«على البر… على البحر» قصائد تتصدر المبيعات لدعم الهاربين من الموت

حجم الخط
0

بغداد- «القدس العربي»: «نحن نتشابه جداً (يا نورمان)
بالرغم من كونك شخصية افتراضية
كنت أرى فيك نفسي، وأقرأ جميع أوجاعي حين كنت أراك تبكي
وأنت ترى الحرب تستعرض أمامك مفاتنها القبيحة، كعاهرة مشوهة !
نحن نتشابه جداً يا صديقي ..
فكلانا يضع في حقيبته الكاكية رواية حمراء وقنبلة يدوية
كلانا لا يستطيع النظر إلى جثث القطط النافقة، ومطلوب منا أن نخوض حرباً !
هل سمعت (يا نورمان) صوت تكسر تلك الأضلاع تحت سرفة الدبابة المجنونة؟
أنه بالتأكيد لا يشبه صوت (أيما) الجميلة حين تغني
ولا يشبه لحن المعزوفة التي كنت تعزفها قبل أن تصاب بلوثة الحرب
قبل أن ترى جثة (أيما) بين أكوام الخراب…»

بهذه القصيدة يقتحم الشاعر والفنان التشكيلي عمار بن حاتم عالم اللاجئين، يقرر أن يبني عالماً موازياً من على اليابسة، في الوقت الذي يرى فيه الجثث والتهجير والعنف يدور حوله وحول مدينته (كركوك) التي عشقها ورفض تركها رغم كل ما حدث ويحدث فيها.
كانت قصيدة عمَّار إحدى النصوص المشاركة في كتاب شعري صدر في بريطانيا بعنوان (Over Land over sea )، وهو الكتاب الذي يتصدر حاليا قائمة المبيعات للكتب الشعرية في بريطانيا، فضلاً عن اهتمام الصحف البريطانية في نشر وقائع هذا الإصدار.
أطلق على هذا الكتاب اسم (كتاب العام) بعد أن تم افتتاح الحفل الأول لإصداره مطلع ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي في مدينة ليستر البريطانية في جامعة De Montfort University وحفل الافتتاح الثاني في Secular Hall, Humberstone Gate Leicester وحفل الافتتاح الثالث الموافق 10 يناير/ كانون الثاني 2016 في Nottingham وستتم خلال الأيام المقبلة احتفالية الإصدار في London ومدينة Derby City للشعراء المشاركين في هذا الإصدار من كافة أنحاء العالم ومن مختلف المدن البريطانية.
صاحب الفكرة المؤسسة لهذا المشروع هو الناطق الإعلامي الرسمي لمدينة ليستر: السيد أمبروز موسياوا والذي خصص ريع الكتاب لدعم معاناة النازحين والمهجرين من بلدانهم، إذ نشأت فكرة المشروع بعد تصاعد أزمة اللاجئين الفارين من بلدانهم مثل سوريا والعراق، فكان هذا الكتاب دعماً لقضايا اللاجئين وتسليط الضوء على معاناتهم.
وفي الوقت نفسه ظهرت طرائق مختلفة من أجل دعم قضية اللاجئين في بريطانيا، فكانت معظم المؤسسات الفنية والثقافية البريطانية تقدم أعمالها بأساليب فنية وأكاديمية مختلفة لإيصال فكرتهم ودعمهم فكانت هناك الأفلام الوثائقية والمعارض التشكيلية والدراسات الأكاديمية، والمقالات والقصص السردية، واللقاءات الإذاعية مع مختلف شرائح الناس للتعبير عن مشاعرهم ومساندتهم، فضلاً عن عقد العديد من الندوات والمؤتمرات التي تسعى لجمع التبرعات والمنح لهؤلاء النازحين.
من أجل إصدار هذا الكتاب، تبرع (51) شخصاً بمبلغ (1303) جنيه إسترليني، في حين ساهمت فيه ثلاث مؤسسات خيرية: مؤسسة Leicester City of Sanctuary ، التي تعمل فيها ملكة الحداد كناشطة لدعم قضايا حقوق الإنسان، ثم مؤسسة Nottingham and Nottinghamshire Refugee Forum ، ومؤسسة Medecins Sans Frontieres . في حين كان الكتاب من إصدار مؤسسة Five Leaves البريطانية للطباعة والنشر.
وفي حديث لـ «القدس العربي»، قالت الناشطة المدنية ملكة الحداد إن نسبة الشعراء المشاركين 42٪، فيما كانت نسبة الشاعرات المشاركات 57٪ أما عدد القصائد المقبولة للنشر فكانت (101) قصيدة كتبت من قبل شعراء وشاعرات من جنسيات مختلفة مثل: بريطانيا، ايرلندا، ألمانيا، أميركا، استراليا، فرنسا، العراق، إسكتلندا، ويلز، إيران، الإمارات العربية المتحدة.
وذكرت الحداد أن لجنة التحكيم وتحرير الكتاب كانت مكونة من مجموعة من أساتذة الأدب الإنكليزي في جامعة De Montfort University in Leicester وبعض من الشعراء الرواد والكتاب الإنكليز وأبرزهم: Kathleen Bell, Emma Lee, Sionhan Logan …
هذه المشاركة، هي الأولى التي تعكس الثقافة العراقية وتبرز أضواءها في بريطانيا، ففي سبتمبر/ أيلول العام 2014 قدمت الناشطة ملكة الحداد كممثلة عن حملة حشد في المملكة المتحدة أمسية ثقافية لأجل مناهضة الإبادة الجماعية في العراق وبحضور جمع غفير من الشعراء والرسامين والموسيقيين «البريطانيين والعراقيين» مع تقديم أفلام وثائقية عن العراق. وفي يونيو/ حزيران من العام 2015 قدمت الباحثة ملكة الحداد ورقتها البحثية في المؤتمر الدولي لجامعة LSE في لندن بعنوان التغيرات السياسية وأثرها على المرأة العراقية.
غير أن الأمسية العراقية الأهم، وهي التي ستعقد في بريطانيا أيضا في مارس/ آذار المقبل، وستكون عبارة عن معرض وثائقي فوتوغرافي حول معاناة النازحين العراقيين، وتحديداً الانتهاكات الحاصلة ضد النساء والأطفال في ظل الصراعات المذهبية الدائرة في العراق.
وبالعودة لكتابنا (Over Land over sea)، فقد كان الصوت العراقي له صداه الخاص في ذالك الحدث الأدبي الثقافي من خلال مشاركة الشاعر العراقي «عمار بن حاتم» في قصيدته (أنا والحرب)، فضلاً عن مشاركة الشاعرة والناشطة ملكة الحداد في قصيدة (أطفال الحرب).
«عمار بن حاتم» شاعر من مدينة كركوك، كان شاهداً على التهجير والدمار الذي حلَّ بالمدن القريبة من مدينته، لهذا بدأ برسم الكثير من هذه المعاناة بأعمال نشرها في أكثر من مكان. يتحدث «بن حاتم» لـ «القدس العربي» عن تجربته ومشاركته في هذا الكتاب قائلاً: «سأتكلم عن بدايات هذه التجربة، كانت عن طريق نشر أحد أعمالي وهو (أطفال الحرب) عندما قمت بنشر صورة لأحد أعمالي الجديدة في صفحتي في «الفيس بوك»، وتمت مشاركة العمل في الكثير من الصفحات منها صفحة الصديقة ملكة الحداد، إذ أرسلت لي رسالة بعد ذلك أن العمل لاقى إعجاب كبير من قبل الكثيرين، وقد تم مفاتحتها عن اختيار العمل في فعالية تقام لدعم اللاجئين، وطُلب مني وضع تعليق تحت صورة اللوحة، كان هنالك نص يتكلم عن أطفال الحروب وكان هناك نص آخر يتكلم عن معانات الإنسان وقضية الحرب، وكان هذا النص مترجم إلى اللغة الانكليزية بالأساس، ترجمته هيفاء كاظم محمد، فقمت بإرسال النص لوضعه كتعليق تحت صورة العمل».
ويضيف «بن حاتم» أن الفكرة تبلورت فيما بعد لتكون كتاب كبير يضم مجموعة كبيرة من النصوص التي تتكلم عن معاناة الإنسان وفكرة اللجوء، يشارك فيه العديد من الكتاب من كل أنحاء العالم ويتم اختيار وجمع النصوص وتقييمها من قبل مجموعة من الكتاب والشعراء والأساتذة الإنكليز لوضعها في النهاية في كتاب واحد يتم طبعه وتوزيعه في بريطانيا ليذهب ريعه بالكامل، في نهاية الأمر، لدعم اللاجئين.
أما عن عدد الشعراء المشاركين في هذا الكتاب، فيبين بن حاتم أنهم كانوا أكثر من ثمانين كاتباً وشاعراً من كل أنحاء العالم، جميع النصوص كانت باللغة الانكليزية وجميعها كانت تتناول موضوعات إنسانية بحتة.
كان لموضوع البحر وغرق اللاجئين تأثير كبير على عدد من الكتاب من جهة، ومنظمات حقوق الإنسان من جهة أخرى، لهذا كانت فكرة الكتاب أن يتحدث الشعراء عن البحر وركوبه من قبل هاربين لا يعرفون اتجاهاً لإنقاذ حياتهم، الكتاب كان يبحث عن النجاة، على الأرض أو في البحر، وعن هذا يرى بن حاتم: (على البر… على البحر)، هكذا كان اسم الكتاب، البحر كان وسيلة أو طريقاً للهجرة، وكما ذكرت الهجرة كانت بطرائق مختلفة، لكن البحر كان هذه المرة مقبرة كبيرة للكثير من البشر الهاربين من أتون الحرب، من الجوع، من الحرمان والفقر، وكأنهم هاربين من الموت إلى الموت!
مشيراً إلى أنه ربما لو أنهم كانوا يعلمون أنهم سيكونون طعاماً للأسماك، أو أن جثثهم ستستقر في قاع البحر لفكروا قبل أن يهاجروا بحراً ألف مرة، أو أنهم تنازلوا عن فكرة الهجرة نهائياً، ربما! وقد يفكر في الوقت نفسه الكثير منهم في الهجرة لأنهم ميتون، وقد تكون هنالك فرصة ضئيلة في النجاة وهي تستحق المخاطرة، البحر كان البوابة العظيمة للخلاص، للموت وللحياة في الوقت ذاته!
أما عن نص (أنا والحرب) الذي شارك به بن حاتم في الكتاب، فيقول إن به قصة، فهذا النص كُتب عن إنسان مسالم وجد نفسه في لحظة ما في وسط الحرب، «كانت مقارنة بيني وبين هذا الإنسان الافتراضي الذي يشبهني إلى حد كبير من حيث المِحنة (محنة الحرب) ووجوده في الزمان والمكان الخطأ».
تناول بن حاتم موضوعة الحرب والإنسان وقيم الجمال والقبح والصراع من أجل الحياة بشكل مكثف ومختزل في هذا النص، فضلاً عن أحلام الإنسان الذي يتمنى أن يعيش في سلام بعيداً عن الحروب، «في المحصلة النهائية هي أمنيات وأحلام، الأرض صارت تعج بالحروب، فأينما تقلب وجهك فثمة حرب قريبة!».

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية