القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: بين الحين والآخر يظهر عمل سينمائي يثير بعضا من الضجة، رغم تباين مستوى هذا العمل أو ذاك. وللضجة أسبابها التي يمكن حصرها في التعرّض إلى الموروث الاجتماعي أو الديني، وفي المحصلة يتمثل في الموروث السياسي للنظام الحاكم. ويتجدد الصخب ــ الفارغ في معظمه ــ حول العمل بين المؤيدين لحرية التعبير أو المعارضين حفاظاً على مصالحهم الخاصة، وهي مصالح فئة معينة في الغالب.
يأتي فيلم «مولانا» ــ سنتماشى مؤقتاً مع اعتباره فيلماً سينمائياً ــ لتتجدد بسببه المناقشات والحروب الكلامية والتهديد بالمنع، وما شابه من المواقف الهزلية المعروفة، بحجة التعرّض بشكل غير لائق إلى رجال الدين. وبما أننا نحيا في ظِل سطوة وسُلطة رجال الدين بالفعل، وهذا الكهنوت المزعوم بين شعب تنتمي أغلبيته للأمية الثقافية، فالمناخ مناسب تماماً لأن تعلو أصوات رجال الدين والمتأسلمين، الذين يرى بعضهم أن صورة رجل الدين على الشاشة أصبحت تنافس الأنبياء والأولياء قداسة، فيجب ألا يجسدها أحد المشخصاتية، من خلال شيء يكرهونه ويعتبرونه من قبيل الحرام، ألا وهو الفن، رغم أسلوب التقية المتفشي بينهم جميعاً على اختلاف مذاهبهم. ولن نلتفت إلى المحاورات والمقالات التي تبارت مؤخراً في الفضائيات والصحف حول فيلم «مولانا».
فالأمر يعود إلى تصفية حسابات من جهة، وتثبيت سُلطة دينية تحاول التحكم في أدق الشؤون الحياتية للمصريين من جهة أخرى، وكل هذا الهراء في النهاية يسير في مصلحة العمل، ويُعد دعاية مجانية، دون أن ينتبه المنتقدون الأذكياء.
العمل مأخوذ عن رواية للكاتب الصحافي إبراهيم عيسى بالاسم نفسه، أداء عمرو سعد، درّة، ريهام حجاج، أحمد مجدي، بيومي فؤاد، لطفي لبيب، أحمد راتب، مجدي فكري، صبري فواز وفتحي عبد الوهاب. سيناريو وإخراج مجدي أحمد علي. حوار إبراهيم عيسى. مدير التصوير أحمد بشاري. مونتاج سلافة نور الدين. ديكور هند حيدر. موسيقى عادل حقي. ملابس ريم العدل. ومن إنتاج العدل جروب.
رجل دين الفضائيات
بالمصادفة يصعد رجل الدين الشاب منبر أحد المساجد الشهيرة في القاهرة، في وجود رجال الدولة، فيصبح من رجال الدين المُعتمَدين في إحدى القنوات الفضائية، وبالتالي يتغيّر نمطه الحياتي وقد أصبح مُمتلكاً للشهرة والمال والتأثير في الجمهور، الذي معظمه مصاب بهوس ديني يتنافى مع أغلب سلوكه اليومي، هذا التعويض النفسي للجمهور يجعله أسير شيخ الفضائيات. وبالتالي يصبح الرجل في مرمى السلطة، التي تستغل صوته المؤثر لتنفيذ وتمرير سياساتها، لأنها عليمة بالتكوين النفسي للشعب. تتوالى الصراعات ما بين أوامر يجب عليه تنفيذها، إضافه إلى تورطه مع الأسرة الحاكمة وقتها ــ النظام جمهوري لكنه في حقيقته أكثر من المَلَكية ــ ويصبح في موقف غاية في الصعوبة، فلا التحايل الذي يعيشه، ما بين التصريح وإخفاء أفكاره الحقيقية ــ السخرية الهادئة من أفعال رجال السلطة وبعض المشايخ من السلفيين ــ سيستمر حتى النهاية، فكان لابد من الصدام مع هذه السلطة، طالما أصبح ــ ولو رغماً عنه ــ أحد أهم أدواتها في التأثير على الرأي العام، ولابد من استخدامه كما تهوى، وإلا خرج من وهم رحمتها، وأصبح عدوها الأول.
مصلحة النظام الحاكم
لا يرى النظام السياسي إلا نفسه، ولا يريد سوى إثبات وجوده، وبالتالي يضع جميع فئات المجتمع تحت رحمته، فيصبحون كالأضاحي، وهو الدائم الطواف حول ذاته. وتبدو الوقائع الحياتية تدليلاً على نتائج هذه السياسات، كالقتل والتهديد، والأهم إثارة المواطنين ليكونوا هُم يد النظام في التنفيذ، كالتخلص من أحد الشيوخ من معتنقي الفكر الشيعي، والنظرة الدونية للأقباط ــ أهل الذمة ــ مهما تعانق هلال مع صليب، ومهما التقطت التصاوير لقس يصافح ويحتضن شيخاً. هنا تتواتر القضايا التي لم نزل نغرق في هزليتها، وبرعاية النظام الحاكم نفسه، وما يعضده من كهنوت ديني، يحاول الحفاظ على وجوده هو أيضاً، ولا مأمن له ــ كما يظن ــ سوى التسبيح بحمد هذا النظام أو ذاك. حاول العمل فضح هذه الممارسات من خلال إثارة قضايا مثل.. الفتنة الطائفية، وأسباب الإرهاب والتطرف، وحقوق المرأة في الإسلام ومنهج المعتزلة ــ إعمال العقل في النصوص ــ المغضوب عليهم من الجميع، كذلك الحديث عن بعض حكايات التراث الديني، والفتاوى المنافية للمنطق والعقل والحِس الإنساني ــ كمعظم الفتاوى ــ مثل إرضاع الكبير وما شابه من الهذيان الجنسي الذي تعاني منه عقلية مدوني التراث الديني ومَن يسيرون في ركابهم. باختصار قضايا كلنا عايشها ولم نزل نعيش في ظلامها. فهل تغيّرت هذه القضايا والأساليب الآن؟
على اعتبار كونه فيلماً
«مولانا» الذي يُجاهد بدوره حتى يبدو فيلماً، مأخوذ عن عمل أدبي، ورغم ميزة الاستناد إلى أساس درامي يتمثل في رواية، إلا أن تحويل الأدب إلى سينما ليس بالشيء الهين. حاول المخرج مجدي أحمد علي الوقوف على أشد اللحظات درامية في النَص، وصاغ منها في النهاية تركيبة مُلفقة أطلق عليها مُسمى (سيناريو)، فظهرت الشخصيات كالدمى من ناحية، كما أن الأحداث المبتورة بدت غير مُبررة ومُفتَعلة من ناحية أخرى. ناهيك عن المباشرة في الحوار وكأننا أمام برنامج من برامج «التوك شو» المعهودة، التي أصبحت تسيطر على الجميع، وتصوغ حواراتهم وتصوراتهم عما يجري أمام أعينهم. وهو بالضرورة ما أثر على المعادل البصري لهذه الأفكار، هذا إذا وجدت معالجة بصرية من الأساس في ذهن مخرج العمل. هناك بالفعل بعض اللقطات ذات التكوين والإضاءة الجيدين، خاصة في مناطق القاهرة الإسلامية، حيث المساجد والحواري الأثرية، فالمكان بذاته يعد عملاً فنياً، ولكن.. كيف تم استغلال المكان والتكوين والإضاءة درامياً؟ فقط صورة مجرّدة من المعنى في النهاية.
لم تزل السينما في عُرف هؤلاء تتلخص في فعل الحَكي، الذي أساسه الحوار دون السرد السينمائي البصري بالأساس، والفارق شاسع ما بين الاثنين. فأنت أمام برنامج متواضع، يقوم على التحاور بين هذا الشخص أو ذاك، وما الألعاب التشويقية الباهتة ــ مثال بطرس الذي كان في الأصل متشدداً أصولياً، وقام بتفجير الكنيسة في النهاية ــ إلا ألعاب بهلوان تقادم به العُمر، وبات يعرف الجميع أفعاله المُكررة.
لتكن لعبة
عليك القيام بهذه التجربة أو اللعبة.. قم بعرض أي عمل درامي يُسمى فيلماً، دون أن تشاهده، فقط استمع إليه، فإن تواصلت معه، دون أن يعوقك عدم الرؤية، فأنت أمام عمل إذاعي أو برنامج حواري، فما تقوم بسماعه لا يُعرف بأنه فيلم، حتى لو أصر أصحابه لإقناعك بغير ذلك ــ معظم الأفلام المصرية يمكن سماعها دون مشاهدتها ــ ويبدو أن «مولانا» ينتمي إلى هذه النوعية من الأعمال، التي بدورها لا تنتمي إلى السينما ولو من بعيد.