«حبيبتي الغالية مها، سنلتقي قريبا إن شاء الله»، «أخي الغالي، أنا أشتاق لك جدًا، يكون الله بعونك ويحميك من كل سوء. أخوك سعد من حي العربي». «أمي الحبيبة، أنا أشتاق لك ولأخي وللجيران. أنا الآن في مكان آمن وأنتظر تحرركم. محمد من حي البيوت الخضراء». هذه بعض الرسائل التي أُرسلت من شرق الموصل في العراق، التي تم تحريرها من قبل الجيش العراقي وسلاح الجو الأمريكي. وهي موجهة إلى غربي المدينة الذي ما زال تحت سيطرة «داعش». هذه الرسائل تلقيها طائرات سلاح الجو العراقي في الهواء في غرب الموصل، ويتم جمعها مصادفة وتُنقل إلى أصحابها، طالما أن الأمر ممكن وتحت العيون المفتوحة لرجال «داعش».
صحيح أن الموصل لا تحظى بالعناوين الرئيسة في وسائل الإعلام الغربية، لكن الحرب على المدينة لم تنته بعد والاعداد لاحتلال القسم الغربي في ذروته. في شرق نهر الفرات الذي يقسم المدينة إلى قسمين، تعود الحياة بالتدريج إلى طبيعتها. وقد تم الحديث في هذا الاسبوع عن حفل زفاف علني هو الأول لزوجين انتظرا مدة سنة كاملة. مراسل «الدايلي ميل» البريطانية، توم وستسكوت، كان موجوداً في حفل الزفاف، ونقل صور الرقص والغناء وإطلاق النار في الهواء من قبل جنود عراقيين كانوا في حفل الزفاف، والرجال والنساء قاموا بالرقص معا، وبعض النساء ظهرن بدون غطاء على الرأس.
حسب تقارير وزارة التربية والتعليم العراقية، فإن أكثر من 250 ألف طالب عادوا إلى الدراسة في 190 مدرسة، و17 ألف معلم عادوا إلى اماكن عملهم. والشرطة المعززة تحافظ على الأمن الشخصي للناس في شرق الموصل، ولجان الأحياء ايضا، التي تحاول الكشف عن أي مشبوه بالتعاون مع «داعش» في العامين الماضيين. إضافة إلى ملامح الحياة هذه، يمكن رؤية جثث مقاتلي «داعش» المتعفنة في الشوارع، والتي يرفض الجنود العراقيون دفنها. «هذه الجثث ستبقى في الشوارع كي يراها كل من يؤيد «داعش»، وكي يعرف المصير الذي ينتظره»، قال أحد الجنود في المقابلة. حوالي 3300 من مقاتلي داعش قُتلوا في معركة تحرير شرق المدينة، وليس معروفا كم مقاتلا من هذا التنظيم يوجدون في الجزء الغربي للمدينة. التقديرات تقول إن هناك 7 آلاف مقاتل، يستمرون في قتل المدنيين. وقد تم إحراق 20 رجلا وامرأة وهم على قيد الحياة بسبب الاشتباه بالتعاون مع «العدو». أحد «اختراعات» داعش الجديدة أداة تسمى «الأنياب الحديدية» المسممة التي تقوم مقاتلات داعش في «كتيبة الخنساء» بضرب النساء «الخارجات عن الأصول» بها فيدخل السم إلى الجسم ويتسبب بالموت.
صحيح أن الحياة أكثر أمناً في الجزء الشرقي من مدينة الموصل، لكن العودة إلى الحياة الروتينية ما زالت بعيدة جداً. ومثال على ذلك هو الضائقة التي يعاني منها عشرات آلاف الطلاب الذين درسوا في جامعة الموصل. أثناء سيطرة داعش تم إلغاء مواد كثيرة بسبب طبيعة هذه المواد التعليمية. وتم حبس محاضرين في القانون أو قتلهم لأن «القانون بيد الله فقط» ولا يمكن أن يكون هناك قانون آخر. الفصل بين الطلاب والطالبات كان أمراً مفروغا منه. وتم فرض عقوبات مشددة على من قام بالإخلال بذلك. وتم إحراق المكتبة المركزية وإتلاف 8 آلاف كتاب وحوالى 100 ألف مخطوطة ومجلة. وبشكل سريع تم إغلاق المعاهد، فقط المعهد الطبي هو الذي بقي إلى أن تم تحرير المدينة. حسب تقديرات رئيس الجامعة فإن 40 في المئة من مجموع الطلاب نجحوا في الهرب من المدينة، وعدد كبير منهم استمروا في الدراسة في مدن أخرى أو في المقاطعة الكردية.
الطلاب الذين لم يخرجوا من المدينة يجدون أنفسهم في وضع صعب.الحكومة العراقية ترفض الاعتراف بالمقاسات التي درسوها في العامين الأخيرين، رغم انهم درسوا على أيدي نفس الأساتذة الذين قاموا بتدريسهم قبل سيطرة «داعش». حوالى 15 ألف طالب لا يعرفون أين وكيف سيكملون دراستهم، هل سيضطرون لإعادة دراسة المواد، ومتى سيتم إعمار الجامعة أصلاً. أيضا مستأجرو الشقق في الموصل يعانون من مشكلة، فهم لم يقوموا بالدفع على مدى عامين، سواء بسب هروب أصحابها أو عدم توفر المال، وفي هذه الأثناء يطالبهم اصحاب الشقق بالدفع بأثر رجعي عن فترة سيطرة «داعش».
هذه فقط هي «المشاكل الصغيرة» التي ظهرت بعد تحرير شرقي مدينة الموصل. والمشكلات الكبيرة ستبدأ مع تحرير المدينة بالكامل، حيث أن القوات التي شاركت في التحرير ـ الأكراد، الميليشيات الشيعية والحكومة العراقية والجيش العراقي ـ ستقرر مستقبل السيطرة على المدينة. صحيح أن الأكراد لم يدخلوا إلى المدينة، لكنهم يسيطرون على الضواحي والمناطق الريفية في الشمال والشرق. الميليشيات الشيعية تركز على المعارك والسيطرة على القسم الغربي من نينوى. والحكومة العراقية تطالب بعودة مدينة الموصل تحت سيطرتها الكاملة. ومن المتوقع أنها ستخوض صراعات سياسية أو صراعات عنيفة أيضا مع الأكراد والقبائل السنية في المقاطعة.
المشكلة الأساسية في عملية تحرير المدن الكبيرة في العراق او سوريا هي غياب الاستراتيجية لليوم التالي. خلافا لسوريا التي تسيطر فيها روسيا القادرة على فرض الخريطة السياسية وإنهاء الحرب، في العراق لا يوجد احتكار كهذا لأي قوة عظمى. صحيح أن ترامب أعلن عن مساعدته للحكومة العراقية لكنه دخل في صراع مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عندما أعلن أنه كان على الولايات المتحدة السيطرة على حقول النفط في الدولة في 2003. وحسب رأيه لو كانت السيطرة على النفط بين أيدي الولايات المتحدة لما نشأ «داعش» لأن مصدر الدخل الأساسي كان سيحرم منه. سارع العبادي إلى الرد بغضب وقال «إن نفط العراق هو لمواطني العراق وليس لأي أحد آخر».
لدى روسيا اتفاقات تجارية هامة مع العراق، لكنها لا تتواجد سياسيا في الدولة ولا تستطيع فرض قرارات سياسية على الحكومة التي يديرها الشيعة والتأثير عليها هو من إيران. إيران هي التي تمول وتدرب الميليشيات الشيعية القوية وهي شريكة هامة في تجارة العراق ولها تأثير على المقاطعة الكردية خصوصا في الجزء الشرقي للحدود، وهي تعتبر العراق جسراً برياً لسوريا ومعبرا حيويا للتجارة مع دول عربية أخرى.
القوات الإيرانية تشارك في الحرب ضد داعش، ولكن أغلبية العبء العسكري هي من نصيب قوات التحالف الغربي وخصوصا سلاح الجو الأمريكي الذي بدأ بحملة جديدة للقصف على طول الحدود بين العراق وسوريا لفصل الدولتين. ولكن بعد الحرب هناك شكوك بأن تتمكن الولايات المتحدة من الوصول إلى مكاسب سياسية أو اقتصادية. واذا تحققت االتوقعات فألأن الربح الأكبر سيكون من نصيب حكومة العراق وجيشها.
وحتى في الوقت الذي تجد فيه حكومة العبادي صعوبة في العمل بسبب الخلافات السياسية والعجز في ميزانية الدولة، الذي سيبلغ 26 مليار دولار لعام 2017، فإن الجيش العراقي يُظهر الوحدة اللازمة للنجاح العسكري ضد «داعش». ولكن بدون خطوة سياسية تحدث المصالحة بين القبائل السنية والحكومة الشيعية وبينهما وبين الحكومة الكردية، فإن الوحدة العسكرية قد تتفتت إلى تيارات طائفية وعندها سيعتمد كل شيء على استراتيجية إيران المؤيدة للمصالحة لمنع الصراعات الأهلية العنيفة التي تحد من تاثيرها.
يبدو أنه مثلما بعد حرب العراق الثانية فإن إيران هي التي ستربح من الاستثمارات العراقية والأمريكية.
تسفي برئيل
هآرتس 12/2/2017
صحف عبرية