في مجموعته الشعرية الخامسة يدرج الشاعر الفلسطيني زهير أبو شايب خمسة فصول يحتوي كل منها على 11 قصيدة، أي ما يعادل 55 قصيدة ظاهرة، وواحدة خفية تنسل إلى روح القارئ دون أن يراها، هي قصيدة البنية التي شكلها الشاعر هكذا ليكمل جمال إيقاع كتابه في هذه الروح. ويُدخل الشاعر قارئه في تجربة تداخل عيش الأنثى خالقةً ومخلوقةً، من مطرِ وليلِ وحلمِ ووردِ الشاعر وأنثاه، ومطر وليل وحلم وورد الكون وموسيقاه.
ولأن الشعر هو الشعر، بما يعني المحيط، وأن القصائد العذبة العميقة كما هي حال قصائد أبو شايب في هذا الكتاب، تحتاج لمضاعفات صفحاتها من أجل بلورة جمالياتها في العرض والنقد، سوف يكون كافياً وغير كافٍ أيضاً سعي هذا العرض النقدي البسيط، إلى تفكيك بعض جماليات مطرها السري الذي لم يأت عبثاً كعنوان غلف القصائد التي تقدم نفسها بكامل وردها للقارئ، لكن أيضاً بكامل أنيابها التي انكتبت فيها كذئاب تعوي بكامل الليل على بوابة المعشوقة، في ارتقائها عبر الحلم والحب، إلى مكانة الإلهة السورية القديمة كما سنكتشف ونعيش.
في الحديث عن مطر الشاعر وانكشاف أسراره، يتجلى المطر في هذا الديوان كأحد أبرز مفردات الشاعر المؤكدة، التي لا ترد في عشر قصائد من الديوان، ولا يعكسها تقديم الشاعر للفصل الثاني «من مياه الحلم» في ديوانه بفلسفة ابن الرومي حول المطر، بما هو بعث للحياة في الرياض، فحسب؛ وإنما يتجلى أيضاً بما هو خلق مغاير، يمثل قوة الرغبة في تجسيد المعشوقة الحلم، وماء ابتلال وتلألئ شعرها كإلهة حتى الذهب، وجرأة «قطيع الذئاب التي تصعد الليل بكامل أنيابها» كي تحْيي طقس تقديس الإلهة في اكتمال قمرها، وكولادة للشاعر نفسه واستحالته إلى المطر الخالق، الذي يرمز إلى الإله الابن آدون في أسطورة الخلق السورية، وولادته من مجيء الإلهة عشتار لبعثه: «عرفت الآن معنى أن تجيئي ــ في الزمان وفي المكان وبالبراءة ذاتها ــ وتفاجئي مطراً لأولد»، والذي يؤكد نفسه كحياة للموجودات في قصيدة:
«أنا ماء السماء…
أحلم أن أهطل تحت الثياب
أن أضع القطرة في الكأس حتى تفيض
وتبقى النار في جرنها تفور
وطعم النار كالضوء صافياً ولذيذاً
أنا ماء السماء والأرض
أروي ظمأ الكمأة الدفين
وأسقي برعميك المعطشين نبيذاً»…
وفي تجلياته كتلاقح، يأتي مطر الشاعر في زخات معظم قصائده مرتبطاً بمفردات لها صلة عميقة بالخلق، مثل الحلم، الذي يرد في 24 قصيدة، مع تسمية الفصل الثاني «في مياه الحلم»، باسمه، وتأكيد اقترانه بالخلق والحياة، من خلال تقديم الفصل بفلسفة ابن الرومي كما سلف، وتنويع ارتباطاته بالخلق: «أكاد مثلك لا أصدق أن هذي أنت ــ أنك جئت من حلُمي»، والبحث الدائم عن تجليات الإلهة، في مختلف أشكال التوق والشغف، والتجاسد، والعصف، والحب.
وأكثر من ذلك متداخلاً بتفاصيل مفردات الشاعر الخاصة في طقوس خلقه: الليل، الذئب، الورد، الفراشة، النار، في لغة خاصة تتهادى مثل ظل قمر على صفحة الماء، لكن لتشهر أشواك وردها فجأة، بشراسة اللثم والقضم. لغةٍ طازجة مبتكرة، حتى لو تكررت مفردات منها في لغة معلمين سابقين مثل محمود درويش؛ لغةٍ معجونة بقدرة احتراف إدارة النقص والتكميل، لكن بشغف العشق كذلك، مثل إن يضع الشاعر بجرأة نادرة اسماً ليس من المعتاد رؤية حركته من دون فعل في جملة، ليكملها القارئ فعلاً بإحساسه: «متى فمك المتشهي المطل على كل أودية الأرض؟ ــ متى الليل؟ أبحث في اللامكان الذي أنت فيه، عن الليل»، بإسقاط فعل «تجيء» لحظة فمك، أو «يجيء» وقت الليل، الذي لم تعد له حاجة.
وفي تجلياته ككتاب، يزخ مطر أبو شايب السرّي بإيقاع بنية تدور موجوداتها في حركة تسبيح صوفي، كما الأفلاك: خمسة فصول، يضم كل فصل منها 11 قصيدة، وتقَدم قصائد كل منها بمفهوم أحد معلمي العشق من الفلاسفة والشعراء: أوفيد، في «فن الهوى»؛ جلال الدين الرومي، في «مثنوي»؛ مجنون ليلى، في الديوان؛ أريك فروم، في «فن الحب»؛ الأحوص بن محمد الأنصاري، في «الموشى»؛ ويُستمدّ عنوان كل قصيدة من السطر الأول فيها. ومن الظلم للقارئ كشف زخات مطر أخرى في هذه البنية الإيقاعية التي من الممتع، أكثر، أن تعاش لا أن تفسر.
وفي تجلياته كجسور ثقافية، لا يستطيع القارئ تجاوز متعة الخطو على حجر الإشارات الثقافية التي تثري هذا الكتاب، وتفتحه على متع المقارنات، والتداخلات التي تصل ما بين زمن وزمن، وثقافة وثقافة، مثل التداخل مع قصيدة الفرزدق حول ذئبه الأطلس، ومع فلسفة عمر الخيام في حسرة عطش عشق الجمال، ومع وصايا موسى العشر، في الطلب من المعشوقة أن تكون عشر نساء يبحرن بقلب الشاعر نحو الله، ومع يوسف والقرآن الكريم ومحمود درويش في «أحد عشر كوكباً»، ومع وحي جبريل في تعليم النبي حول الخلق، ومع فريد الدين العطار في صوفية العشق بمنطق الطير، ومع مفاهيم الحج والجنة، ومع أدلجات الثقافة الذكورية التي دمرت عالم الثقافة الأمومية بمحاولة محو رمزها الأعلى عشتار، وباختراعها ورقة التوت لتحجيم هذه الثقافة بالخطيئة التي وقفت قضمة تفاحة عصية على البلع عند آدم، حيث:
«لم أعد أبحث في العتمة إلا عنك
عن نار مجوسٍ سرقوها كلها منك
لكي يحترقوا فيها
عن العطر الذي تشبهه رائحة الأرض،
عن الجنة
عن تفاحها
عن شفتيك المشتهاتين
عن التوت الذي ينضج في الحلم لكي أقطفه
عن ورق التوت وعن آدم مصلوب على حوائه»…
لكي تحمل هذه الثقافة الذكورية تفاحة الندم كصخرة على كتف تاريخها الممتد حتى يومنا.
وأبداً يأتي مطر الشاعر أبو شايب السري، أحلاماً تدور كما الأفلاك بسحر جاذبية وإغواء صيدها، وعشقاً صوفياً، لكن خاصاً، لا يمثل سعي الطيور الحثيث في منطق الطير نحو بؤرة النور التي هي الله، فحسب، ولا التلاشي الجسدي الروحي للذات في ذات الأخر فقط، بل الإعلاء الداخلي العميق أيضاً للمعشوقة إلى عرش الإلهة الأم الكبرى، سيدة القمر، وربة الموجودات بإخلاص حبيبٍ وابنٍ:
«رأيت السماوات عارية
ليس فيها سوى قمر واحد أشتهيه»
أو:
«رأيت الكواكب تبحث عنه وتتبعه في الأعالي
لتسكر».
أو:
«إلا الكرسي
وعدت الله بأن لا تجلس فيه امرأة قط
ولكني أجلستك فيه مراراً
وكشفت أمامك كل الأسرار»…
وملفت في الحقيقة، تجاوز أبو شايب بهذا الانصهار الشعري الثقافي العميق الذي فاق الحديث عن العشق إلى جعل لغة وبنية وتصميم كل تفصيل في الكتاب انصهاراً في العشق، لصناعة شعراء آخرين عملوا على الثقافة السورية الأمومية قبله، إلى الدرجة التي سمى أحدهم فيها نفسه باسم إلهها الابن أدونيس. لكن عبوديتهم للثقافة الذكورية أبقت شعرهم ليس كمتفرج فقط على هذه الثقافة، بل موسوم أيضاً بنرجسية الخواء الذكوري المخادع المضاد لها، مباركة ثقافة الاستبداد الذكوري ومشاركتها محاولة سحق الربيع السوري الذي تفتح بصورة مرعبة لهذه الثقافة.
وهذا التجاوز يزيل الغرابة عن التجلي الأكبر لمطر الشاعر السري، في أن يهدي كتابه: «إلى سورية: أمي الكبرى. إلى السوريين: أهلي الذين يتوهج دمهم في عتمة الطاغوت».
زهير أبو شايب: «مطر سرّي»
الأهلية، عمّان 2016
143 صفحة