عـالم البحــار

حجم الخط
3

«لسنا أغبياء، نعلم أننا نحزم حقائبنا إلى الموت وبإرادتنا، أعرف جيدا ماذا أفعل، لا تنظر إليّ نظرة الجاهل المغلوب على أمره، أن أموت غرقا بمحض إرادتي في عرض البحر شيء، وأن أحصي دقائق الموت في بلدي وأراه يتسلل في عيون أبنائي أشياء!»
(م. د) مشروع مهاجر وهمي ينتظر اتصالا هاتفيا من المهرب
القانون: البحر لا يعرف الغدر، بهذه العبارة أجابتني محاضرة سابقة في جامعة الملك عبد العزيز- كلية علوم البحار، حين وجهت لها سؤالا عن ممارسة البحر لسلوكيات تعرض الإنسان للخطر، قاطعتها: والمئات الذين غرقوا منذ أسابيع وما زالوا يغرقون أليس البحر يغدر بهم؟ ألا يسمع صراخهم حين تتسابق الأمواج في استدراجهم نحو الأعماق؟ أجابتني: عزيزتي الإنسان يمنح صفة الغدر للبحر وهو من يسلبها منه، كغيرها من الصفات، هل أنت غريبة عن الطبائع البشرية؟ نصف البحر عند الغروب بالرومانسي وعند الشروق نمنحه وسام العظمة، وليلا ننعته بالغاضب، تذكري مهما كان الظرف (لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، سؤال أخير: التهلكة أم النجاة من التهلكة؟ التهلكة معادلة ليست رمادية، وهي العزم في أمر نعتقد أنه بر الأمان ونفقده كشعور ولو للحظة حين ننظر إلى البحر.
الفرضية الأولى: مذنبون، مندفعون، لندع لعقولنا حرية الحكم ونوجه أصابع الاتهام إلى أخ أو أب أو صديق، دفع بأناسه إلى تجربة نسبة نجاحها لا يتعدى 13٪ ، شبح الندم الاسخريوطي سيلاحق أثره منذ لحظة ركوبه القارب، حينها سيُخبئ في سريرته أمنية العودة، بسبب مركب عدد ركابه يفوق العدد المسموح بكثير ومعاطف النجاة للأطفال وللنساء حصراً، في المركب الذي تعلوه كل المواصفات إلا السلامة، هنا يظهر الندم الأسخريوطي لأول مرة ويتجاهله ويخوض البحر لتروى قصته تحت عنوان هلاك نادم. أنصح الباحثين والمراقبين أن يعتمدوا مصطلح (الأسخريوطي ) عند وصف الندم الشديد أو اللعنة الملازمة، فها هو يهوذا سجلت له لحظة الندم من دون توبة منذ مئات السنين، ورغم محاولته إنقاذ نفسه من قارب الخيانة التصقت به نواياه السيئة، رغم الوعظ الذي جاء به فهو المُسَلّم والخائن، سواء قتل عِوضاً عن عيسى عليه السلام أو انتحر بعد تسليمه المسيح، فعامل الزمن والاختلاف لا تخفيهما الخطيئة، أعتذر منك أنت لست يهوذا بالتأكيد، لكنك اسخريوطي بأنانيتك بامتياز حتى لو غرقت وحيدا، وفي حال نجوت إلى بر الأمان ستكون الشيطان الذي سيتصل بالمترددين ويصف لهم أوروبا بالجنة ورحلة السبعة نجوم!
الفرضية الثانية: سوء ردود أفعال الجهات المسؤولة تزيد من فرصة الهجرات العشوائية، وماذا لو نفذت حجج الدول وتغاضت تدريجيا عن حقوق أفرادها، ستفضل تلقائياً اللجوء للطريق المعبد، ألا وهو التصريحات (الشماعة) وفاضت الشماعة من ثقل التبريرات، وألقت حملها على الأرض بعد أن سمعت تصريحا باسم البحرية الليبية يقول، إن الظروف المناخية الجيدة (الآن) لمياه البحر أدت إلى إقبال آلاف المهاجرين غير الشرعيين بالتوجه إلى أوروبا عبر المياه الإقليمية الليبية؟ صحيح سيادة السياسي المخضرم، أن الظروف الجوية والشاطئ النظيف والهواء العليل والرمال الذهبية وريف الأسماك الساحر، هي أسباب كافية تدفع الآلاف منذ عقدين لركوب القوارب السياحية نحو النهاية! سياسة التضييق التي تمارسها أنت وأصدقاؤك في الضفة الأخرى على متضرري الحرب والفقر، مقصودة ولا نستبعد أن تكونوا وراء المهربين والراعين الذهبيين لرحلاتهم التعجيزية، فلن يكلفكم ذلك سوى الخبر الأول لمدة يومين على الشاشة مع القليل من الاستنكار والتنديد.
الناتج هروب (م .د): لمَ أخوض البحر؟ لم أحضن عائلتي وأطفالي بطوق النجاة؟ لأنني كرهت الموت التدريجي، ومن فيض الشجاعة يقتلني الخوف على دفعات، ومن شدة فقر الأمل حزمت حقائبي، وأخرجت كل ما في جيبي، وأقنعت من حولي بأننا سنعيش النعيم المخلد، وحين أهملتني الأرض التي ولدت، وخانتني الإنسانية التي تستعرض نفسها فقط في المؤتمرات، لجأت إلى القارب وركبـت، والآن يغمرني وعائلتي الأمان، الحرية المطلقة، لا جوازات سفر ولا وثائق ولا طوابير على أبواب السفارات، لا أُعاير بفقري وطائفتي، في هذا العالم الاستثنائي ديني لا يطاردني ولا أقتل لانتمائي السياسي، رغم ذلك إسمعني جيداً يا صاحب نية الإبحار (لا صوت تحت الماء ينافس صراخ البر) لذا أرجوك لا تقتل ما تبقى من أحلامنا في الملح، إنني اتنفس الكرامة تحت الماء.. ولكنني أغـرق أغــرق أغــرق!

٭ كاتبة أردنية

لانا العطار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية