على أمريكا وروسيا وقف لعبة القوة في سوريا ودفع اللاعبين لوقف الحرب وترتيب صفقة حول مصير الأسد

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: من حلب إلى الموصل وبغداد تواجه السياسة الأمريكية امتحانا صعبا يدعو للتحرك العاجل. ففي حلب تتواصل المذابح اليومية وتنهار الهدنة التي توصلت إليها واشنطن مع موسكو لوقف الأعمال العدائية.
وفي بغداد اقتحم أتباع مقتدى الصدر البرلمان في خلط واضح للأوراق وإحباط للجهود الأمريكية التي بدت من زيارة لم يعلن عنها لنائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدي التي كانت الأولى له منذ 5 أعوام. ونظر إليها كمحاولة للدفع بالعملية السياسية ودعم حكومة حيدر العبادي التي تتعرض لضغوط شديدة في البرلمان وفي الشارع العراقي.
وفي الموصل تخوض الأطراف المتصارعة على مصير العراق معركة سياسية حول من سيدخلها أولاـ حتى قبل أن تطلق الرصاصة الأولى. ولنبدأ من حلب التي تواجه منذ انهيار الهدنة قبل عشرة أيام هجوما قاسيا، وقام النظام السوري لبشار الأسد بـ 260 غارة جوية عليها و110 جولات من القصف المدفعي و18 صاروخا و68 قنبلة من الطيران.
ونقلت صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية عن بريتا حاج حسن من مجلس بلدية حلب قوله «نواجه ومنذ ستة أيام مذابح يومية».
وقال في مقابلة أجراها مراسل الصحيفة دانيال بوفي معه في مدينة غازي عينتاب قبل اعتقاله من الشرطة السرية الكردية التي نقلته إلى جهة غير معلومة في عفرين «إنهم يدمرون المدارس والأهداف المدنية بالبراميل المتفجرة والغارات الجوية والرشاشات، وقتل زميل لي يوم أمس وأنا أكلمه عبر سكايب».
ويعلق بوفي أن حلب كبرى المدن السورية تتعرض ومرة أخرى للقصف الوحشي الذي لا يرحم أمام ناظري العالم الذي لم يتحرك.
وقد صدمت قساوة الهجمات التي يقوم بها الأسد حتى العارفين بوحشية نظامه.
وبسبب الهجوم الحالي تفكر الكثير من منظمات العمل الإنساني في إنهاء عملياتها في المدينة خاصة بعد تعرض مستشفى القدس الذي تديره منظمة أطباء بلا حدود.
وكان مفوض حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الأمير زيد رعد بن الحسين قد شجب الوحشية وعدم احترام حقوق الإنسان من كل الأطراف المشاركة في النزاع.
وأشار الحسين إلى مواقع روسية جديدة تم إنشاؤها في نواحي مدينة حلب بشكل يدعو للقلق من خطط لاستئناف العمليات القتالية بالمستوى نفسه الذي كانت عليه قبل الهدنة.
وأكد حاج حسن أن مدينة حلب تتعرض لحصار جزئي وأن ما تبقى من طريق يؤدي إليها وهو طريق الكاستيلو يتعرض للقصف المتواصل.
ويقول إن سكان المدينة قد تراجع عددهم من مليونين في عام 2013 إلى نحو 400.000 نسمة الآن.
مؤكدا أن هؤلاء لن يتركوها حتى لو عنى ذلك مقتلهم وهم تحت حصار جزئي. ويواصل حاج حسن أن طريق الكاستيلو «خطير لكن علينا استخدامه، ولو فقدناه فسنتعرض لحصار وعندها ستكون كارثة».
وترى إيما غراهام هاريسون محررة الشؤون الدولية في صحيفة «أوبزيرفر» أن مدينة حلب ظلت في قلب الحرب الأهلية السورية، فهي كبرى المدن في البلاد ومركز التجارة والصناعة قبل أن تدك الحرب أحياءها وتحولها لأنقاض وتهدم المساجد الغنية بالتاريخ وذات الأهمية الدينية.
وتقول إن السيطرة على المدينة تعتبر لطرفي النزاع انتصارا عسكريا ودعائيا ولهذا استمرت الحرب فيها وحولها بكثافة. وارتبطت الحرب في حلب بالبراميل المتفجرة التي استخدمها النظام ضد الأحياء المدنية وقوات الدفاع المدني المعروفة بالخوذ البيضاء.

تخلي الغرب عن المعارضة

وتضيف أن المعارضة دخلت حلب أول مرة على موجة الربيع العربي الذي اندلع في دول عربية عدة.
وكان أفرادها المعارضون للأسد يملكون السلطة الأخلاقية وكذا الدعم الأمريكي والغربي. إلا أن قرار دخول حلب كان خطأ كارثيا أسهم في دمارها لأن قادة الدول الغربية وإن رغبوا برحيل الأسد إلا أنهم لم يقدموا الدعم الكافي للإطاحة به. فخيبة الأمل التي اعترت الناخبين الغربيين من الحرب في أفغانستان والعراق جعلت قادة الغرب يترددون.
وعليه لم يتوفر المال ولا الدعم العسكري الذي يوازي ما لقيه النظام السوري من حلفائه الروس والإيرانيين.
وتنقل عن جولين بارنز- دارسي من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية قوله «كان هناك نوع من التشجيع الكلامي للمعارضة السورية الذي لم يترافق أبدا مع الوسائل اللازمة». وقال إن الغرب ومنذ عام 20111 «لم يكن مستعدا لرفد أهدافه التي يريد تحقيقها بالوسائل الضرورية».
وأضاف «فقد ظل تغيير النظام معتمدا على التدخل العسكري أمام مواجهة التزام حلفاء الأسد ببقائه في السلطة».
ومن هنا تبدو قصة حلب كنموذج مصغر عن النزاع وحرب الاستنزاف التي خاضتها المعارضة مع النظام الذي ظل يسيطر على الجانب الغربي من المدينة حتى التدخل الروسي الذي أعطى جيش النظام والميليشيات الموالية له المبادرة. وتعتقد غراهام- هاريسون أن الدول الغربية فشلت في العثور على أو تشكيل بناء جماعات معارضة للتعاون معها، وفي الوقت نفسه لم يكن الغرب مستعدا لا للتعاون مع الجماعات التي تسيطر على مناطق في حلب أو تقديم الدعم الجوي لها.
ومع استمرار تدفق السلاح للمقاتلين داخل المدينة من مصادر أخرى فمن المستبعد أن يحقق أي من الطرفين انتصارا حاسما.
والحل هي هدنة لوقف معاناة من تبقى في المدينة من المدنيين، حتى لو فرضت على الأطراف المتصارعة من القوى الداعمة لها. وهنا يأتي دور الولايات المتحدة وروسيا. فمن الواضح للمعارضة ان هناك اتفاقا بينهما لإنهاء المقاومة داخل المدينة.

