عرضته قناة arte الثقافية: «فلنرقص»… كيف تُستنفد الحجج في تجنب المشاهدة؟

حجم الخط
0

سيكون من الصعب تدبير حجة يتجنب بها أحدهم مشاهدة فيلم، يود بشكل أو بآخر ألا يفوته، رغبة أولية لمشاهدة فيلم في بلد كفرنسا ستكون كافية للوصول إلى المراد، لا عقبات جادة هنا، لا حجج أخيراً.
هنالك دائماً الحل/الجوكر وهو أن يكلف المرء نفسه بالذهاب إلى المكتبة العامة وطلب الفيلم المراد من أحد الموظفين، قد يجدونه في السيستم لكن بصحبة مستعير آخر، فيمكن حجزه حالما يعود، أو قد يكون متوفراً في أحد فروع المكتبة العامة المنتشرة في المدينة، فيدلون على مكانه، وقد يكون متوفراً في الفرع عينه في وقتها فيتلقفه ويمشي. يمكن استعارة ثلاثة أفلام غيره على أن يعيدها ضمن أربعة أسابيع.
لكن ما أطرحه هنا لن يجبر أحداً على التكلف بالذهاب إلى المكتبة. من البيت وأمام شاشة الكومبيوتر يمكن الوصول إلى بعض ما يُراد الوصول إليه. سأتناول كمثال هنا فيلماً وثائقياً أمريكياً عن الرقص اسمه «Let’s Dance»، عرضته قناة arte الثقافية الفرنسية الألمانية بدبلجة لكلا اللغتين، وقد عُرض الفيلم ببث مباشر عن القناة في موقعها على الإنترنت، ثم صار الفيلم، بأجزائه الثلاثة، بعد عرضه على ثلاثة أسابيع متاحاً لفترة محدودة قد لا تتجاوز الأسبوع، للمشاهدة المجانية على موقع القناة ذاته، ثم بعد ذلك تم رفعه عن القسم الخاص بالبرامج في الموقع وتحويله إلى القسم الخاص بالـDVD ليُعرض الفيلم بأجزائه للبيع أو الاستئجار الكترونياً.
لكن، لن يضطر أحدنا لدفع ٣.٩٩ يورو كي يشاهد الفيلم، لأن المكتبة العامة نفسها، لها موقع إلكتروني، بل مكتبة إلكترونية ضخمة يمكن التجول فيها، من دون تكلف مشقة الخروج من البيت. في موقع «ميدياتيك نوميريك» أي المكتبة الرقمية، يمكن تصفح المجلات والصحف، كما يمكن مشاهدة كمية (ونوعية) عجيبة من الأفلام، يحق لأي مشترك في المكتبة العامة أن يشاهد من خلال الموقع وبجودة عالية أربعة أفلام شهرياً، من بينها الفيلم ذاته عن الرقص، كون للمكتبة شراكة مع قنوات من بينها arte يمكن بذلك توفير مشاهدة مجانية لأفلام القناة تُتاح لمشتركي المكتبة. لكن أثناء كل ذلك، تم عرض الفيلم كذلك في إحدى صالات السينما متبوعاً بحلقة نقاشية.

فلنرقص

يتناول الفيلمُ الرقصَ من عدة نواح: تاريخياً، كيفية تطوره، توظيفاته السياسية والاجتماعية، عروضه الفنية، التقنيات المتبعة فيه، وغيرها مما يمكن أن يرتبط بالرقص شكلاً ومضموناً.
يبدأ الفيلم بجزئه الأول في الحديث عن الرقص الكلاسيكي، الباليه، مركزاً على تقنية الوقوف على الأصابع بالحذاء المخصص، ومن الكلاسيكي ينتقل إلى «البريك دانس» كرقص يتم في الشوارع وليس الصالات، من دون أي إيحاء بتناقض بينهما، بل بربط ضمن تقنية استخدام الحذاء. مركزاً على وظيفة الأحذية والأقدام في الرقص، ينتقل الفيلم إلى الرقص الفلكلوري الهندي، حيث لا أحذية بل أقدام حافية مطبوع عليها بالحناء، ومنه إلى رقص عمال المناجم الأفارقة بـ»البوط» الواقي من تأثيرات الفحم، وهو نوع آخر من الأحذية تتركز عليه رقصات العمال، ثم إلى رقص «الكلاكيت» الأمريكي بالطرق على الأرض بالكعوب، ورقص «الفلامنكو» الإسباني بالطرق بالكعوب كذلك. كلها رقصات ترتكز على أحذية خاصة بها، لا تكتمل الرقصة، أو لا تُوجد وإن ناقصة، من دون هذه الأحذية. وهي رقصات ذات علاقة بالإيقاع أكثر مما هي بالموسيقى، الإيقاع هنا هو الأساس، كما الحذاء وحركات القدم هي الأساس، أما الموسيقى وحركات الجسد فوظيفتها هي المساندة والتناغم مع الإيقاع والأقدام، وتكون الأخيرة خبطات أو طرقا على الأرض تندمج بالإيقاع وتتحول لآلة إيقاعية لها مساحتها السمعية المخصصة، ضمن باقي آلات الإيقاع والموسيقى، وبذلك يصير الراقص برقصه وبحذائه عازف إيقاع مرافقا لإيقاعات الآلات.
ينتهي الجزء الأول بإشارات أخرى لاستخدام الحذاء في الرقص، إنما خارج مجالات الإيقاع، هنا شكل الحذاء وليس وظيفته الإيقاعية ما يهم. كما في الرقص الإيروتيكي الإغرائي، أكان بحركة سريعة أم بطيئة، الحذاء أهم ما في زي الراقصة هنا.
يتناول الجزء الثاني من الفيلم الرقص اعتماداً على الجسد، لا القدم أو الحذاء، وتحديداً اعتماداً على العري النسبي، فقد بدأت عروض الرقص شبه العاري في أمريكا لغاية الترفيه في نواد ليلية ومطاعم، كان ذلك في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، أما بعدها فدخل الرقص الترفيهي شبه العاري مرحلة جديدة وبانت تأثيرات الرأسمالية والغاية الربحية للشركات، من خلال استغلال أجساد النساء في رقصات دعائية أو إعلانية لاستثارة الغرائز الاستهلاكية للمتفرج، بعيداً تماماً عن الغاية الفنية للرقص، وهنا دخل رقص «الستربتيز» المعروف بغايته الإغرائية وتصنيفه الإيروتيكي، دخل إعلانات هذه الشركات ليساهم في الترويج لسلع مرفقة بأجساد نساء شبه عاريات يتلوين أمام الكاميرا.
يأتي ذلك في مرحلة صارت العروض الراقصة فيها جزءاً أساسياً من الأفلام الأمريكية، وصارت نجمات هذه الأفلام رموزاً للإغراء، أبرزها مارلين مونرو التي لا يكاد يخلو فيلم لها من عروض راقصة، وهي في الوقت ذاته كانت (وما تزال) مثالاً لما يمكن أن تكون عليه المرأة المغرية.
في ستينيات القرن الماضي صارت للرقص رسائل سياسية، صار تظاهرة سياسية اجتماعية للحركات المدنية وناشطي السلام، وجزءاً من التظاهرات ضد الحرب في فيتنام، ثم تطور عبر السنين ليصير في التسعينيات أكثر شيوعاً في كليبات الأغاني والأفلام، فمعظم أغاني تلك الفترة اعتمد تصويرها على فرق جماعية راقصة. واليوم، مع الفن المعاصر ذاع الرقص العاري تماماً، من دون أن يكون لغاية البيع والترويج، بل لغاية التحريض على التفكير وبناء الآراء والمواقف النقدية والجادة، في ما يخص المجتمع والفنون والسياسية ومجمل الثقافة. أسهب الجزء الثاني في الحديث عن العروض المسرحية الراقصة المعتمدة كلية على الجسد العاري، على الإيماءات والرقصات الناقلة بالأجساد على خشبة المسرح نصاً مشهدياً يتلقاه المتفرج بحركات هذه الأجساد وتفاعلاتها.
انتقل الجزء الثالث للحديث عن السياقات السياسية والاجتماعية للرقص، بعيداً عن الشكل أو الأسلوب. فهنالك ما يُعرف بالرقص الأسود، وهو رقص الأمريكيين من أصول أفريقية، الذي بدأ في الكاباريهات وكان يصور كليشيهات وُضع هؤلاء ضمنها، اتخذ الرقص منحى آخر وتطور مع الحركات الحقوقية للسود والحركات المدنية في الستينيات وصار وسيلة تعبير عن هذه الحقوق، ثم لاحقاً ظهر الرقص بأجساد شبه عارية لغايات فنية يمكن بها تغيير المفهوم السائد عن الجسد الأسود، فيكون شريكاً في عروض فنية راقصة.
رقص حقوقي آخر انتشر في سبعينيات القرن الماضي هو رقص المثليين، كانت رقصات تعتمد على وضعيات العارضات في مجلة «فوغ» المتخصصة في الموضة، يوصلون تلك الوضعيات ببعضها فيخرجون برقص متميز عما كان في حينه، وقد عُرف برقص «الفوغينغ» تبعاً لاسم المجلة، انتشرت كذلك بين المتحولين جنسياً وفي النوادي الليلية الخاصة بهم. كما تناول هذا الجزء عروض الرقص المعاصر غير المعتمدة على أجساد يتوقعها المتفرج، كأجساد ممتلئة غير نحيلة إضافة لمشاركات راقصين يعانون من إعاقات جسدية، ثم عاد بالزمن إلى الثمانينيات حيث استُحدثت رقصات متخيلة لما سيكون عليه رقص الروبوتات، الحركات المتقطعة والأطراف المعلقة بالمفاصل، هي رقصات انتشرت بشكل واسع في تلك الأيام، أما اليوم فهنالك فعلاً روبوتات صنعها الإنسان ترقص على المسارح. كما عرض الفيلم لقطات لأحد هذه العروض.
ينتهي الجزء الثالث، وتالياً الفيلم، بتشاؤم له مبرراته، وذلك بالحديث عن رقص من دون أجساد، من دون مؤدين أو راقصين، بل رقص ثلاثي الأبعاد لشخصية كرتونية يابانية ترقص وتغني على المسرح أمام جمهور مريع يصرخ ويلتقط الصور بالموبايلات بدل الرقص، وبذلك، يقول المعلق في الفيلم، يمكن أن نجد أنفسنا يوماً ما ذاهبين إلى عرض راقص يؤديه مجسم ثلاثي الأبعاد لمايكل جاكسون.

٭ كاتب فلسطيني

سليم البيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية