عقلنة الحياة الاجتماعية

لا بد من إعطاء القانون مكانته الخاصة والحيوية ضمن سيرورة إنتاج الحياة الاجتماعية، فهو الوسيلة والأداة الرئيسية، التي تتوفر على الأواليات، التي من شأنها أن تتيح لنا سبل عقلنة الحياة الاجتماعية، وجعل مبدأ الاحترام الوضعي نواتها الكونية.
بيد أن فصل المكاسب القانونية الكونية عن سياقنا الاجتماعي التاريخي، وإعطاءها مكانة هامشية، مقارنة مع المكانة الرفيعة التي تحتلها تشريعات دينية تاريخية طائفية، تدافع عن نظريات جامدة، يتم ترسيخها في أذهان الأفراد منذ ما يربو عن أربعة عشر قرنا، لن يسهم في تجاوز تأخرنا التاريخي، بقدر ما سيفاقم من هوة اضطراب ذواتنا المعطوبة. ذلك أن «وضع العلوم القانونية خارج العلاقات الاجتماعية وفوقها ليس مجانيّا، يقول ميشال مياي، وذلك حتى يتمكن القانون من أداء الدور بالمعنى المسرحي، الذي تسنده له الأيديولوجيا المهيمنة: ضمان السلم الاجتماعي والعدالة.
ولا ينبغي أن يظهر كما هو بالفعل، أي بوصفه توافقا في العلاقات الاجتماعية، وأن يتم الحط من مكانته عبر الكشف عن وظيفته التاريخية الحقيقيّة: ضمان اشتغال مجتمع معين، وإعادة إنتاجه ينبغي إخفاء الواقع الاجتماعي للقانون عبر ما يقدم باعتباره علما قانونيّا، لا يعدو أن يكون تقديما للقانون من طرف الأيديولوجيا المهيمنة. لهذا حدد ميشال مياي مهمته في نقد العلم القانوني المشتبه في علميته وبلورة نظرية علمية للقانون والحقوق.
ما زالت الشريعة تحتل دورا بارزا ضمن منظومتنا القانونية، رغم الجمود الذي بات يحيط بها من كل جانب، بعد أن أغلق باب الاجتهاد في القرن الرابع الهجري، فمنذ أفول الخلافة العباسية سادت ولا تزال نزعة محافظة طمست بشروحاتها وتفسيراتها المغلقة آثار الانفتاح داخل «النصوص الموحى بها» وخلقت هذه الأخيرة بتركيبات لاحقة مشكلة بشرياًّ، وذلك بتعطيلها كل إمكانية تسعى إلى تأويل معاني النصوص تأويلا جديدا، منفتحا على الأخلاق الكونية، ويرجع ذلك إلى إنكارها تاريخية النص القرآني، فبالنسبة لبيرك التاريخ هو أصل الشريعة ومبدأها.
يبدأ التاريخ مع الوحي ذاته: «إن الوحي القرآني، إذا كان يقدم للمؤمنين باعتباره، مصدر كل معيارية وتشريع، ليس كذلك إلا كبلاغ يربط الأبدي بزمن الإيمان». فالوحي يدخل التاريخ في اللحظة ذاتها التي تم فيها تبليغ الصورة الأولى من طرف الرسول إلى الصحابة الأوائل. إن صلاحيته لكل زمان ومكان تفرض تدخل (الناس) في التطبيق، ومن هنا الدور الذي كان للتفسير وللفقه. أما في وقتنا الحالي فالرجوع إلى أسلمة القانون، ليست أقل من رجوع إلى المصادر لترجمة الاهتمامات الحالية، الحاجة إلى الإنصاف كما تفهمها الجماعة في لحظة من تاريخها «ما يعني أن تاريخيّة القانون تظهر من جديد، ولو في (حركة) بعث معيار موحى به».
يستشهد بيرك بشاهد من عيار ثقيل ليشهد على تاريخية القانون، إنه إحدى ركائز حركة الإخوان المسلمين سيد قطب الذي يرفض دعوى التطبيق الحرفي للشريعة الأولى، فيكتب معلقا على سورة يوسف «ليست الشريعة هي التي أنتجت المجتمع، بل المجتمع الإسلامي هو الذي أنتج الشريعة». ومن ثمة وجب علينا إحداث قطيعة مع هذه التشريعات التاريخية، وتعويضها بنظرية قانونية حديثة، تنبجس من الأسس التي يحيل عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأهمها الاعتراف بكونية حقوق الإنسان، والوعي بطابعها الشمولي، الذي يتعالى عن كل انتماء عرقي ثقافي ديني طائفي زماني، فترسيخ مبدأ كونية القيم الإنسانية لا يمس في شيء الهوية أو الثقافة المحلية، بل إن الأمر بعين الضد، إذ ألحق في الاختلاف الذي يعد إحدى الركائز الأساسية التي شيدت على أثرها حقوق الإنسان، هو سبيلنا الوحيد من أجل وضع حد للاحتكارات الدينية والثقافية والأيديولوجية واللغوية من جهة، ومن أجل محاربة استغلال السلطة لمبدأ الاختلاف من أجل تبرير التمييز والتراتب والقمع (سواء كانت دينية أو عرقية أو سياسية أو جنسية) من جهة ثانية.
لا يمكن إلا لجاحد أن ينكر أن «حقوق الإنسان ظهرت في الغرب، مع بروز حقوق البورجوازية الأوروبية الصاعدة في صراعها ضد سلطات الأسياد والملكيات المطلقة. كما أنه من المؤكد أنها ازدهرت مع البورجوازية الغربية الليبرالية، وأنها استخدمتها كآلة حرب ضد كل نزعة دولاتية ترمي إلى تقوية جهاز الدولة وضد النزعة المركزية في التخطيط للبلدان الاشتراكية. غير أن التاريخ يظهر لنا أيضا أن حقوق الإنسان لم تبق خاضعة بشكل دائم للهيمنة الأيديولوجية للبورجوازية الغربية، كما أنها تجاوزت وظيفتها التاريخية التي حددتها لها البورجوازية: القضاء على الملكية المطلقة، كما أنها تخلصت من الهيمنة البورجوازية عندما تمكنت هذه الأخيرة من السيطرة على جهاز الدولة وحاولت استخدام حقوق الإنسان لشرعنة سلطتها الاقتصادية والسياسية في أوروبا والمستعمرات. فتمكنت الحركات العمالية وحركات التحرر الوطني من تعبئة هذه الحقوق ضد البورجوازية الأوروبية. وإن لم تلعب هذه الحقوق إلا دورا تكميليا محدودا سواء في الصراع الطبقي في أوروبا أو في حركات التحرر الوطنية في العالم الثالث. إن هذه القدرة على التخلص من المثالات البورجوازية الأوروبية التي نشأت حقوق الإنسان بين أحضانها، بل التي استخدمت ضدها هي التي تجسد كونية حقوق الإنسان التي لا يمكن لنا أن نرفضها، وهي التي تمارس، على المستوى العالمي، ضغطا على السلطات، وتقود مختلف الأنظمة إلى الاعتراف بها، أو على الأقل أن تتخذ منها موقفا محددا.

أستاذ باحث من المغرب

عقلنة الحياة الاجتماعية

المهدي مستقيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية