ليس لدى اليابانيين مخــــترعون معروفون، لكنهم يطورون ويجددون، أخــــذوا مخترعات الآخــــرين وطوروها، فإذا بالحاسوب ينتقل من نصف غرفة إلى حجم الكف، وهكذا.
أما نحن فلنا عبقرية خاصة أخذا وعطاء. يقف سائح أمام محل بقالة في لندن، يساوم البقال، قائلا له: (You And your milk) (أنت وحليبك) لأنه استعمال شائع في بيئته لطلب التعامل النقي، مثل نقاء حليب الأم.
سائح من ديارنا يغازل غادة رشيقة قائلا لها: (I put you in my eye) أي أضعك في عيني. فنظرت إلى صغر عينيه، وتصورته ساحرا فصرخت به متسائلة (HOW?) (أي كيف؟) فلما لم يفهم المعنَى خاف من صرخة (هاو) هذه فهرب.
وكذلك حين ينقل بعضنا عن القوم مصطلحاتهم بلا أي سبب يسوغ ذلك. فإذا بك تقرأ عنوانات بحوث غريبة، مثل: التشابكات السوسيولغوية، والبارتاج اللغوي، والسيميائية المعجمية، والسيمانتك اللغوي، والظمأ الانطولوجي، وعلم اللغة والمكون السيسيولغوي، الفونتيكات العربية، النوستالجيا اللغوية، وإشكالات إبستمولوجية، والقراءة والديسلكسيا (التي تذكرني بمرض في الظهر /الديسك/ واللام المتزحلقة، وقاكم الله من الديسك والتزحلق).. الخ.. فهل جهلوا لغتهم فنشروا هذه العجمة بين قرائهم وطلابهم في جامعات العرب؟ أم يريدون أن يقولوا إنهم على معرفة وطيدة باللغات الأخرى؟ أم هي انهزامية أمام المصطلحات؟ وتعال معي إلى بحوث جامعية:
* كتب أحدهم: (لكل كلمة جذر) ثم وضع بين قوسين (Racine). ذلك أن الطالب الجامعي العربي لا يعرف معنى (الجذر) فلا بد أن توضع له كلمة فرنسية كي يعرف ذلك المعنى. ولا بد أن هذا سيتطور إلى عبارة (لكلّ كلمة راسينها) وقد يظهر لك عنوان كتاب عن اللغة العربية عنوانه (الرواسين اللغوية).
ولو كان هذا الأستاذ الدكتور قد درس اللغة الإنكليزية لقال: (لكل كلمة لغوية جذر) ثم يضع بين قوسين (ٌRoot) ويتطور الحال إلى ظهور عناوين بحوث ومؤلفات، مثل: (الروت اللغوي للكلام العربي).
* كتب آخر: إن النحو (Grammar) يختلف عن الصرف (Morphology). فكأن الطالب الجامعي العربي لا يعرف الفرق بينهما إلا بالمقابل الأجنبي. فإذا كان الحال كذلك فلا خير في دراسة أوصلته إلى الجامعة. ولا بأس بعد ذلك أن تسمع رنين الأجراس التي تعلق في رقاب خبراء تفتخر بهم المناصب الرفيعة والجوائز الثقافية. وليس لي حق رفض ذلك، بل إني لأقــــترح أن يضع هـــؤلاء الأجلاء أمام كل كلمة يكتبونها ما يقابلها في اللغة الأجنبية، ويا حبذا لو وضعوا أكثر من كلمة أجنبية، من اللغات الغربية إلى الشرقية، فهذا يدل على أن معرفتهم باللغات الأجنبية واسعة الآفاق، بعيدة الأغوار والأعماق. وفيه، أيضا، نفع كبير لطلابهم في الجامعات، وقارئي كتبهم في المقاهي والحافلات، كي يعرفوا معاني تلك الكلمات، في سائر اللغات. وتأتي إلى ما أخذه بعضهم من اللغات الأجنبية، فترى أغلبه ممسوخا ممجوجا وترى كلماته تتصارع كما تصارع (يأجوج ومأجوج). وإنك لتقرأ الكتاب الأصل بلغة مؤلفه فتفهم ما يقوله، وتستكشف من آفاق المعرفة ما تستكشف، سواء كنت تقبلها أم ترفضها.
ومن ذلك أنك تقرأ بحوثا في علم اللغة والبنيوية والأصوات، وغيرها، بلغاتها الأصلية، فتفهمها وتستوعبها. فإن قرأتها باللغة العربية، ترجمة أو (سطوا) فلا تدري بأي بادية ضاعت إبلك. وعبّر لي كثير من الجامعيين أنهم لم يفهموا شيئا من تلك الترجمات أو التلفيقات. ولهم الحق.
أما ترجمة القرآن الكريم للغات الأخرى، فتلك مصيبة المصايب. ألا يكفي أنك ترى أن كلمة (رب) تتحول إلى كلمة (لورد) (Lord) فيدخل المعنى البشري إلى اللفظة؟ وعلى هذا فقس ما سواه.
لذلك أدعو دائما إلى عنونة تلك الترجمات بالتفسير أو الشرح. النص القرآني واحد، هو النص العربي، وما سواه شرح أو تفسير، كأن تقول: تفسير القرآن بالإنكليزية أو الفرنسية أو غيرهما. ولا تعتبر ذلك قرآنا بلغة أخرى. فظلال المعاني ودلالات الكلمات مختلفة بين اللغات.
وإلى أن نلتقي، وقاكم الله شرّ الخلاف والاختلاف.
٭ باحث عراقي ـ لندن
هادي حسن حمودي