عقاب جماعي… انتقام الأسد

حجم الخط
0

قبل لحظة من صعودهم أمس إلى الباصات التي ارسلت لإبعادهم من المدينة، ذهبت النساء والاطفال لالقاء نظرة أخيرة إلى المقابر في داريا. فهنا يدفن عشرات الاف ضحايا الثورة ضد الأسد. بكت النساء، ووضع الاطفال اغصان خضراء ورشوا قطرات ماء. اما الرجال ففضلوا البقاء في الباصات.
أخذوا معهم فقط حقائب ظهر صغيرة، كل ما يملكونه في العالم. بعد خمس ساعات توقفوا في نطاق من الخيام على مسافة غير بعيدة من الحدود التركية. كان هذا طلب الاسد: ان تنظف له داريا وان تفرغ من سكانها. وهكذا يكون بوسعه ان يوسع دوائر حكمه من دمشق نحو بلدات المحيط. هكذا تستعد سوريا للبقاء مع الأسد ولكن لتقسم إلى دول صغيرة.
قصة داريا استثنائية في وحشيتها حتى مقارنة بمدن اخرى في سوريا. ففي الايام الجميلة كان يسكن فيها ربع مليون نسمة. طبقة وسطى من المزارعين والتجار ممن كانوا يسافرون إلى لبنان وتعلموا كيف يعيشون بسلام مع الحكم في دمشق. في الايام الاولى للانتفاضة ضد بشار، في درعا على حدود الاردن، حرص سكان داريا بالذات على تشجيع النظام. خرجوا إلى الشوارع وأمطروا الدبابات بالارز والورد. ولكن عندما زحفت الانتفاضة من الجنوب، وغيرت داريا جلدتها في صالح تأييد الثوار، حتى قبل ان تستدعى إيران، ومقاتلي حزب الله وسلاح الجو الروسي، قرر الاسد ان يوقع عقابا جماعيا على داريا.
في آب 2012، حاصرت الدبابات والمدرعات المدينة وامطرتها الطائرات بالبراميل المتفجرة، القنابل العنقودية والسلاح الكيميائي والبيولوجي. وادى انتقام الاسد إلى موت عشرات الاف النساء، الشيوخ والاطفال. اختطف الرجال إلى السجون، والقيت جثثهم في قبور جماعية. قلة منهم فقط نجحوا في الفرار. وبين الحين والاخر تسربت شهادات تقشعر لها الابدان من المدينة المحاصرة. من لم يجمع الطعام والشراب مات جوعا او اضطر لان يأكل القطط والكلاب ويشرب الماء العفنة. في المستشفى الوحيد في المدينة (الذي دمر قبل سنتين) نفدت الادوية. في نهاية الاسبوع كشف النقاب عن أول اتفاق بين النظام السوري والثوار. فقد طلب الاسد اخلاء المدينة والتخلص من كل «الخونة». وحسب التقديرات لم يتبقَ سوى بضعة الاف من الاشخاص في المدينة. وقد تحقق اتفاق الاخلاء دون تدخل مبعوثين دوليين ومن خلف ظهر وسطاء الأمم المتحدة. وحتى اللحظة التي توقفت فيها الباصات في ادلب في شمال سوريا، معقل الثوار، لم يكن واضحا إذا كان المسافرون سيصلون بسلام. اخلاء المدينة، بالمناسبة، يقلق الامنيين عندنا: داريا تقع في مفترق استراتيجي هام، على الطريق المؤدي إلى مطار المزة الكبير، من حيث ارساليات السلاح والعتاد العسكري من إيران إلى حزب الله في لبنان.
وفي هذه الاثناء، فان الجار اردوغان هو الاخر يعزز قواته في سوريا. الف من المقاتلين الثوار، الكوماندوز والدبابات من الجيش التركي، يحتلون معاقل على طول الحدود. تركيا، مثل روسيا، تجتاح سوريا كي تبقى. ومن ناحيتها، فليبق الاسد في المحيط، فقط «محجم». مذهل ان نتبين كيف يربط اروغان بين محاولة الانقلاب ضده وبين الدخول العسكري إلى سوريا. وحسب روايته، فانه عندما استعد لاستكمال الاستعدادات للحملة البرية في سوريا قبل شهرين، اصطدمن باحباط مركز من جانب ضباط كبار في الجيش التركي، من الموالين لخصمه فتح الله غولن.
اردوغان، الذي اطاح بنصف القيادة العليا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، قرر أن يثبت للعالم بان قدرات الجيش التركي لم تتضرر من الهزة في القيادة. ولو لم يعتذر ويتملق على مسامع بوتين، عن اس
قاط الطائرة الروسية (على ايدي الضباط الذين شاركوا في محاولة الانقلاب، حسب روايته)، ما كان يمكنه أن يدخل إلى سوريا. اوباما هو الاخر، الذي خان الاكراد لا يعارض ان تقوم تركيا بالعمل القذر، اردوغان يعده بأنه على الفور سيواصل ويصفي بؤر داعش.

يديعوت 28/8/2016

عقاب جماعي… انتقام الأسد
قصة داريا استثنائية في وحشيتها مقارنة بمدن أخرى في سوريا
سمدار بيري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية