بعيدا عن «الموضوعات السياسية الساخنة» التي تستهوي وسائل الاعلام، سواء المؤيدة او المناهضة، وقريبا من الاوجاع الحقيقية للمواطنين في مصر، وخاصة الفقراء الذين اصبحوا يموتون بشكل شبه يومي لاسباب تبدو احيانا سريالية او هاربة من العصور الوسطى، تقف ازمة المياه والكهرباء في انتظار من يجد لها حلا، او نصف حل، وقد تفاقمت في ظل هذه الموجة الحارة غير المسبوقة التي تضرب البلاد حاليا، واوقعت اكثر من ستين قتيلا ونحو سبعمئة مصاب في ايام قليلة.
وسيكون صعبا على مراقب من خارج البلاد ان يصدق حدوث هذا في وادي النيل، اول الانهار في العالم واعظمها، ومهد احدى الحضارات التي انارت طريق الانسانية، الا انه واقع يعيشه الملايين حاليا في مصر، فيما تبذل الحكومة جهدا في التعتيم عليه اكبر من اي جهد لمعالجة المشكلة نفسها.
وليس الحديث هنا عن مشاكل في تأمين المياه قد تحدث هنا وهناك بين حين وآخر، ولكن عن مدن ومناطق كاملة بعضها في القاهرة الكبرى مثل شارع فيصل القريب من الاهرامات (التسمية الواجبة هي امبراطورية فيصل لأنه تضخم ليتحول الى مدينة سكنية مستقلة) والمنيب والقاهرة الجديدة وغيرها، حيث يصل الانقطاع المنتظم في المياه الى ثلاث وعشرين ساعة يوميا.
وحسب المتحدث الرسمي باسم الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي فإن أزمة انقطاع المياه على مستوى الجمهورية «سببها في جزء منها أعمال الصيانة التي تجري على المحطات وباقي أزمة الانقطاعات بسبب انقطاع التيار الكهربائي عن محطات تغذية هذه المناطق بالمياه». وأن «شركة المياه تنوه في المناطق من خلال المساجد والمحافظة قبل قطع المياه لإجراء عمليات الصيانة ثم تفاجأ بشكاوى المواطنين من الانقطاع عندهم».
وهكذا فقد توزعت الدماء بين ثلاث جهات، اولها عمليات الصيانة التي اختارت لها الحكومة اسوأ توقيت يمكن تصوره في العام، في ظل حرارة تجاوزت الخمس والاربعين في الظل، ثم المواطنون الذين «يعاندون الحكومة» عندما يتجاهلون الاعلانات عن عمليات الصيانة مسبقا، ولا يخزنون ما يكفيهم، واخيرا انقطاع التيارالكهربائي، وهذا حق لكن اريد به القاء المسؤولية على وزارة اخرى.
واذا ذهبنا نسأل مسؤولا عن الكهرباء مثل رئيس شركة جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء، بعد ان ادى النقطاع الكهرباء الى تعطل المترو الى جانب انقطاع المياه في جنوب العاصمة، ستجده يقول في تصريحات منشورة انه لا يعرف السبب الذي أدى لهذه الأزمة (..)، وبالتالي ليست لديه خطة للتغلب على تلك المشكلة؛ ولعل الرجل صادق حقا اذ انه قال:»اقسم بالله أنا شخصيا معرفش سبب الأزمة، علشان أقول هتغلب عليها أزاي» . اما وزارة الكهرباء فلم تجد سوى الموجة الحارة وزيادة الاستهلاك لتوجه اليهما اللوم.
وهكذا يبدو ان الفاعل الاصلي في هذه المأساة التي اودت بارواح العشرات، هي الطبيعة الغادرة التي فاجأتنا بهذا الصيف القائظ، ثم المواطنون الذين رفضوا الانتحار بان يمتثلوا لاوامر الحكومة، وقاموا بتشغيل المراوح او التكييفات حتى «لا يفطسوا» بالتعبير المصري في هذا الحر.
اما الخلاصة على اي حال، فهي ان النظام بريء، وان المواطنين هم من لايعرفون كيف يحكمون.
ولا يحتاج القارئ ان يكون مصريا ليفهم لماذا لا يجد المصريون امام هذه المأساة – الملهاة الا ان يسخروا من كل شئ. ولكن اذا كان مصريا او يعرف مصر جيدا سيدرك ان هذه السخرية في حقيقتها اخطر تعبير ممكن عن تراكم الغضب.
وفي بعض المناطق، حيث اصبحت المياه تباع في السوق السوداء (الجركن بخمسة جنيهات والبرميل بخمسة عشر جنيها) قرر بعض الاهالي التحرك لانقاذ عائلاتهم، فقاموا بحفر آبار مياه جوفية دون اذن او مساعدة من الحكومة، في اشارة مهمة الى تراجع الدولة وانكماشها.
وللأسف عندما يتصل مواطنون ببعض القنوات الفضائية ويحاولون شرح معاناتهم، يقوم مقدمو البرامج بالتضييق عليهم، بمجرد ان يعلموا انهم يريدون الشكوى من قضايا حياتية، وليس ان يمدحوا السيسي او مرسي او الجيش او الاخوان او ينتقدوهم (حسب توجهات القناة).
وهكذا لا يجد هؤلاء من يوصل صوتهم للحكومة، ناهيك عن ان يخفف معاناتهم، فلا يجدون مفرا من مواجهة مصيرهم الذي اصبح مرهونا بمؤامرة حقيقية اساسها التقصير والفشل والاهمال من جانب نظام مشغول بالانجازات والانتصارات الاعلامية، والاجندات الامنية، واطرافها اعلاميون تفرغوا لخدمة الحكام وليس المحكومين، وارهابيون لم يجدوا هدفا اسهل من محولات الكهرباء لتفجيرها فيساهمون بدورهم في قتل الفقراء الذين لا يستطيعون شراء مولدات كهربائية ولا تكييف.
فهل يلتفت احد الى هؤلاء قبل فوات الأوان؟
رأي القدس