اربعة مواضيع تم تشخيصها ربطت في نهاية القرن العشرين بين يهود الولايات المتحدة. في بداية القرن الواحد والعشرين حدث تفكك في كل واحد من هذه الروابط. الموضوع الاول هو الذاكرة المشتركة للاضطهاد الذي كان من نصيب الشعب اليهودي. لكن مع مرور الوقت منذ الكارثة وقيام الولايات المتحدة بفتح أبوابها للمهاجرين اليهود فان شعور العزلة الذي كان في الماضي مصدرا للتضامن اليهودي، يضعف.
الموضوع الثاني هو الثقافة اليهودية. امريكا حولت تلك الرموز للثقافة اليهودية التي كانت لها قوة جذب عالمية إلى شيء في متناول الجميع. عندما تقوم «ماكدونالدز» بتقديم «البيغلة» فان هذا المأكول لم يعد خاصا باليهود. باقي الرموز تخلت عنها اليهودية الامريكية بنفسها. كم من اليهود تحت سن الاربعين يعرفون ما هو «بيالي»؟.
الموضوع الثالث هو فكرة «اصلاح العالم» ـ الاعتقاد بأن هناك مسؤولية خاصة على اليهود تجاه من يعانون من الاضطهاد والتمييز. في الخمسينيات والستينيات عندما دعمت قيادة يهود الولايات المتحدة النضال من اجل المساواة للسود ـ كانت لهذه الفكرة قوة جذب كبيرة. في امريكا اليوم هناك يهود محافظون يرون في فكرة «الاصلاح» اضافة حجر كريم يهودي للاجندة الليبرالية التي يعارضونها. هذه الفكرة فقدت الكثير بناءً على ذلك من قوتها الموحدة.
الموضوع الرابع هوإسرائيل . الكارثة خلقت اجماعا يهوديا امريكيا في كل ما يتعلق بدعم دولة اليهود، وقد زادت حرب الايام الستة من هذا الدعم. يهود الولايات المتحدة تماثلوا معإسرائيل سواء بسبب أنها طرحت ملجأ لليهود الموجودين في ضائقة أو لأنها جسدت القيم الديمقراطية التي ثمنوها. اليوم كلا الركيزتين للاجماع الصهيوني تنهار. يهود امريكيون شباب لم يمروا بتمييز منقطع النظير، ولم يكونوا شهودا على لاسامية رسمية.إسرائيل لم تعد تعتبر كمكان لجوء لليهود. ونظرا لأن العديد منهم يعارضون سياسةإسرائيل في المناطق، فانهم لم يعودوا يرونها دولة تجسد القيم التي يؤمنون بها.
ليس هناك شك في أن الصهيونية تواصل كونها قوة قوية في اوساط يهود الولايات المتحدة ـ في الأساس في اوساط الأكبر سناً وأكثر تدينا. لكنها أصبحت أقل فأقل قوة موحدة. اليوم ليس من النادر أن تسمع يهود امريكيين يقولون إنهم لا يستطيعون الحديث عنإسرائيل مع أقربائهم. وكلما تلاشى حل الدولتين ازدادت هذه الفجوة.
ازاء هذا الانقسام المتسع، يحاول رجال حكماء اجراء لقاءات بين يهود امريكيين من اليسار واليمين لاجراء نقاش موضوعي ومحترم حولإسرائيل . هذا هدف مناسب، ولكن لو كان عندي بضعة ملايين من الدولارات لكنت سأحاول القيام بشيء آخر. كنت سأجمع يهودا امريكيين من اليمين ومن اليسار من اجل النقاش حول عظة الاسبوع. وذلك ليس من اجل مساعدة يهود امريكا على الحديث بصورة بناءة اكثر حولإسرائيل، ولكن من اجل مساعدتهم على الحديث بصورة بناءة حول شيء آخر غيرإسرائيل .
من الأسهل أكثر النقاش بحماسة حولإسرائيل عندما يكون هناك موضوع يهودي مشترك آخر. في 2015 هذا الموضوع لم يعد يشكل التمييز ضد اليهود، تأييد مارتن لوثر كينغ أو سلطة السمك. المصدر الاكثر عمقا الذي يربط بين يهود الولايات المتحدة هو هذه النصوص التي تشكل الارث المشترك الاكثر أهمية لنا. من الواضح أن ذوي عقائد دينية وسياسية مختلفة سينظرون إلى هذه النصوص بطرق مختلفة، لكن هذه العلاقة ستوفر لهم قاسم مشترك قوي، شيء لا يستطيع العنوان الاخير لـ «نيويورك تايمز» زعزعته.
لو أن الزعماء اليهود الامريكيون استثمروا قبل عشرات السنين جهودا في بناء قاعدة لخلق التزام مجتمعي واسع بواسطة النصوص اليهودية، لكانت فكرة التعليم المجتمعي ربما تبدو بهذه الدرجة غير المعقولة، ولو أنهم قاموا بذلك عندما كانتإسرائيل ما زالت قوة موحدة ـ فان الانقسام الذي يخلق العلاقة تجاهها لم يكن ليكون مهددا إلى هذه الدرجة اليوم. لكن ما زال الوقت ليس متأخرا جدا. من حقي أن يكون لدي علاقات صداقة قوية مع الناس الذين يستخفون برأيي حولإسرائيل . ما الذي سيُمكن من هذه الصداقة؟ الحقيقة أنني أقابل هؤلاء الناس اسبوعا بعد اسبوع، سنة بعد سنة، في الكنيس، عندما يولد طفل أو يموت والد، توجد لنا لغة مشتركة ممزوجة بالمنطق اليهودي، بالتراث اليهودي وبالنصوص اليهودية ـ تضامنا نشأ من عيش يهوديتنا المشتركة، بدون علاقة بما نشعر به تجاه تجارب اليهود الذين يعيشون في الدولة اليهودية في الطرف الآخر من العالم.
ٌ
هآرتس 19/4/2015
بيتر باينرت