إسطنبول – «القدس العربي»: بدت تصريحات كبار مسؤولي تركيا في الأيام الأخيرة كمن يحاول «الدفاع عن النفس» في وجه سيل من الاتهامات التي كالتها الصحافة العالمية لأنقرة والمتعلقة بالتساهل في دخول المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق، بعد عزوفها عن المشاركة في «الحلف الدولي» ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
ورغم تمكن عملاء من المخابرات التركية من إعادة 46 رهينة خطفهم تنظيم الدولة الإسلامية في شمال العراق إلى تركيا السبت بعد أن ظلوا في الأسر لمدة ثلاثة أشهر، الا انه يبقى من غير الواضح ما اذا كانت تركيا ستغير مسارها.
وصرح مسؤول في الحكومة التركية ان قرار انقرة عدم المشاركة عسكريا ياتي بناء على «سياسة الدولة».
وقال «لم نشارك في أي تدخل عسكري منذ الحرب الكورية .. هذه سياسة دولة وليست لها اي علاقة بتنظيم الدولة الاسلامية».
وجاءت تصريحات نائب رئيس الوزراء التركي، نعمان قورتولموش، السبت والتي قال فيها أن البرلمان التركي، سيتداول يوم 2 تشرين أول/ أكتوبر المقبل، مذكرة تفويض الجيش التركي، للقيام بعمليات عسكرية خارج الحدود إذا استدعت الضرورة، مضيفاً أن المسألة لها بعدان، أحدهما اللاجئين والمساعدات الإنسانية، والثاني البعد السياسي، مؤكدا أن تركيا ملزمة بحماية أمنها، وأن كل السيناريوهات مطروحة على جدول الأعمال، لتقلب المعادلة خاصة عقب الافراج عن الرهائن الاتراك.
وأشار قورتولموش إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، لم يصل إلى هذا الوضع بين ليلة وضحاها، مشددا ضرورة الحاجة لمعالجة كل الأبعاد، التي ساهمت في ظهوره.
وأكد على ضرورة تمهيد الطريق للشعبين العراقي، والسوري، للمشاركة الحقيقية بالعملية السياسية، لافتا إلى أنه حتى لو تم القضاء على «داعش» تماما، فسيظهر تنظيم آخر بديلاً عنه، مضيفا: «ينبغي القضاء على الظروف التي تؤدي إلى ظهوره أولاً».
ورغم مشاركة وفد تركي رفيع في اجتماع جدة الذي عقد في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الجاري، إلا أنها لم توقع على نص البيان الختامي للاجتماع، على عكس عشر دول عربية (جميع دول الخليج والعراق والأردن ولبنان ومصر) بحضور وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذين أكدوا على الاتحاد في شن حملة عسكرية واسعة على تنظيم «الدولة».
وإن لم تعلن تركيا عن الأسباب الحقيقية التي منعتها من المشاركة بشكل مباشر في الحلف الدولي، الا انه يبدو أن ملفي مختطفيها في العراق، وخشيتها من تصاعد قوة النظام السوري ورئيسه بشار الأسد أهم الأسباب التي دفعتها للعزوف عن إعلان الانضمام للحلف، الذي لم تعلن معارضتها له بوضوح أيضاً.
بالتوازي مع ذلك، ترى أنقرة أنه من غير المنطقي أن تدعم أي جهود إقليمية أو دولية يمكن أن تؤدي إلى تقوية نفوذ وسيطرة نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وإضعاف الفصائل المعارضة المسلحة التي تسعى إلى اسقاط نظام حكمه، بعد أن دعمت أنقرة مساعي المعارضة السورية في هذا الاتجاه، وبات اسقاط الأسد من أبرز أهداف سياستها الخارجية منذ أشهر طويلة.
ورجحت الصحف التركية أن جيش بلادها الذي يعتبر ثاني أكبر جيوش حلف شمال الأطلسي «الناتو» لن يشارك بشن أي هجمات مباشرة ضد التنظيم، وأن الحكومة التركية لن تسمح للجيش الأمريكي باستخدام قاعدة «إنجيرليك» التابعة له والواقعة في مدينة أضنة بتركيا، كنقطة انطلاق لمهاجمة التنظيم. ويرى مراقبون أن عزوف تركيا عن المشاركة في الحملة العسكرية المتوقعة سيعيق المساعي الأمريكية كون تركيا تتمتع بحدود واسعة تصل إلى أكثر من 1200 كيلو متر مع سوريا والعراق، وهما البلدان اللذان ستتركز بهما العملية العسكرية، واتُهمت أنقرة مراراً بعدم ضبط الحدود بشكل كامل، مما ساهم بدخول آلاف المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق من خلال أراضيها، وهي الإتهامات التي تنفيها أنقرة بشكل مستمر.
الصحف العالمية وخاصة الأمريكية والبريطانية شنت هجوماً كبيراً على تركيا واتهمتها بالمساهمة في دعم المنظمات الإرهابية بشكل غير مباشر من خلال عدم منع دخول المقاتلين الأجانب، والعزوف عن محاربة هذه التنظيمات، الأمر الذي استفز السياسيين الأتراك ودفعهم للإدلاء بتصريحات بدت من خلالها تركيا كمن يحاول «الدفاع عن نفسه».
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال في تصريحات: «إن إظهار تركيا كما لو أنها دولة تدعم الإرهاب وتغض الطرف عن الممارسات الإرهابية، ما هو إلا وقاحة وسفاهة» مشيرًا إلى أن بعض الجهات تتهم تركيا باستيراد النفط من المناطق التي تقع تحت سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية»، تارة، وتقديم السلاح والخدمات الطبية تارة أخرى، مضيفاً: «نحن أكدنا ونؤكّد أن هذا غير ممكن على الإطلاق».
وشدد على أن تركيا «بلد يناهض الإرهاب بكل أنواعه والتنظيمات الإرهابية بكافة أشكالها» وأنها «لم ولن تقبل أبدًا في أي وقت من الأوقات مصطلح (الإرهاب الإسلامي)». وأكد على صواب موقف بلاده من المستجدات في المنطقة، فقال إن «من لم يأخذوا بتحذيرات تركيا في الشرق الأوسط والعراق وسوريا وفلسطين، وكذلك في أوكرانيا، يسلمون اليوم بصواب الموقف التركي عندما يرون النتائج التي آلت إليها المستجدات».
وفي تصريحات جديدة، الجمعة، قال أردوغان: «لن تضر أخبار كاذبة ظهرت في وسائل إعلام الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، بهيبة هذا البلد (تركيا)، ونحن نعرف جيداً ما كانوا يحاولون القيام به»، وذلك في تعليقه على خبر أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، وقالت فيه إن تركيا هي أكبر مصدر للمقاتلين المتجهين للقتال في صفوف تنظيم «الدولة الإسلامية».
كما نفى وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي «طانر يلدز» أن تكون بلاده قد اشترت أي نفط من تنظيم «الدولة الإسلامية»، مشيراً إلى أن تركيا استوردت نفطاً من 13 دولة مختلفة بشكل قانوني.
وقال مسؤول بوزارة الخارجية التركية إن ثلاثة مدنيين غير أتراك خطفوا في الهجوم ذاته وأفرج عنهم أيضا خلال العملية التي تمت اليوم السبت.
وقالت مصادر أمنية إن الرهائن أفرج عنهم خلال الليل في بلدة تل أبيض على الجانب السوري من الحدود مع تركيا بعد نقلهم من مدينة الرقة بشرق سوريا حيث معقل تنظيم الدولة الإسلامية.
ورفض مسؤولون الكشف عن تفاصيل بشأن عملية الانقاذ.
وأعيد هؤلاء الرهائن وبينهم القنصل وأبناء دبلوماسيين وجنود من القوات الخاصة إلى مدينة شانلي أورفا بجنوب تركيا في الساعات الأولى من صباح اليوم السبت.
وهرع أفراد الأسر على درجات سلم الطائرة التي حملت الرهائن المحررين إلى العاصمة أنقرة من شانلي أورفا حيث كان رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو في استقبالهم.
ولوح مجموعة من الأنصار بالأعلام التركية فيما عانق داود أوغلو القنصل العام وأفراد أسر الدبلوماسيين قبل ان يخاطب الحشود من فوق حافلة قائلا إن السلطات عملت بلا كلل للإفراج عن الرهائن.
وقال أردوغان في بيان «أشكر رئيس الوزراء وزملاءه على العملية المعدة مسبقة والمحسوبة بعناية والتي نفذت بسرية أثناء الليل».
وأضاف «تابعت وكالة المخابرات التركية الوضع بشكل حساس وبصبر منذ البداية ونتيجة لذلك نفذت عملية إنقاذ ناجحة».
وفــــي كلمة للصحافيين أثناء وجوده في أذربيجان في وقت سابق رفض داود أوغلو الكشف عن تفاصيل بشأن ظروف الإفراج عن الرهائن.
وقال في تصريحات بثتها هيئة الاذاعة والتلفــزيون التركية «كانت عملية تمت بأساليب المخابـرات. والعمل كان مكثفا في الأيام الأخيرة».
وقالت قنـــاة (إن.تـــي.فـي) التلفـــزيــونية التركية إن تركيا لم تدفع فدية مقابل الافراج عن الرهائن. ولم تذكر القناة التلفزيونية كيف حصلت على هذه المعلومات لكنها قالت إن المخابرات تتبعت الرهائن أثناء نقلهم لثمانية مواقع مختلفة خلال أكثر من 100 يوم في الاسر.
إسماعيل جمال