لا يهتم بالإنكار

وتعلق صحيفة «أوبزيرفر» أن الهجمات على حلب والتي طالت المدارس والمستشفيات وقتل 27 شخصا بمن فيهم أطباء وأطفال تشبه الأشكال التي كان النظام ينتهجها قبل الهدنة بفارق هو أنه لا يهتم اليوم بإنكارها.
وأضافت الصحيفة أن حلب لفتت انتباه العالم ليس بسبب تصريحات المسؤولين في الأمم المتحدة ولكن من التقارير التي تحدثت عن تعزيزات عسكرية حول المدينة في إشارة لتصعيد قاتل للعمليات.
وترى الصحيفة أن مأساة حلب غطت على مأساة المحاصرين والجائعين في مناطق أخرى من البلاد، في حمص واللاذقية ودمشق وإدلب. فرغم تلقي هذه المناطق مساعدات إنسانية من الأمم المتحدة بعد الإعلان عن الهدنة إلا أن تجدد العمليات العسكرية يهدد المناطق المحاصرة، مشيرة إلى أن سلطات النظام قامت في الأسبوع الماضي بمنع دخول المواد الطبية في قافلة كانت متجهة نحو الرستن. وتعلق الصحيفة أن منع دخول المواد الطبية في وقت الحرب هو انتهاك صارخ للقانون الدولي.
وترى «أوبزيرفر» أن تعليقات مسؤولي الأمم المتحدة ونواب البرلمان وافتتاحيات الصحف لن يتم الاستماع لها من نظام وحشي كما فعل في السنوات الخمس الماضية.
ولن يتغير الوضع حتى يقرر اللاعبون الخارجيون في هذه الحرب التوقف عن لعبة القوة فيما بينهم والتصرف بمسؤولية.
ويخص هذا بشكل أساسي إيران وروسيا. ففي آذار/مارس أعلن فلاديمير بوتين عن سحب قواته من سوريا، ولكن قراراه يبدو الآن كحيلة قصد منها تطمين الرأي العام الروسي وتخفيف النقد الدولي ضد موسكو بسبب القصف الجوي.
وتقول إن بوتين ليس صادقا في مواقفه خاصة أن أهدافه في سوريا لم تتغير، من ناحية حماية القواعد العسكرية في سوريا وتوسيع التأثير الروسي في الشرق الأوسط.
صحيح ان طائراته لا تشن هجمات عدة في سوريا لكنه لا يزال يحمي الأسد. أما بالنسبة لإيران فهي تتعامل مع سوريا كساحة أخرى في الحرب الإقليمية التي تخوضها ضد السعودية. وترى الصحيفة أنه من العبث طلب المساعدة من الدول العربية نظرا لسجلها المؤسف. ومن هنا فالعبء يقع على الولايات المتحدة حيث دعا المبعوث الدولي إلى سوريا ستافان دي ميستورا واشنطن لممارسة دورها.
وفي الأسبوع الماضي لم يظهر أوباما في خطابه الذي ألقاه في هانوفر الألمانية أي استعداد لاستثمار جهد سياسي في أزمة يعتقد أن لا حل لها ويجب والحالة هذه أن تترك كي تحل نفسها بنفسها. إلا أن أوباما من الناحية الأخلاقية والمسؤولية والسياسة العملية مطالب بالتحرك وعمل شيء.
فهو وإن لم يكن قادرا على حل أزمة سوريا لكنه بالتأكيد يستطيع إقناع بوتين. فهما معا يستطيعان الضغط وإعادة الأطراف المتنازعة إلى جنيف والاتفاق على وقف إطلاق النار وربما التوصل مع موسكو حول مصير الأسد. ورغم ما ارتكبه من أخطاء في الماضي فإن أوباما مطالب بالمحاولة والبحث عن مخرج.
ولا يقتصر الأمرعلى سوريا فالعملية السياسية في العراق تنهار. ويرى باتريك كوكبيرن في صحيفة «إندبندنت أون صنداي» أن دخول المحتجين قاعة البرلمان العراقي يعلم مرحلة مهمة في تفكك النظام السياسي الذي أنشأته الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الغزو عام 2003.
وأشار كوكبيرن للطريقة التي تصرف فيها الأمن العراقي الذي وقف متفرجا عندما دخل المحتجون المنطقة الخضراء التي تعتبر من أكثر المناطق آمنا في العراق، وهي المنطقة التي تعمل فيها الحكومة والسفارات الأجنبية المعتمدة في البلاد، ومنها السفارة الأمريكية التي تعتبر الأضخم في العالم.
وربط بين مؤتمر صحافي لمقتدى الصدر في النجف ودخول المحتجين للمنطقة الخضراء. ويطالب الصدر بإنهاء حالة الجمود السياسي وتعيين حكومة كفاءات غير طائفية محل الحكومة الحالية وبالضرورة إنهاء المحاصصة الطائفية التي شجعها الاحتلال. ولم يستبعد الكاتب إمكانية رحيل البعثات الأجنبية لخشيتها أن تكون هدفا للمتظاهرين.
وهناك مخاوف من تطور الوضع عبر استهداف القوات الخاصة المتظاهرين، بشكل يؤدي إلى إلهاب مشاعرهم ومواجهات دموية وحشود جديدة يصعب السيطرة عليها، خاصة أن بقية التيارات الشيعية لديها القدرة على التعبئة والحشد. وتتبعهما ميليشيات مسلحة ترى في التظاهرات التي يقوم بها الصدريون خطرا على مصالحها.

ماذا بعد؟

وتهدد الاضطرابات كذلك مصالح الولايات المتحدة وخططها في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية».
وهو ما رأته صحيفة «واشنطن بوست» حيث قالت إن خطط الرئس أوباما لقتال تنظيم «الدولة» ظلت تقوم على بناء حكومة تحظى بمصداقية في بغداد.
وكانت الإدارة في الأيام الماضية متفائلة رغم الإضطرابات السياسية في بغداد. وفي ظل التطورات الأخيرة وحالة الطوارئ التي أعلن عنها هناك سؤال يطرحه المسؤولون الأمريكيون، ماذا سيحدث لو لم ينج العبادي من الاضطرابات التي تشهدها العاصمة.
وجاء اقتحام البرلمان العراقي بعد أيام من زيارة بايدن للعراق والتي كان الهدف منها تهدئة الأوضاع وإعادة الحرب ضد تنظيم «الدولة» إلى مسارها. ووصف المسؤولون الأمريكيون الزيارة بأنها «رمز للثقة التي نضعها في رئيس الوزراء العبادي».
ومع مغادرة بايدن العراق بعد المرور على إربيل في طريقه إلى روما كان الشعور لدى نائب الرئيس والمسؤولين المرافقين له أن العراق يسير باتجاه التهدئة وأن الحرب ضد تنظيم «الدولة» ستبدأ من جديد. وبل اقترح مسؤولون في طاقم بايدن خروج العبادي من الأزمة قويا. وبعد التطورات الأخيرة فلا أحد يتحدث عن هذا.
ويرى دوغ أوليفانت، المخطط العسكري السابق في بغداد والزميل الباحث في «نيو أمريكان فاونديشن» «هناك شعور بعدم استمرار الحكومة بشكلها الحالي» مضيفا أنه ليس من الواضح كيف سيخرج العراقيون من هذه الأزمة.
وليس من الواضح تماما الكيفية التي سترد فيها الإدارة حالة لم يستطع العبادي تعزيز قبضته الضعيفة على السلطة. وتعامل المسؤولون الأمريكيون مع نجاة رئيس الوزراء العراقي كضرورة لمواصلة الحرب على تنظيم «الدولة». وأشار الرئيس ومساعدوه للنجاحات التي حققتها استراتيجيته التي تعرضت للانتقاد في الحرب ضد التنظيم. ففي خلال عام ونصف خسر نسبة 40% من أراضيه. وتم حرمانه من 800 مليون من أمواله بعد الهجمات على مستودعاته في الموصل.
ونقلت الصحيفة عن أحد مساعدي بايدن قوله «من الناحية العسكرية فالزخم هو في جانب قوات التحالف».
وأضاف أن كل حقيقة موضوعية تؤكد أن «الدولة الإسلامية تخسر».
وكان الرئيس أوباما قد زاد من المستشارين العسكريين في العراق وأعطى البنتاغون الصلاحية لبناء قواعد متقدمة واستخدام السلاح الفتاك مثل مروحيات أباتشي.
وعبر عن أمله من إمكانية خلق الظروف تستطيع من خلالها القوات العراقية بدعم من دول التحالف دخول مدينة الموصل. وقال مسؤول آخر في الإدارة إن أساليب مكافحة الإرهاب تستفيد عادة من حكومة مستقرة في بغداد وأن العبادي لا يزال يتمتع بدعم الأمريكيين الكامل.
وأكد المسؤول الذي امتنع عن ذكر اسمه إن الحملة ضد تنظيم «الدولة» ستستمر حتى في ضوء الخلافات السياسية في بغداد.

مدخل جديد

وتقول إن محادثات بايدن يوم الخميس مع العبادي والمسؤولين العراقيين ركزت على ضرورة عدم تأثير المشاكل السياسية على التحضيرات لاستعادة مدينة الموصل. وكان بايدن قد أخبر الصحافيين أن محادثاته في بغداد «تركزت على الخطط التي نعدها لاستعادة الموصل والتنسيق مع أصدقائنا هنا».
وكان يتحدث وإلى جانبه سليم الجبوري، رئيس البرلمان حيث أشار إليه بالصديق القديم. وفي أقل من 36 ساعة كان المحتجون يرقصون على مكتب الجبوري الذي خرج من المبنى. وتقول الصحيفة إن الأحداث الدرامية تكشف عن القصور في مدخل أوباما الذي ركز على قتال التنظيم كأولوية بدلا من مساعدة العبادي على مواجهة الفساد وإصلاح حكومته العاجزة.
ويقول أوليفانت أن المشكلة ظلت في التركيز على أعراض المشكلة لا جذورها. ويقول محللون آخرون أن حملة أوباما ضد تنظيم «الدولة» ظلت تعتمد منذ البداية على العبادي، رئيس الوزراء الضعيف والذي كان يحاول النجاة في ظل نظام سياسي يعاني من المحسوبية والطوائف المتنافسة.
ويرى علي الخضيري الذي عمل مستشارا للسفراء الأمريكيين في بغداد ما بين عام 2003- 2009 أن الولايات المتحدة تحتاج إلى مدخل لا مركزي تتعامل من خلاله مع كل المكونات العراقية- الأكراد والشيعة والسنة، «فنحن بحاجة إلى صيغة راديكالية جديدة».
وفي الوقت الحالي لا يبدو أن هذه الصيغة على طاولة البحث حيث يأمل المسؤولون الأمريكيون في تراجع الإضطرابات و«لربما شعر أنه مضى بعيدا ويدعو للتراجع» حسب مسؤول أمريكي. ولكن العراق كما تقول إيما سكاي، مستشارة قائد القوات الأمريكية السابق في العراق «أصبح وبشكل متزايد خارج السيطرة»، مشيرة إلى أن اللاعبين من غير دول أصبحوا أكثر قوة. أما الحكومة فهي «مشلولة وعاجزة».

على أمريكا وروسيا وقف لعبة القوة في سوريا ودفع اللاعبين لوقف الحرب وترتيب صفقة حول مصير الأسد
واشنطن كانت متفائلة بانتهاء الأزمة السياسية وخروج العبادي منها قويا
إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية