باريس ـ «القدس العربي» من صهيب أيوب: لم تكن الدورة السبعون لمهرجان «أفينيون» المسرحي عادية هذا العام. إضافة إلى تنوع العروض، جذبت الدورة أعمالاً عربية وشرقية شابة، كان من اللافت تموضعها ضمن سياق المهرجان، وتفاعل الجمهور معها، الذي تعامل مع اللغة العربية، تحديداً، في إنصات مدهش، كأنهم يكتشفون هذا العالم الذي تأتي منه موجات اللجوء ويعيش نكبات يسمعون عنها.
وتكاد تكون من المرات النادرة التي تتوج العربية بهذا الزخم من الأعمال (العام الماضي ضم 3 أعمال عربية)، اعترافاً فنياً يليق بمنطقة الشرق الأوسط. وهي ايضاً حاجة يسدها هؤلاء الشباب للمهرجان، في تواصله مع هواجس المنطقة العربية والمشرق وأزماته، عبر أعمال لا تزال تتصف بـ»التجريبية»، وتمثل صوتاً حاداً ومختلفاً، عما قدم في السابق، إضافة إلى عرض أعمال إيرانية وإسرائيلية، كاشتمال على صراعات المنطقة وتقارب الثقافي من السياسي.
واحتفى المهرجان بقراءات من الشرق، في باحة حديقة دار جان فيلار. القراءة الأولى، قدّمتها فرقة الكوميديا الفرنسية خلال ثلاثة أيّام، بعنوان: «الشرق في القسمة». تروي سفر كليلة ودمنة، حيث قام ممثلو الفرقة بقراءة مقاطع من النص العربي في ترجمته الفرنسية وقراءة قصائد لافونتين المقابلة لها. أما القراءة الثانية فهي لمسرحيّة اللبنانية حلا مغنّي: «صمُت واحفُر»، التي حازت جائزة راديو فرانس الدولية للمسرح عام 2015، خلال مهرجان الفرنكوفونية في ليموزين.
وعرض المخرج السوري عمر أبو سعدة، مسرحيته، بعنوان: «بينما كنت أنتظر»، للمسرحي محمد العطار، حيث أجمع النقّاد على أن استخدام المخرج لغيبوبة بطله في المسرحية، هو استعارة لبلده سوريا، الواقعة في غيبوبة الدم والنار.
وتروي المسرحية السورية قصة رجل يتم توقيفه على بعد عدة كيلومترات من دمشق، من قبل عسكريين، ويجد نفسه غارقاً في «كوما» عميقة. والغريب أن عقله يبقى مستيقظاً. يؤخذ إلى منزله الأبوي، فيتوه كأنه شبح في غرفته، ويراقب أقرباءه الذين يؤيدون الحرب. وإذا كانت المسرحية تميزت بوصفها اليوميات الدمشقية، فإن ضعفها الدراماتورجي، كما يقول ناقد في مجلة «الإكسبرس» الفرنسية ظاهر.
ويسرد العمل باعتماده تقنيات المسرح الوثائقي (كما يقول صاحب العمل)، قصة الشاب، وأمه تبكي وتصرخ وتصلي قربه، ثم تصب جام غضبها على أخته الغائبة، التي هربت إلى لبنان مع بدء الثورة السورية. وتتصل المسرحية بالواقع الاجتماعي، الذي يعيشه جيل الشباب في أزمته مع الحرب الدائرة، وأيضاً مع أفكار المجتمع وسلطته، ورقابته المفترضة. وينقل النص حالة البنت السورية، المتحررة من سلطة الأبوين، وقيامها بفردانية بتحقيق ذاتها والاتجاه نحو حرياتها الشخصية، وهو ما تلاقيه برفض أمومي، حيث الرقابة والخوف من كلام المجتمع. ويظهر العمل علاقة الأم بالبنت، بأنها علاقة معدومة، وتتصف بالهجومية، وهي تدل على أجواء العائلة السورية، في ظل الحرب، وما صار بالإمكان وصفه، تفكك منظومة أسرية، تشبه تفكك الشعب عن سلطته الديكتاتورية. فالأفراد في النهاية، يتماثلون في رمزية تعبيرية.
ومن سوريا إلى لبنان، قدم الكوريغراف الشاب علي شحرور عملين هما: «موت ليلى» و»فاطمة». استمر عرضهما في المهرجان على مدى 3 أيام، واستوحاهما شحرور من طقوس البكائيات واللطم والحزن الشعائرية في مجالس العزاء الشيعية، اعتماداً على الموروث المحكي والشعري والحركي. ومن ضمن البرنامج، قدّم الفنّان الإسرائيلي أموس غيتاي، خلال ليلة واحدة في ساحة الشرف في قصر البابوات، عملاً يروي اغتيال رابين، انطلاقاً من مذكّرات زوجته، ويتعمق العمل في تشقق المجتمع الإسرائيلي. ويمزج العرض صور الفيديو الوثائقية بالسرد، واشتركت في القراءة الممثلة هيام عبّاس إلى جانب سارة أدلير.
أما المسرحية الإيرانية بعنوان «Hearing» إخراج أمير رضا كوهستاني، فتبدأ بإشاعة غبية. فليلة العام الجديد، يدخل شاب إلى مضاجع جامعية للبنات. طالبتان تحملان على تفسيرات للمناظرة. فالأولى مشتبه فيها بأنها هي التي أدخلت الشاب. والثانية «مدعوة» لتأكيد هذه الإشاعة، تعلن على منصة مسرحية ضعيفة الإضاءة. يجري استجواب على الطريقة الكافكاوية. والمسرحية تتميز بكتابة جيدة، ودرامية، تتناول أضرار الشعور بالذنب. مخرج العمل، كوهستاني (38 عاماً)، على اطلاع واف بالمسارح الأوروبية، فبعدما درس الدراماتورجيا في بريطانيا، ها هو ومنذ 2002 يمثل ما يمكن تسميته المسرح الإيراني الجديد. يقول الشاب في مقابلة مع مجلة «إكسبرس»، «أعمالي رمزية إلى أقصى حد، وعلى قطيعة مع الأسلوب الخطابي السائد».
ويبدو أن توجه منظمي المهرجان لاستقطاب أكثر من عمل عربي واحد، بدأ منذ عام 2015، حيث برزت في الدورة السابقة 3 إسهامات عربية هي «العشاء الأخير» للمصري أحمد العطار وفرقة «المعبد» المسرحية، و»مورسو: استقصاء مضاد» عن نص للجزائري كامل داوود، وقدمتها فرقة مسرح الحرية في تولون من إخراج فيليب برلينغ، وعرض غنائي لبناني تونسي فرنسي مشترك هو «باربارا فيروز» للتونسية درصاف حمداني تمزج فيه عالمي الموسيقى الفرنسية وأغنيات باربرا وموسيقى الأخوين رحباني وأغنيات فيروز.