المرضى بالتبعية المزمنة وحدهم، هم الذين ينتظرون نتائج الانتخابات الأمريكية الوشيكة، وقد يفضل بعضهم فوز دونالد ترامب على أمل أن يساعدهم في مواجهة تيارات بعينها، فيما يأمل آخرون بفوز مرجح لهيلاري كلينتون، وعلى ظن أنها قد تكون سيدة القبضة الحديدية في مواجهة تغول النفوذ الروسي، الذى يعود إلى المنطقة بقوة، ويوثق صلاته مع دولها الأساسية، ويزيد من متانة تحالفه مع إيران، ويطوع تركيا، وينشر قواعد تأثيره وسلاحه في المشرق العربي بالذات، انطلاقا من دوره الذي صار محوريا وحاسما في تفاعلات الأزمة السورية.
وربما لا تكون من حاجة لأحد إلى فهم ما هو مفهوم، وما توالت حوادثه مئات المرات، فشخص سيد أو سيدة البيت الأبيض ليس العنصر الأساسي، والسياسة الأمريكية مؤسسية تماما لا فردية، وحصيلة توازن ومطامح ومصالح عسكرية واقتصادية، تشكل ما قد تصح تسميته «الدولة العميقة» في أمريكا، وهي أقوى من حركة الأحزاب ودعاية المناظرات ومواسم الانتخابات، فالمجمع الصناعي العسكري الأمريكي، و»لوبيات» الضغط الكبرى، وأجهزة المخابرات ومراكز التفكير، هؤلاء هم الذين يصنعون الحدث، ويتحكمون في قرارات الكونغرس، ويصوغون أولويات ساكن البيت الأبيض في السياسة الخارجية بالذات، وحين تتغير السياسة، فلا يتم ذلك بمشيئة رئيس أو رئيسة، وإنما على أساس براغماتي صرف، تحكمه حسابات النفع والضرر، وحين خالف أوباما سلفه جورج بوش الابن، ومال إلى الانسحاب العسكري، وتخفيف التورط في مستنقعات العراق وأفغانستان، فلم يفعل أوباما «الأسود» ما فعل لأن «قلبه أبيض»، أو لأنه رجل سلام عالمي، منحوه جائزة نوبل في أيام ولايته الأولى، فلم يشهد العالم عنفا وحروبا واضطرابا، كالذي شهده في ولايتي أوباما الموشكتين على النهاية الآن، بل لم تكف أمريكا عن التدخل، وإن بطرق بدت أكثر أمنا وأقل تكلفة، وعلى طريقة غارات الطائرات بدون طيارين، التي صعد استخدامها إلى الرقم القياسي الدموي في زمن أوباما الطيب، وبهدف خفض تكلفة الدم التي تدفعها أمريكا، وكذا خفض التكاليف المالية الباهظة في حروب التدخل البري، فقد كادت أمريكا تفلس بسبب فواتير التريليونات المدفوعة في حروب أفغانستان ثم العراق، وكان تدخل أمريكا البري لاحتلال العراق هو آخر عشاء لوهم القوة الباطشة المنفردة، وقد قلنا قبل عشر سنوات ما صار حقيقة حاكمة لتفاعلات اللحظة، قلنا إن أمريكا لن تتدخل بريا، ولن يحارب جنودها على الأرض بعد تجربة العراق، فقد ذهبت واشنطن إلى العراق بظنون ذهبت هباء منثورا، ذهبت لتمد في عمر سيطرة القرن الأمريكي على العالم، ذهبت على ظن أنها قطب العالم الوحيد المهيمن، وأن بوسعها ـ استغفر الله ـ أن تقول للشيء كن فيكون، ذهبت لتبنى قصرا شاهدا على ملكها الكوني وعظمتها الأبدية، ولم تبال بالتغير الذي كان ظاهرا في خرائط وموازين الاقتصاد والسلاح في العالم، وتصورت أن ساحات الدنيا قد صارت فارغة إلا من قوتها بعد زوال سيرة الاتحاد السوفييتي القديم، وكان ما جرى حصادا مستحقا لمغامرات الأوهام، فلم تبن أمريكا «قصرها» الكوني الموعود في العراق، بل كانت في الحقيقة تحفر قبرا، وتكتشف في امتحان الدم والنار، أن قدرتها وقوتها ليست مطلقة، وأن مجدها التكنولوجي في حروب السماء والجو والصواريخ المنطلقة من بوارج البحر، كل ذلك لا يعفيها من دفع فواتير مهلكة، إن هي فكرت في النزول إلى الأرض، وإزاحة خصومها غصبا وقهرا، وهو ما فهمته، وتصرفت على أساسه الأطراف الأخرى الطامحة في لعب أدوار إقليمية ودولية، واستفادت بنقطة الضعف الأمريكي القاتلة، وعلى نحو ما فعلت إيران التي تحدت واشنطن لعقود، واستهانت بتهديدات أمريكا الحربية «الفشنك»، وماطلت وراوغت في المفاوضات، وإلى أن حصلت على اتفاق نووي مريح حفظ لها ما حققت من نفوذ ومقدرة علمية وعسكرية، وأعطاها ـ فوق «البيعة» ـ صداقة واشنطن الضمنية الحذرة.
ورغم أن «العينة بينة»، والقصة صارت مفهومة من فرط تكرار حوادثها بمعنى متطابق، جوهره أن أمريكا تظل «قوة عظمى»، لكنها لم تعد «القوة العظمى» بألف ولام التعريف، فقد دخلنا إلى عالم متعدد الأقطاب، وكانت حرب العراق هي المشهد الأخير الختامي لوهم هيمنة القطب الأمريكي الوحيد، بينما بدت حرب سوريا عنوانا وحقل تجارب، يفتتح عصر التعدد القطبي، فلم تعد أمريكا تملك أكثر مما يملكه غيرها من الأقطاب الطالعة أو العائدة، بل ربما كان الوزن الأمريكي في سوريا أخف وأقل من دور قوة إقليمية كإيران، أو حتى تركيا، ولا يقارن بالطبع إلى ثقل وزن روسيا المقتحمة لدور تبدو مستعدة لأداء تكاليفه، ومع فارق محسوس، هو أن أمريكا ليست مستعدة، ولا ترى لها مصلحة من وراء خوض حرب مباشرة في سوريا، حتى لو ظلت طبول الأيتام تدق بإلحاح، وتنادى «ماما أمريكا» برجاء النجدة والتدخل لمواجهة روسيا، وقد قالتها «ماما هيلاري» بوضوح، وأعلنت أنها لن تدخل حربا برية في سوريا لو فازت بالرئاسة، والمعنى ظاهر ناطق، وقد يصدم هؤلاء الذين ينتظرون قوة هيلاري قياسا إلى ما تصوروه من ضعف وتردد أوباما، فلن تمنحهم هيلاري سوى لغة لسان مدربة محترفة، ولن تخاطر أبدا بالتورط في مواجهة حربية مع روسيا، قد تتطور إلى حرب عالمية لا تبقي ولا تذر، تجنبتها واشنطن وموسكو دائما بسبب توازن الرعب النووي، وقد تسعى واشنطن بعيدا عن الحرب المباشرة، وتلجأ لخطة استنزاف روسيا عبر جماعات الوكلاء ومموليها في الميدان السوري على طريقة أفغانستان القديمة، وإن كانت روسيا فيما يبدو قد استوعبت الدرس، وتلجأ لطرق أخرى تجنبها مصائر الاستنزاف طويل الأمد، بينما تبدو أمريكا أخوف من روسيا، وأشد حرصا على تجنب ما جرى لها من استنزاف الدماء والأموال في حرب العراق، وهي تكسب أكثر حين لا تتورط مباشرة في حروب، وحين تلجأ إلى الحروب بالوكالة، وتجد دائما من يستعدون لدفع مئات المليارات من الدولارات، حتى لو كانوا من المستهدفين بقانون «جاستا» الأمريكي الفظ النهاب المتعجرف، الذي تؤيده هيلاري بشدة، وتنعى على أوباما استخدامه للفيتو الرئاسي الذي أحبطه الكونغرس، فأمريكا هي الأعلم بنفوس مدمني عبادتها من دون الله.
حيوية فلسطين :
الفلسطينيون في غزة وحدها صاروا مليونين، وفى الضفة الغربية والقدس قرابة الثلاثة ملايين، وفي الأرض المحتلة منذ نكبة 1948، تزايد عدد الفلسطينيين إلى نحو المليون ونصف المليون، وهذه الحيوية السكانية الفياضة أكثر من فعل تكاثر وتناسل بشري، إنها غريزة كفاحية، تعيد ولادة الشعب الفلسطيني فوق أرضه المقدسة المحتلة، فبعد قرابة السبعين سنة على النكبة والطرد والقتل والتهجير، تعود حركة بندول السكان لصالح الفلسطينيين في صراع الوجود، ويتساوى عدد الفلسطينيين مع عدد اليهود الذين جلبتهم الصهيونية من أربع جهات الأرض، إن لم يكن عدد الفلسطينيين قد زاد الآن على عدد يهود كيان الاغتصاب الإسرائيلي، بينما عدد الفلسطينيين في الوطن المحتل ومنافي الشتات صار يتخطى عدد اليهود في الدنيا كلها، وبما يستعجل تحقيق نبوءات علمية قديمة نسبيا، كثير منها لعلماء سكان صهاينة، تحدثت مبكرا عن انقراض وموت ما سمته «الشعب اليهودي»، وهو شعب مفتعل مهجن مصطنع، فاليهودية ديانة لا قومية، بينما الشعب الفلسطيني، وهو شعب حقيقي راسخ لا افتراضي، يبدو مفعما بالحيوية، وبمعدلات إنجاب تفوق ضعف المعدل الصهيوني، وبصورة تجعله مطمئنا واثقا في تدفق أجيال تأتي، وإلى أن يأذن الله بالنصر النهائي.
قد يقول لك أحدهم إن القصة ليست في عدد السكان، بل في نوعية البشر، وهو كلام له وجاهته، لكن الفلسطينيين ليسوا مجرد أرقام، ولا عددا «في الليمون» كما يقول المثل الشعبي، وهم أفضل الشعوب العربية تعليما، فوق أن المحنة التي مرت بالفلسطينيين، جعلتهم شعبا آخر، فقد تتحول المحنة إلى نعمة لا نقمة، وهذا هو الجانب المضيء لا المأساوي في التكوين الفلسطيني، فلم يكف الفلسطينيون أبدا عن المقاومة، بالسلاح إذا توافر، وبحجارة الأرض وسكاكين المطابخ إذا عز الرصاص، وبالصدور العارية والروح الاستشهادية، وبتطوير وسائل ردع صاروخي وجماهيري، جعلتهم «رقما صعبا» يستحيل تجاوزه والقفزعليه، رغم تخلي الدنيا كلها عنهم، وعن انتفاضتهم، وعلى نحو ما جرى ويجري من سنوات بعيدة، راهنوا فيها على إماتة القضية الفلسطينية، وتركها في غياهب النسيان، لكن قضية فلسطين ظلت تضيء ذاتيا بحرارة حضور شعبها، وبإبداعه الكفاحي المتفرد، من الانتفاضة الأولى إلى الثانية إلى الثالثة الجارية الآن، وبحيوية أجيال من الشبان والشابات، فتحوا عيونهم على الدنيا بعد كوارث «أوسلو» وأخواتها، ولم ينساقوا إبدا إلى ما أريد لهم من نسيان قضية الوطن والأرض المقدسة، والتلهي بمشاغل الحياة الدنيا اللاهية، بل تركوا أجيالا استسلمت لمصير أوراق الخريف الميتة، وجددوا حيوية الشعب الفلسطيني وقضيته، وأنجبوا أمهات يلدن الخيل والجند والأغاني، وتبعث حلم الشعب الفلسطيني في تصفية كيان الاغتصاب والاستيطان الصهيوني، وبخبرة تاريخ ملهمة، فلم ينجح أي استعمار استيطاني إحلالي في البقاء سوى بشرط إفناء السكان الأصليين، والفلسطينيون شعب لا يفنى ولا يتحول.
كاتب مصري
عبد الحليم قنديل