عرض جديد يعيد مروى الخليل إلى المسرح: فائض في الكوميديا… والضحك سبيلاً وحيداً إلى الجنة!

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: يمكن اعتبار «مسرح مونو» خشبة لعروض الطبقة اللبنانية البرجوازية، نظراً لجمهوره وأسعار بطاقاته، وموضوع عروضه المُختارة، من عرض رفيق علي أحمد الأخير «وحشة» الذي أتّى مُحزِناً لجمهور صاحب «الجرس»، وصولاً إلى العروض التي قاربت قضيّة المرأة والنسويّة بشكلٍ سطحي ساخر أكثر من مرّة، ونذكر منها عرض «زنود الست». عروض بغالبيتها كانت سلبية تعجُّ بكوميديا تلعب على قضية «الطائف» في لبنان، وانعكاساتها المُجتمعيّة أو الفكرية.
«عطريق الجنة» عرض لا يخرج من هذه الدائرة: الكثير من الكوميديا، البصمة النسائيّة- وليس النسويّة- والطائف، وتحتضنه خشبة «مونو» من 28 أيار/مايو ولغاية 18 حزيران/يونيو الحالي.

مفردات مروى خليل المسرحيّة:

بالتعاون مع الطبيبة النفسيّة ساندرا خوّام، تعود الكاتبة والممثلة مروى خليل إلى خشبة «مسرح مونو»، ككاتبة ومُنتجة لعرض «عطريق الجنة»، بعد أن قدّمت العام الماضي عرض «زنود الست»، محمّلة بمفرداتها الأساسيّة، وأوّل هذه المفردات هو الخشبة التي تسيطر عليها البطولة النسائيّة ويغيب عنها الرجل. يُقدّم العرض ثلاث شخصيّات نسائيّة، تؤديها ثلاث ممثلات هنّ خليل نفسها، تانيا عاصي، ولارا راين، يتعرضنّ لحادث سير وينتقلن إلى السماء، إلى ذاك المكان المُعلق أبعد من الأرض وقبل الجنة أو النار.
ممثلات خليل في كلا العرضين جميلات، غير مُحافظات في ملابسهنّ أو لُغتهنّ، يعكسنّ صورة نمطيّة- ربما غير دقيقة تماماً – للمرأة اللبنانية التي تجيد الحديث بثلاث لغات مختلفة، تجيد فن الطبخ والعناية بالجمال حتى الإغراق فيه.
تمثّل نساء خليل هذه المرّة- كل منهنّ طائفة في بلد الطائف، واحدة مسيحيّة والثانية مُسلمة من زواج سني/ شيعي أو «سوشي» كما تتنّدر صاحبة الشخصية، والثالثة درزية لا يمكنها دخول الجنة أو النار، إذ أن مصيرها مُحدّد بالتقمّص.
استغلال الفضاء المسرحي بكامل أبعاده لصالح لُعبيّة العرض من مفردات خليل المسرحية كذلك، وقد رسم شادي الزين المشهديّة النهائيّة بإخراجه، من دون أن يمنع هذا بعض التفاصيل هنا وهناك من أن تكون ثقيلة أو غير مُبرّرة بشكلٍ واضح، دراميّاً أو بصريّاً، خاصة مشهد ذيل السمكة، أو مشهد «آدم وحواء» في الديسكوتيك، في حين يُحسب للعرض مراعاة الملبس الذي ينسجم وكل بيئة دينية.

الضحك سبيل وحيد إلى الجنة:

لكن ماذا لو فاضت اللعبيّة أو تسطّحت؟ مشاهد كثيرة بدت أقرب إلى عوالم «ديزني لاند» الطفوليّة، ومنها مشهد الجنة حيث مُجسّم كبير للآيس كريم، أو الملاكين الحارسين لباب الجنة، وهما شابان جميلان يبتسمان بطفوليّة فائضة طوال الوقت ويتحدّثان بنعومة، والأبرز هو «العفريت» النحيل عاري الصدر بقرنين صغيرين حمراوين.
لُعبيّة العرض المشهديّة تتناسب- رغم سطحيتها في أماكن كثيرة- مع كامل تفاصيله الأخيرة، لتشكّل وحدة بُنيويّة، قد يتقبلها البعض ويخرج من الصالة مُستمتعاً بعرض كوميدي عن الحياة ما بعد الموت، أو لا يتقبلها ويخرج من الصالة ممُتعضاً من عرض يُقارب كلّ المقدسات الدينية إلى ذاك الحدّ.
في بلد الطائف، وفي العالم العربي الغارق في الدم نتيجة الخلافات والحساسيات الدينية التي تحكمه منذ أكثر من ألف عام، ربما تكون السخريّة إلى هذه الدرجة الطفوليّة أو السذاجة هي السبيل الوحيد إلى الخلاص، فكيف ننسى أن المسرح العربي ابتدأ في القرن التاسع عشر مع العروض التمثيليّة للسوري أبو خليل القباني 1833- 1903 واللبناني مارون النقاش 1817-1855، وكلاهما تلقى نقدّاً لاذعاً وهجوماً تحالف فيه التجار مع السلطات الحاكمة، ووصل الأمر في حالة القباني إلى إحراق مسرحه فهاجر إلى مصر، نتيجة الجرعة الكوميدية الساخرة في عروضه، خاصة عرض «هارون الرشيد». وهل يمكن تجاهل الرواية القائلة بأنّ «ارسطو» وضع مؤلفين هما «فن الشعر» الذي يتناول التراجيديا، وآخر يتناول الكوميديا حرّمته الكنيسة ومنعت تداوله طوال سنين، لأنّ الضحك هو أوّل وأفضل السُبل إلى كسر المُقدسات، بإسقاط الهالة المُرعبة عنها، والجرأة على تناولها كموضوع للعامّة.
إلاّ أن السؤال يبقى قائماً برسم الجمهور: هل الغاية الخيّرة تكفي وحدها لتبرير فائض الكوميديا، حدّتها حيناً أو سذاجتها حيناً آخر؟

يارا بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية