عشية الاحتفالات بمئوية ثورة اكتوبر 1917: روسيا بين نعم ولا

حجم الخط
0

عشية الاحتفالات بمناسبة مرور 100 عام على ثورة اكتوبر، تباينت المقاربات والآراء في أوساط الرأي العام الروسي والدوائر السياسية ومراكز الدراسات والبحوث ومعاهد التاريخ في تقييم الثورة، إنجازاتها وتداعياتها وظلالها، وعلاقاتها بالحاضر والمستقبل. بيد ان كافة الأطراف اتفقت على انها «ثورة عظمى» وأحد الأحداث الكبرى في القرن العشرين، التي أثرت على مجرى التاريخ العالمي ومصائر عدد كبير من الشعوب. وثورة اكتوبر عام 1917 في روسيا هي عموما أضخم حدث وقع في القرن الماضي، فضلا عن انها ارتبطت بحدثين لا يقلان جللا منها: الحرب الوطنية العظمى وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

بوتين ومئوية الثورة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعا إلى ان تتحول مئوية ثورة اكتوبر إلى رمز للتعاطي مع تاريخ روسيا المعاصر. وكان الرئيس قد أصدر في بداية العام مرسوما يقضي بالتحضير للاحتفالات الرسمية بالمناسبة، وفي ضوئه تشكلت لجنة حكومية خاصة بذلك. ويركز بوتين على أهمية ان يوضع حد لانقسام المجتمع (بين مؤيد ومعادي لثورة اكتوبر ومبادئها) ووضع حد للخلافات التي فجرتها الثورة.
وعبر الرئيس عن الأمل ان يتعامل المجتمع مع المناسبة لحصر نتائج الأحداث الدراماتيكية، حسب تعبيره. ويرى ان يكون اليوبيل المئوي فرصة «لتجاوز الانقسام الاجتماعي وإشارة لتحقيق التفاهم المتبادل والقبول بالتاريخ كما هو بصفحاته التراجيدية والانتصارات الكبرى». وكان الرئيس يتحدث عن ذلك في جلسة مجلس حقوق الإنسان التي انعقدت مؤخرا في الكرملين.
وفي جلسة «فالداي» الدولي في 19 تشرين الثاني/اكتوبر الماضي قال بوتين وهو يتناول في كلمته الذكرى المئوية «ان نتائجها ذات مدلول مزدوج وتندمج فيها بصورة وثيقة السلبية والايجابية التي ينبغي الاعتراف بوجودها». ويرى انه كان يمكن التطور ليس من «خلال الثورة وانما بالتدرج ـ وليس بثمن تدمير أركان الدولة، والإجهاز من دون رحمة على مصائر الملايين من الناس، بل التقدم إلى الأمام تدريجيا وبثبات».
ويرى الرئيس الروسي ان النموذج الاجتماعي والايديولوجي الذي حاولت الدولة الجديدة، التي تكونت بعد ثورة اكتوبر الوصول إليه كان مثاليأ «يوتوبيا». كما ان الثورة شكلت حافزا قويا لإعادة البناء في كافة أنحاء العالم، وأثارت إعادة تقييم خطير لنموذج التطور وخلقت التنافس والتسابق، وفي رأيه ان الغرب حصل على المنفعة من كل ذلك. موضحا ان الكثير من انجازات الغرب كانت مخاض الرد على تحديات الاتحاد السوفييتي، بما في ذلك ارتفاع مستوى الحياة وتشكيل طبقة وسطى قوية وإصلاح سوق العمل والمجال الاجتماعي وتطوير التعليم وضمان حقوق الإنسان بما ذلك حقوق الأقليات والمرأة، والتغلب على التفرقة العنصرية. ورصد الحزب الشيوعي ان السلطات تحاول التظليل على مئوية ثورة اكتوبر والتقليل من أهميتها. وأشار الحزب في تقرير أعده بالمناسبة إلى فرض السلطات «الصمت» و«تبديلها بحملة مزيفة» كوسيلة حرب إعلامية ـ دعائية حول رموز وأفكار ثورة اكتوبر. ومن تلك الأدوات كما يرى التقرير، التهويل من الضجة التي اثيرت حول فيلم «ماتيلدا» الذي عارضت القوى المسيحية عرضه لانه يمس بشخصية نيقولاي الثاني آخر قياصرة روسيا، ويتعرض لثوابته الأخلاقية «كقديس». وذهب التقرير إلى ان السلطات لا تود الاحتفال باليوبيل المئوي بشكل جدي، وتحضر للفعاليات الاحتفالية من دون «رغبة» على الرغم من مرسوم الرئيس بوتين. ويذكر ان لجنة الاحتفال أدرجت 118 فعالية بالمناسبة في جميع أنحاء روسيا وخارجها. وحسب التقرير ان الناخبين الذين يصوتون لبوتين يتعاطفون مع «المشروع الأحمر» الذي يمثله فلاديمير لينين وفيلكس دزيرجينسكي وجوزيف ستالين، بمعنى «ان صورة بوتين القيادية تتشرب من البطولة التاريخية للقادة الحمر ومؤسسي الاتحاد السوفييتي». ويقول سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي سيرجي ابوخوف، ان السلطة تفرض الصمت على مئوية ثورة 1917 لان بخلاف ذلك سيتعين عليها الرد على أسئلة غير مريحة تتعلق بالمساواة الاجتماعية والوضع القائم في البلد.

بين النقد والاستحسان

ويعترف العديد من المؤرخين ان روسيا لم تنته بعد من تقييم نهائي ومتفق عليه على الثورة، وهل حققت فعلا الآمال المنشودة بتحرير الإنسان من الاستغلال وإرساء الطريق نحو عالم المساواة والأخاء والسلام وتجسيد الإنسان لذاته، أم انها كانت حلما رومانسيا لم يسفر إلا عن الكوارث والحرب الأهلية المدمرة والإبادات وحشر الملايين في معكسرات العمل وإقامة نظام شمولي حول المواطن إلى أداة طيعة، لخدمة النخبة التي احتكرت القرار؟ لقد مرت ثورة اكتوبر بعدة مسارات، وتفرعت من ممارسات هادفة إلى بناء المجتمع الاشتراكي، مجتمع العدالة، إلى فرض النظام الشمولي وممارسة العنف والاعتقالات الجماعية وارسال الآلاف من الأبرياء إلى الموت.
وفي الجدل حول طبيعة ثورة اكتوبر، يجد كل طرف سواء عدو أو نصير لها، ما يفحم به الآخر، ويجد في تاريخها المبررات للممارسات بكل أشكالها. فالكاتب والإعلامي الروسي فياتشسلاف تريتاكوف يكتب ان الاحتفالات بالمناسبة ضرورة لا جدل فيها، ويأتي بعدة براهين على رأيه من بينها ان الثورة جعلت من روسيا التي سميت بالاتحاد السوفييتي إحدى الدول العظمى، وبلغت خلال تلك الفترة أقصى نقطة في تأثيرها وبسط نفوذها، لم تبلغها على مدى تاريخها. كما ان الحكومة البلشفية (الشيوعية) حالت دون انهيار روسيا وحققت النصر في الحرب العالمية الثانية وصانت استقلال ووحدة أراضي البلاد وأحبطت خطر إبادته. وتسنى لروسيا، والكلام لتريتاكوف، بفضل الحزب الشيوعي إحداث طفرة في مجال التطور التكنولوجي ورفع مستويات المعيشة. كما لا يمكن تجاهل ان البلاشفة حاولوا تطبيق إحدى يوتوبيات الحضارة البشرية أي إقامة مجتمع لا طبقي ولا عنصري وخال من الملكية الخاصة، ولكن هذا المشروع الخيالي لم ينجح. ربما لاستحالة تجسيد اليوتوبيا في الحياة.
ومن ضمن نواقص النظام الذي خلقته ثورة اكتوبر، أشار تقرير نشر على موقع نادي «فولداي» الدولي إلى فقدان نظام التخطيط الاشتراكي قدراته توازيا مع التطور الاقتصادي وتعقده، والنقص المهم الآخر هو ان الغرب سد حاجات الاستهلاك بدرجة أعلى بكثير مما هو في البلدان الاشتركية، إلى جانب بقاء الرقابة بشكلها البيروقراطي الموروث من روسيا القيصرية على الاقتصاد، فضلا عن انه لم يتسنَ تجسيد قدرات الثقافة السياسية التي تنظر بمشاركة أوسع للجماهير بإدارة الدولة، إضافة إلى تحقيق المساواة الاجتماعية، والحرص على تأمين الامكانيات والقدرات كما في الديمقراطيات الغربية، وأدى التطور الاقتصادي للدول الاشتراكية إلى انتصار ايديولوجية الاستهلاك على الأخلاقيات العامة. لقد حاولت الحركة التي أطلقها ميخائيل غورباتشوف المسماة «البيريسترويكا» إزالة بعض تلك النواقص. وجرى خلال عملية الإصلاحات التي قام بها غورباتشوف ويلتسين، تصفية اشتراكية الدولة. والغيت الكثير من الإنجازات الاجتماعية التي حققتها ثورة اكتوبر. ولم يتخل المصلحان عن طموحات الاتحاد السوفييتي بتوسيع دوره الجيوسياسي وحسب، ولكنهما دفعاه إلى نظام السوق العالمي وفق شروط الغرب. وفي كانون الأول/ديسمبر 1991 انقسم الاتحاد السوفييتي الى 15 دولة مستقلة. ونتيجة لانهيار الاتحاد تبددت الأهداف الاجتماعية والاقتصادية التي وضعتها ثورة اكتوبر، والتي ربما كان أهمها إقامة مجتمع لا طبقي ولا سوق ولا منافع أو أرباح أو ملكية خاصة.

عشية الاحتفالات بمئوية ثورة اكتوبر 1917: روسيا بين نعم ولا

فالح الحمراني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية