتل والإرهابيين، لا يعرف إلا القليل عن بلدة عرسال، من حيث تمتعها بتركيبة اجتماعية مميزة وطابع تراثي وتاريخي، وهي المعروفة بزراعة المشمش والقمح والكرز العرسالي البعلي الذي يشتهر بجودته وفرادة مذاقه، إضافة إلى حجرها العرسالي ونسج وصناعة السجاد المحلي. كما تنتعش فيها عمليات تهريب البضائع مع سوريا باعتبارها البوابة الاقتصادية التي يتنفس عبرها أبناءها. وهذه نبذة عن عرسال وأهميتها الجغرافية والتاريخية، الاجتماعية، التراثية، والاقتصادية.

الإسم والمعالم التاريخية

بحسب وزارة السياحة اللبنانية، فإن إسم عرسال المؤلف من كلمتين آراميتين هما «عرس» أي عرش و»إل» أي الرب في الآرامية نسبة لموقعها المرتفع بالنسبة إلى القرى المجاورة، حيث ترتفع البلدة عن سطح البحر حوالي  1560 مترا، في حين يرجح أنيس فريحة في كتابه «أســماء المدن والقرى اللبنانية وتفسير معانيها» إن كلمة عرسال آرامية تعني العرزال (أي الخيمة التي تقام فوق سطح المنزل أو في الكروم والغابات).
 تشتهر البلدة بمعالم تاريخية بسبب قربها من التلال وتعرف بآثارها القديمة وبقايا القصور والحصون وتتوزع في أرجاء البلدة بقايا مصاطب ومقابر تعود في تاريخها إلى عصور هجرة بعض القبائل العربية التي استوطنت المنطقة قبيل العصر الروماني. وتعرف عرسال باحتوائها على 28  أثرا لقرى قديمة منها: خربة الرعيان وحصنان (حصن وادي التون وحصن وادي الحنين). ولم تُجرِ وزارة السياحة اللبنانية حتى الآن أي مسحٍ لتلك الآثار. وتشير الحفريات والشواهد الأثرية المنتشرة في بلدة عرسال إلى أنها سُكنت منذ العهود القديمة الفينيقية واليونانية والرومانية. وتأسست بلدية عرسال عام 1952 وشهدت أول انتخابات في العام 1998 وكان عدد أعضاء المجلس البلدي 18 عضوا. وقد حققت بلدة عرسال مؤخرا انجازا كبيرا في الانتخابات البلدية، حيث نالت ريما كرنبي استاذة التعليم الرسمي في عرسال نصف أصوات المقترعين في البلدة  أي 3200 صوت. وقال وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق حينها «ما رأيناه اليوم في مراكز الاقتراع كفيل بالإجابة على كل من راهنوا أو عملوا على تأجيل الانتخابات، وأفضل قلم اقتراع كان في عرسال، حيث يتهم أهلها، كانوا الأكثر تعبيرا عن فرحهم بالدولة وهذه شهادة لأهل عرسال يجب أن يفتخر بها كل لبناني».

المناخ والموقع الجغرافي

تعتبر عرسال من أكبر البلدات اللبنانية مساحة (مساحتها 316,94 كلم2). وتعرف بمناخها الصحراوي، البارد في فصل الشتاء والحار والجاف في فصل الصيف. وتبعد عن بعلبك مركز القضاء بحوالي 38 كيلومترا، وعن مركز محافظة البقاع، زحلة، 75 كيلومترا وعن بيروت 122 كلم، ولذلك يصفها البعض بالبلدة اللبنانية المعزولة. وتختصر ألوانها السائدة فقط بلونين، الترابي المائل إلى البياض والبني الذي يحمله الغلاف الخارجي للصخور. تحدّها شمالا بلدات الفاكهة ورأس بعلبك والقاع، وجنوبا نحلة ويونين، وشرقاً الحدود السورية، وغرباً تجمع بلدات من رسم الحدث حتى اللبوة.

الاقتصاد

تكتسب بلدة عرسال أهميّة ديموغرافيّة بأهلها العاملين في الزراعة والرعي، والتجارة الحدودية (التهريب). ويعتمد سكان البلدة على مصادر رئيسية هي الكسارات التي تحوّل الصخر إلى رمل صناعي، والزراعة، والتجارة التي تنشط في معامل الصخر والحجر العرسالي حيث هناك 125 منشارا للحجر الصخري توفر نحو 300 فرصة عمل. وفي عرسال حاليا، حسب أحد مخاتيرها، حوالي 60 كسّارة صغيرة، و100 مقلع تؤمن مدخولا لنحو مئة عائلة، ويعمل في هذه المصادر الرئيسية أكثر من 50 في المئة من قوى القرية العاملة فيما يعمل نحو 10 في المئة منهم في القطاع العام والخاص، و8 في المئة في المهن والحرف.
وتصل نسبة البطالة في عرسال بين الشباب إلى أكثر من 25 في المئة وقد ارتفعت هذه النسبة بعد إندلاع الحرب السورية على الحدود. وبحسب حديث عبد الحميد عز الدين، أحد مخاتير عرسال الثمانية، إلى مجلة «الجيش» فقد «كانت بلدة عرسال حتى مطلع السبعينيات من القرن الماضي مشهورة بإنتاج الحبوب البلدية (قمح، وشعير، وحمص، وعدس…) وكان قمحها السلموني ذائع الصيت في منطقة بعلبك ـ الهرمل، ناهيك عن العنب العبيدي، العرسالي الذي كان يجفف قسم منه ليحوّل زبيبا، أو ليصنع منه الدبس المميّز، وما زالت معصرة البلدة الوحيدة شاهدة على ذلك. «ويضيف عز الدين «إن إنتاج الحبوب الحالي لم يعد يكفي إلا جزءاً يسيرا من الاستهلاك المحلي. أما كروم العنب فقد غزاها البنيان السكني ومناشير الحجر لينخفض الإنتاج إلى مستوى نصف الاستهلاك المحلي بعدما كانت كميات كبيرة منه تُصدَّر. أما أشجار الإجاص والزعرور فهي تكاد تنقرض لتفسح المجال أمام أشجار الكرز والمشمش والتفاح».

السجاد والحجر

اشتهرت عرسال بصناعة وحياكة السجاد المحلي والبساط، وتميزت بمراع خصبة أنتجت لها نوعية عالية الجودة من الصوف. إلا أن اختفاء قطعان الأغنام وغياب الدعم الحكومي لهذه الحرفة التراثية إضافة إلى توقف أكثر من 150  فتاة من البلدة عن امتهان هذه الحرفة ساهم في اضعافها تدريجيا خاصة مع دخول السجاد الأجنبي إلى أسواقها بأسعار منافسة.
وتعرف البلدة بحجرها العرسالي الذي تستخرجه من جبالها. وهو حجر كلسي يمتاز بصلابته ومقاومته للرطوبة والماء، ويستخدم في الدرجة الأولى للتلبيس من الخارج، لونه كريم وأسمر ويمكن تركيبه في الداخل كبلاط مجلي.
وقد تمتع أهل البلدة بهذه الثروة حتى أصبحوا تجار حجر وخبراء في الأحجار الصخرية وفنون العمارة، وتمكنوا من توسيع أعمالهم إلى المناطق المجاورة فاستطاعوا أن ينافسوا، بحجرهم المميز، أحجار سوريا والأردن.

النسيج الاجتماعي

يصل عدد سكان بلدة عرسال اللبنانية، إلى حوالي 35,000 نسمة غالبيتهم من المسلمين، بحسب الأمم المتحدة. ولا تتجاوز نسبة النزوح 15٪ من السكان. ويبلغ عدد العائلات فيها حوالي أربعين وأبرزها: الحجيري، وزيدان، وقاسم، وبحلق فليطي، وكرنبي، وبريدي، ورايد، وأطرش، وعودة، وزعرور، وعز الدين، وأمون. وتنقسم عرسال إلى أحياء، ويخص كل حي عائلة من عائلاتها الكبرى.
ويتميز أهلها بعلاقة جيدة مع أبناء منطقة البقاع الشمالي بسبب تشابه التقاليد العشائرية والعادات الشعبية، والتجارة وتبادل البضائع بين الحدود. لكن مع إندلاع الحروب والمعارك أصبحت هناك عوائق وحدود بين أهل البلدة وسكان جوارها على أساس التقسيم المذهبي . وتعاني البلدة من عدة مشاكل منها الصرف الصحي وشح المياه، إضافة إلى مشاكل تنظيمية وبيئية وتنموية ونقص في الخدمات الصحية.

عرسال المقاومة والثائرة

وقد إشتهرت بمواقفها الداعمة للثورات اللبنانية وعرف عن أبنائها ولاءهم الكبير لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. وسجلت عرسال مواقف هامة في دعمها للحركة الثورية، فكان لها دور كبير في الثورة الشعبية عام 1958 بقيادة الرئيس صبري حمادة. ولعبت هذه البلدة دورا مهما في مواجهة الحزب السوري القومي الاجتماعي على جرد النبي عثمان ورأس بعلبك والقاع. كما اشتهر أهل عرسال بدعمهم للمقاومة الفلسطينية، وانتفاضة المخيمات، ومشاركتهم من خلال الأحزاب السياسية في معارك عيون السيمان وغيرها. وشارك أهلها في معارك الجنوب مع العدو الإسرائيلي وقدموا أكثر من 450 شهيدا على أرض فلسطين وجنوب لبنان والعراق. وسقط لعرسال في حرب تموز/يوليو 2006 ثلاثة شهداء بالقصف الإسرائيلي على جرود البلدة في القاع. لكن مع إنتهاء الحرب الأهلية اللبنانيية وتراجع دور الأحزاب اليسارية اللبنانية، عاد أهل البلدة إلى حياتهم المعتادة ليواجهوا، فيما بعد، حربا جديدة على الحدود مع سوريا.

عرسال اللبنانية: مدينة السجاد والحجر الصخري… «عرش الربّ» العالق على حدود النار مع سوريا

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية