عقاب الجيل: الولادة في مصر

حجم الخط
0

محمد بن جمال: زمان لما كنا بنغلط كانت اهالينا بتعاقبنا. كل واحد كان اهله بيختار طريقه للعقاب، فيه اللي كان بيتحرم من المصروف، ويروح المدرسة يعيش على المعونات الخارجية والتطفل على اصحابه. وفيه اللي كان اهله بيمنعوه من الخروج واللعب في الشارع وكان بيكتفي بأنه يتفرج على اصحابه من البلكونة وهم بيلعبوا تحت البيت.
فيه اللي كان بيتضرب علقه محترمة. عشان ما يعملش كدا تاني، والمشكلة أنه كان بيرجع يعمل كده تاني. فيتضرب تاني. وهكذا لحد ما يحب الموضوع اوي وهنا بيتحول إلى الشخص «الجبله» اللي خلاص هعمل اللي عاوزه واتضرب وانام واصحى تاني يوم ملك زماني. فيه اللي كانت امه بتقرصه من فخدته (لباليبه) لحد ما الواد يورم ويجيله التصاق في الفخدين وتسلخات.
وفيه اللي كان بيتحرم من اكله بيحبها، واللي كان بيتحرم يقعد على الكمبيوتر أو يتفرج على التلفزيون أو يروح رحلة المدرسة لجنينة الحيوانات. كلها كانت طرقا للعقاب بتجيب نتيجة إلى حد ما، وكان كل واحد فينا بيخاف يغلط عشان ما يتعاقبش، ويفقد متعه الاكل أو الخروج أو اللعب مع الصحاب .
حتى في المدرسة، كانوا على ايامنا بيقولوا انهم منعوا الضرب في المدارس، بس ياما اتضربنا بالمسطره على ضهر ايدنا، وياما اتلسوعنا واحنا بنجري من المدرس بالخرطوم، وياما وقفنا 6 استعد في آخر الفصل، وياما رفعنا ايدينا وادينا وشنا للحيطه، وياما اتحط القلم المضلع بين صوابعنا واتقرص عليهم، ودي كانت اقصى درجات العقاب اللي كنت ساعتها ممكن تبيع بلدك واهلك ووطنك في مقابل انه يشيل القلم.
وياما جالنا استدعاء ولي امر وكنا مش عارفين ازاي هنبلغهم في البيت، ويا ترى هيعملوا فينا ايه لما يعرفوا .كان العقاب في كل مكان حتى لو مكنش العقاب مادي، وكان عقاب معنوي، فده عشان حياتنا كانت سوية.
لكن للأسف الاطفال اللي نشأوا في الحقبه الزمنية الحالية، اللي احنا كشباب حاسين ان زهرة شبابنا اتسرقت، واننا كبرنا 50 سنة …. ومش عارفين نستمتع بأيامنا الورديه زي مابيقولوا، فمابالك باللي لسه بيبدأ حياته ؟! اللي لسه بيشب عشان يكتشف العالم الخارجي .
لما يطلع الطفل يلاقي كم الكره والظلم والقهر وانعدام الامان اللي عايشين فيه. يطلع يلاقي البلطجة في كل مكان. والعدل ليس له اثر …. يطلع يلاقي الواسطة في كل مكان. يبقى عارف انه مش هيعرف ياخد حقه بالقانون في دوله الا قانون. يطلع مش عارف يعني ايه وطنية وهو سامع وشايف ارض بلده بتتباع …يبقى ماشي خايف اول ما يشوف امين شرطة ليضربه ولا يموته. يبقى خايف يعدي جنب بوكس لحسن يتشد غلط وهو رايح يجيب لأمه بتنين جنيه فينو وكيس فانيليا.
لما الطفل ينشأ في ظل الظروف دي كلها. وتيجي تقوله لو معملتش كده هعاقبك، لو مذاكرتش هضربك، لو ماروحتش المدرسة مش هسيبك تنزل الشارع، تفتكر الحاجات دي بالنسبة للي بيشوفه عقاب ؟! العقاب الوحيد انت عملته من اول ما روحت السجل المدني وطلعتله شهادة ميلاد، العقاب الكبير هو انه جه … هنا ..معانا …في الزمن ده .
كفايه عليه العقاب ده، وياريت ما تعاقبهوش تاني، شغل الـ»نوتي كورنر»، وانت «باد بوي»، ده في نيوجيرسي، مش في كفر ابوعويلق اللي احنا عايشين فيه.

مدون مصري

عقاب الجيل: الولادة في مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية