عريقة… عمر وعلي

حجم الخط
32

سيدتي عريقة أحبّ الأمهات إلى قلبي، أعرفها منذ كنت صغيرة ألعب في حارتنا الكبيرة المترامية الأطراف، أعرفها من صوتها الشجي الذي يشبه الناي في أصفى أنفاسه، أعرفها من ثوبها العريض الأسود السؤدد المزيّن في أطرافه بالمخمل والحرير، سيّدتي عريقة إذا طهت الطعام كل حارتنا تذوق من قصعتها، سيدتي عريقة إذا مررت قرب بابها تشم بخورها الذي يعبّق الأرجاء، وتضيّفك بالتمر والشهد، سيدتي عريقة أوّل من كتب بالقلم في حارتنا ، وأوّل من سنّ القوانين لتنظيم شؤون حياتنا،علّمت باقي الأمهات حياكة الحرير، وصنع أواني الطين، سيّدتي عريقة من الأمهات اللواتي لا يمتن، فهي تعيش منذ الأزل، لم يتغيّر منها شيء عدا……
سيدتي عريقة لها من الأبناء الكثير، لا أذكر كل أسمائهم ففيهم :عمر وآرام وعلي وشمعون وآيدن وبديعة…وآخرون، جلّهم معها وحولها يزينون بيتها الكبير الرحب ، لا تفرق بين أحد منهم، وسعت دائما جاهدة أن تبقيهم في كنفها آمنين مطمئنين.
ظلّ الحال على ما هو عليه، إلى أن كبر عمر وعلي، وبدأت النسوة في الحارة يتحدثن عن سماع أصوات عالية تصدر من بيت سيدتي عريقة.
إقتربت من إحداهنّ وسألتها لماذا لم تعد سيدتي عريقة تخرج إلى الحارة؟ فأخبرتني أنها تخشى أن يتعارك علي وعمر في غيابها؟ لذلك هي تمكث هناك كي تفك أي أشتباك بينهما؟ أصابني الذهول وإصفرّ وجهي، قلت :عراك بين علي وعمر؟ في بيت سيدتي عريقة؟ هل أنت متأكدة يا خالة؟ نظرت إلي مشفقة ممّا رأته باديا على وجهي وقالت: يا صغيرتي عدوّة عريقة «طائفة» أورثت حقدها إبنها فارس ، وهو يفعل الأفاعيل بين علي وعمر….
لم أصدّق ماسمعت، فقرّرت أن أزور سيدتي عريقة بنفسي، طرقت بابها برفق سمعت صوتها من خلفه ..ياهلا ياهلا…سيدتي عريقة من شدّة كرمها ترحب بالطارق قبل أن تعرف من هو، فهي تحسن الظن بالطارقين والسائلين وعابري السبيل…
فتحت سيدتي الباب….يا الله… كم هي جميلة مهيبة سبحان من سوّاها ، لم أشعر بنفسي ووجدتني ألقي بروحي في حضنها الدافئ ، غمرتني بحنانها… قبّلت يمناها التي خطّت بها تاريخ البشرية جمعاء، قالت لي تفضّلي …تبعثرت خطواتي في حضرتها وحاولت التماسك أمامها ، فهي لا تشبه مما عرفت من السيدات ، حسن مع هيبة ووقار ، رهبة مع علم مع حكمة وغير ذلك كثير، أجلستني في دار الضيافة ، جلست أتأمّل في بيتها الرحب كم هو واسع فسيح ، مزيّن بما لم أره من قبل ، فضّتها انصع من الفضّة ، أواني الفخّار لا تشبه أوانينا ، حتى سجادها محاك كأنه فسيفساء، في غمرة تأمّلي وجدتها تقف أمامي وهي ممسكة بصينية التمر والشهد والحليب، هممت كي أحمل عنها الصينية فإذا بها تسبقني وتضعها فوق المائدة الخشبية المنقوشة بالنحاس، رمقتني بنظرة حانية ، عيناها أكبر من البحر وأعمق من المحيط، لا يمكنك أن تلتفت لشيء غيرها إذا حضرت..
تناولت ملعقة شهد وأتبعتها برشفة من الحليب، سألتني : هل أساعدك بشيء؟ قلت لها: سيدتي عريقة لا أريد شيئا…لكني إشتقت إلى طلعتك البهية ، لم نعد نراك ، وسمعت أنّ…لم أكمل الجملة حتى سمعت صخبا صادرا من الغرفة المجاورة، إلتفت لسيدتي عريقة لم أجدها بقربي، خرجت من دار الضيافة أتبع الصوت الذي خرم أذني، وإذا بي أرى عمر وعلي كلا منهما يمسك بعنق الآخر، يريد أن يقضي عليه ، وسيدتي عريقة تمسك بيدي صغيريها تحاول تفريقهما…لكن عبثا حاولت ، فكأن شياطين الأرض جميعها تسكنهما مناصفة .
صرخت سيدتي عريقة وقالت لهما : بحق الباري الذي عبدناه كفى، بحق البطن الذي حملتكم فيه كفى، بحق الحليب الذي أرضعته لكما كفى…قال علي وأنفاسه تتقطّع سآخذ بثأري يا أمي وحبي لك ، وخبزك الذي عجنته لنا سآخذ بثأري منه، قالت سيدتي عريقة والدموع شلال على وجنتيها ، يا علي أخوك من لك غيره يا علي ، أيّ ثأر يا علي ، كذبوا عليك لا تصدّقهم…
خنقتني العبرة ولم أحتمل رؤية سيدتي عريقة تبكي، تبا لثأرك ياعلي الذي زاد عمره عن 1400عام، كانت نافذة الغرفة مفتوحة وإذا بفارس إبن طائفة ينادي علي : خذ بثأرك ياعلي أنا معك ولن أتركك…، لم أتمالك نفسي ووقعت عيني على خنجر من نحاس يزين الجدار، إلتقطته ، أخرجته من غمده ،صوبته صوب فارس ففقأت عينه الدجّال.
ترجّت سيدتي عريقة عمر عندما يئست من علي، ياعمر… يا صغيري… أنت الأكبر لا تجاريه ، لا تقتلني معه، قال: سحلني يا أمي… صاحب فارس وعاداني وأنا ابن أمه وأبيه، نكّل بي يا أمي ، لن أنجو إن نجا…
توجّهت سيدتي عريقة صوب يمين الغرفة، إفترشت سجّادة خضراء كانت قد حاكتها منذ مئات السنيين ، جثمت على ركبيتها، أمسكت بسبابتها والوسطى طرفي خمارها الذي على كتفيها ، أسدلته على رأسها ووجهها، رفعت يديها عاليا وبدأت في مناجاة بلغات قديمة لم اسمعها من قبل، كان صوتها حزينا حزن دهر من الزمان ، ياه…..أهكذا يفعل ابناء عريقة بأمهم؟
خفت صوت علي وعمر ، وأرهبهم سكون سيدتي ، لبست أنا كذلك الخمار، وجلست على يمينها أردّد خلفها دون أن أفهم كلامها ..آمين…آمين…آمين.

كاتبة من الجزائر

عريقة… عمر وعلي

منى مقراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية