عزيزي المواطن: دع الاحلام ومرحبا بك في صحراء الواقع

■ ما عمر التفاؤل وكم تطول النشوة المحلقة؟ إلى متى تستطيع أن تتلافى الواقع ببؤسه ورثاثته فتجمح بخيالك إلى آفاق وعوالم مصطنعة من الوفرة والسلم والوئام؟ هل ستتبخر الصراعات وتحل التناقضات نفسها بسماع أغنيةٍ «وطنيةٍ» سخيفة أو لمرأى ابتسامةٍ على وجه رجلٍ أُسقطت عليه كل الآمال؟ أسئلةٌ عديدة، لكن ربما أهمها هو: هل يستطيع أحدٌ ما أن يرضي الجميع؟
لا أبالغ حين أقول ان قرار الحكومة برفع الدعم عن الوقود أنهى شهر العسل وحالة النشوة، البليدة البلهاء في حقيقة الأمر، التي كانت تسري في كثيرٍ من القطاعات وتعبر الطبقات.. شهر عسلٍ مستحيل وغير موضوعي، لقد دأبت وغيري على النظر إلى 25 يناير وما بعده وتحليله من منطلق الحراك الشعبي ورد فعل النظام تجاهه، التحالفات والتربيطات.. المؤامرات والصفقات تحت الطاولة.. القوى السياسية، وضعها وهشاشتها وتشرذمها.. ركضنا وراء الأحداث من استفتاءاتٍ إلى انتخاباتٍ.. فترة حكم الإخوان، 30 يونيو وما بعدها، لكننا أبداً لم نلتفت إلى الجمهور بنفس التمعن والتدقيق في ما أزعم. يجوز أن كثيراً منا يدرك أن القطاعات الأوسع من الجمهور أنهكت وسئمت وفاض بها مما حاق بها طيلة ثلاث سنوات من غياب الأمن وانقطاع الأرزاق، وأخيراً وليس آخراً الإرهاب، وأن الكثير قد كُتب وقيل في هذا السياق، إلا أننا في رأيي لم نولِ المتغيرات الفكرية والنفسية المتباينة نفس الاهتمام، انصب تركيزنا على السياسية وتحركات المجاميع الضخمة ونسينا الإنسان الفرد.
لم تفاجئ الثورة النظام فحسب وإنما فاجأت الناس.. الجمهور، لسنا نبالغ أو نذم الشعب المصري إذا قلنا انه لم يكن مسيسا ًقبل 25 يناير، إلا أن الحدث بجلاله جعله يكتشف كم هو قوي، وفي المقابل كم هو هشٌ ومتآكل نظام مبارك، كما أننا محقون تماماً حين استقبلنا وتناولنا بفخرٍ وإعجاب بعض التحولات الفارقة والتاريخية في مسيرة شعبٍ عريق، من نوع كسر حاجز الخوف، وذلك الاهتمام بالسياسة وتنامي الوعي بصفةٍ عامة ونسبٍ متفاوتة لدى كل القطاعات، حيث اصبح لكل شخصٍ وجهة نظره السياسية، فلم تعد وقفاً على نخب أو حلقاتٍ صغيرة من الخبراء والمثقفين، كلٌ وفق هواه ومرجعيته الفكرية.. غير أن ذلك يغفل أن الثورة وما تلاها داهمت، وفي أحيانٍ كثيرةٍ ضربت وهشمت ويجوز أنها أسقطت قناعاتٍ ومنظومة قيم لدى العديدين.. سربت الشك إلى قلب حصن يقينياتهم، ولا أبالغ حين أقول انهم باتوا يعيشون أزمةً فكريةً وجودية حقيقية تتجسد في محاولة الفهم، والأصعب من ذلك الاختيار.. التعرض لأفكارٍ جديدة (ربما كانوا يرفضونها من قبل) والوصول إلى قناعاتٍ جديدة، خاصةً في الفترة التي سبقت سقوط الإخوان، ومن ثم تفرد أبواق النظام والفلول وأصحاب المصالح وذوي المزاج الرجعي بالهواء يبثون سرديتهم المغرضة المدلسة أحادية الأفق، والنظرة والعداء الدفين العميق للثورة، الذي لم يعد يعبأ بمحاولة المداراة والتستر. بتُ الآن على قناعة بأن أزمات وإشكالات الهوية لم يجرنا إليها الإخوان وحدهم وإنما ولدت توأماً متلازماً للثورة لدى شعبٍ لم يستعد لها ولم يرها في الأفق، فالسيولة لم تكن في عالم السياسة وتحركات القوى النسبية، وإنما في الافكار والحالة النفسية؛ ومع توالي الأزمات، سياسية واقتصادية- اجتماعية شعر الكثيرون بالضياع وباتوا يحنون إلى ما كانوا يعرفون ويألفون، إلى استقرارٍ وإن كان في ظل القمع والفقر، كونهم خبراء في التحايل عليه، ثم جاء السيسي ممتطياً حصان الأحلام الوردية، وللإنصاف فهو لم يعد بالوفرة.. هو في الحقيقة لم يعد بأي شيءٍ محددٍ ذي بال، اللهم إلا الشقاء والاستفاقة مبكراً، إلا أن الكل اسقطوا عليه أحلامهم وتصوراتهم، أداروا ظهرهم للواقع وهربوا من قسوته وصعوبة الاختيار.. أغمضوا أعينهم وطفقوا يرون ما يريدون، فالناصريون رأوا فيه ناصراً جديداً سيعيد العدل إلى الميزان المختل. ومتربحو عصر مبارك رأوا فيه رجلهم الذي سيلجم حراك الشارع ويمسك بأجهزة الدولة بقبضةٍ فولاذية، والذين يحنون إلى الماضي رأوه سائراً بهم إلى مبتغاهم.. ومع كوني لا أراه ناصراً لأسبابٍ عديدة ذكرتها في مقالاتٍ سابقة، فإن الأكيد أنه لا يستطيع أن يرضي رغبات الجميع المتضاربة. لقد بلغ السيسي ذروة شعبيته/ مجده قبل تولي الرئاسة رسمياً، حين كان يستطيع التنصل من أي مسؤولية مدعياً أنه ليس إلا وزيراً. أما الآن، ومع خطواتٍ فعلية وقراراتٍ لا مهرب من تأثيرها على معايش الناس، فالأمر جد مختلف، لاسيما أنه يحاول تملق الفقراء بحكاية الحد الأعلى للأجور (الذي لا يطال القطاع الخاص ومراكز الثروة الحقيقية) ويضربهم ضربةً موجعة بأسعار الوقود.
والحقيقة أن خطوة رفع الدعم عن المحروقات كانت متوقعة منذ فترة، ليس فقط لأن كل مؤسسات التمويل الكئيبة (من بنك دولي إلى صندق النكد) كانت تطالب بها منذ سبعينيات القرن الماضي، ولكن لأنها كانت مطروحة ومتداولة طيلة السنة الماضية، في ما بات الآن يشبه بأثرٍ رجعي عملية تمهيدٍ حثيثة، بدعوى ظاهرها الموضوعية وباطنها عذاب الانحياز والتصور النيو- ليبرالي بأن اقتصاداً ما، خاصةً إذا ما كان منهكاً، لا يستطيع تحمل هذا القدر من الدعم والمضي قدماً؛ ولست في حاجةٍ هنا لأبين أن ارتفاع أسعار الوقود يساوي بصورة مباشر وشبه فورية ارتفاع أسعار كل شيء تقريباً، اللهم إلا الإنسان، خاصةً الفقير فهذا ليس له سعرٌ في بلداننا.. ليست بالمرة الأولى التي يتحمل فيها الأفقر والأضعف تبعة وثمن حماقات وجشع الأغنى، ولن تكون الأخيرة. نفس الحجج دائماً وأبداً تتكرر بصياغاتٍ مختلفة ومؤداها: ان الحكومة لا تستطيع أن توفر كل شيء للشعب وأنه يتعين عليه أن يتحمل مسؤولياته؛ ان شعبنا اعتاد التواكل والاعتماد على الحكومة.. ان نسبةً كبيرةً من قوة العمل خارج الاقتصاد الرسمي، على باب الله، تسترزق بصورةٍ عشوائية من كل ما تيسر من المهن التي لا تتطلب قدراً وافراً من الخــــبرة والمهارة، ولا أنكر أن نظرةً سريعةً متعجلة للواقع قد تــؤدي بك إلى تلك النتيجة أوما شابهها، لاسيما أن هناك الكثيرين ممن يحلو لهم أن يصلوا إليها منطلقين من نزعاتٍ استعلائية تؤكد قناعاتٍ مسبقة لديهم «بمدى حقارة وتخلف هذه الشعوب»، الأمر الذي يبدو أنه يزيدهم لمعاناً وزهواً في مراياهم الخاصة.
بيد أنك إذا كنت ممن يحاولون الفهم ويطرحون الأسئلة فإنك سرعان ما ستدرك أن تلك العشوائية الاقتصادية في الطبقات الدنيا ـ بمعنى ذات الدخل المحدود ـ راجعةٌ إلى حدٍ بعيد إلى العشوائية الاقتصادية في دوائر السياسة العليا، التي أشك أنها كانت موجودة بهذا المعنى في زمن مبارك، والمال والاعمال، إلى غياب التخطيط.. أجل التخطيط، تلك الكلمة التي سقطت من علياء مجدها في السبعينات وما تلاها، حتى صارت كالجرب يتفاداه الجميع… راجعةٌ إلى دولةٍ تنصلت وتحللت في حقيقة الأمر من كل مسؤولياتها وأعادت تعريف أولوياتها لتصبح النمو الاقتصادي البحت بدون أي روادع وبلا وعيٍ ولا اكتراثٍ للمضمون الاجتماعي، عوضاً عن التنمية الشاملة، وربما على رأسها التنمية البشرية. وقد نسي أو تناسى أو تجاهل أساطين عصر مبارك أن «معجزات» النمور الآسيوية والصين لم تتحقق سوى بدعمٍ صريحٍ ومباشر وإشرافٍ، بل وفي أحيانٍ كثيرة مساهمة كبيرة من الدولة. لن أزعم أننا دولٌ متقدمة، وأعلم أننا لسنا في مصاف السويد وألمانيا، إلا أن هذا هو السبب تحديداً في احتياج جمهورنا إلى نظامٍ يعمل مع الناس وليس من أجل الناس، لكي يتخطى معهم مستقع التخلف التاريخي، لا إلى نظام يدعم الأثرياء ليزدادوا ثراء، ويسم أبدانهم بما يلقيه إليهم!
في الإجمال ثمة شيٌء إيجابي في هذه القرارات: انها أعادت الناس إلى الواقع، تحديداً إلى صحراء الواقع، تلكم الكلمتان اللتان استعرتهما من فيلم «ماتركس»، فيلم الخيال العلمي ذي المضامين والدلالات شديدة الأهمية، حيث يُفضح للبطل كيانوريفز أنه لم يكن يعيش إلا في وهمٍ مصطنع، أما الحقيقة فصحراءٌ وخرابٌ ودمار. يتعين على الناس أن يفهموا أن ما كان قد مضى، وأن أشياء انكسرت ولن تعود.. قد يعود القمع ولكن أيام مبارك بترهلها مضت، لأن ما جرى في النهر غير مساره.. انه في عالم الكبار القرارت صعبة والواقع مرير، وأن سب الإخوان لن يحل مشاكلهم المزمنة.. على الجميع أن يختار الآن، على كل فردٍ من أفراد الشعب أن يختار تياراً يقتنع به، وعلى السيسي أن يحسم أمره: مع من يقف ومن سيعادي؟

كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية