لندن ـ «القدس العربي»: كتب النائبان الجمهوريان ليندزي غراهام وجون ماكين مقالا في صحيفة «وول ستريت جورنال» ناقشا فيه أهمية الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد كطريقة للتخلص من خطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.
وقال النائبان إن الهجمات الجوية التي أعلن عنها الرئيس باراك أوباما ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» تستحق دعما من نواب الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حيث بدأت هذه الغارات بإضعاف التنظيم ، ولكنها أي الغارات لن تؤدي إلى تدميره بالكامل.
والسبب كما يريان هو غياب السياسة الفاعلة لدى الإدارة لتنحية الأسد عن السلطة وإنهاء النزاع في سوريا.
وينظر المسؤولون الأمريكيون للمدخل الذي تبنته الحكومة بأنه «داعش أولا» أما بالنسبة للأسد، فكما قال رئيس هيئة الأركان المشتركة مارتن ديمبسي فسيتم تأجيل قضيته للمستقبل. ويرى النائبان أن هذا تناقض في سياسة أوباما وأن الأسد قد يستفيد بطريقة غير مقصودة من ضرب «داعش».
ويقارن الكاتبان بين مطالب الرئيس أوباما في العراق وموقفه في سوريا. فبعد دخول تنظيم «داعش» مدينة الموصل في حزيران/يونيو الماضي طالب الرئيس أوباما برحيل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي حمله مسؤولية الأحداث، فصعود الجهاديين كان نتاجا لسياسات المالكي الطائفية وتهميشه للسنة. فبدون تنحية المالكي عن السلطة لن يتم القضاء على التنظيم. ويتساءل النائبان لماذا لا يتم تطبيق السياسة في سوريا؟ فالأسد كما يقولان هو من قام بخلق ظاهرة «داعش» من خلال ذبحه لأكثر من 200.000 سوري، وسماحه للتنظيم للنمو والعمل بدون خوف داخل البلاد «وحتى نواجه الواقع فإننا سنواصل إضعاف تنظيم الدولة الإسلامية فيما ستظل بربرية الأسد تعزز قوة التنظيم».
ويشيران إلى تناقض آخر في استراتيجية أوباما تتعلق بتدريب المعارضة، «فكيف سنقوم بتدريب وتسليح 5.000 سوري ونتوقع منهم النجاح ضد الدولة الإسلامية بدون توفير الحماية لهم من طائرات الأسد وبراميله المتفجرة؟ أو نتوقع من المعارضة السورية المعتدلة الإستفادة من الغارات الجوية على «داعش» بدون القيام بالتنسيق معهم؟» حيث تشكو المعارضة السورية من غياب التنسيق معها. وعوضا عن ذلك يقوم الأسد باستغلال الغارات ضد «داعش» لقتل الناس ويريد أن يكون شريكا للتحالف ، «وهذا ليس وصفة للفشل بل عمل غير أخلاقي» كما يقول النائبان.
الإدارة خاسرة
ويواصل النائبان القول إن جهود الولايات المتحدة لبناء الجيش السوري الحر لتحرير سوريا من شرور الدولة الإسلامية ستفشل طالما لم يتم التصدي للأسد. فسيكون من الخطأ افتراض وقوف النظام موقف المتفرج في الوقت الذي يحقق فيه الجيش الحر تقدما. ويعتقد الكاتبان أن الإدارة الأمريكية لن تحظى بشعبية طالما لم تتحرك لإنهاء حرب الأسد ضد شعبه. ويتساءل السوريون عن السبب الذي يدعو الولايات المتحدة ضرب «داعش» وترك النظام؟ وهذا يقودهم للإفتراض أن الولايات المتحدة لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة.
مما سيؤدي بالضرورة لتعزيز موقف «داعش» وإضعاف شركاء أمريكا من المعارضة المعتدلة.
ويشير النائبان إلى قصور آخر في استراتيجية أوباما لمواجهة «داعش» وتتعلق باقتصار الحملة على الضربات الجوية ومنع المستشارين العسكريين من العمل مع القوات العراقية والكردية مما يلغي تجربة 13 عاما من بناء القوات الأمنية في كل من العراق وأفغانستان. ويعتقد الكاتبان إن سياسة تضمين المستشارين للنصح ومساعدة القيادات العسكرية وتوجيه المقاتلات الأمريكية كانت عامل نجاح في العراق وأفغانستان. وأكثر من هذا فالغارات الجوية لن تكون ناجحة بدون قوات برية فالمهمة تظل غير مكتملة، خاصة أن تحديد الأهداف وتجنب قتل المدنيين يظل صعبا من الجو.
ويرى النائبان أن استراتيجية أوباما العسكرية في سوريا غير مترابطة مع هدفه السياسي القاضي بخلق ظروف لعملية «تحول» سياسي وانتقال للسلطة. فهدف كهذا يحتاج إلى إضعاف النظام وتقوية المعارضة السورية لتغيير زخم النزاع لصالح الأخيرة وخلق الظروف المناسبة للحل السياسي.
وحتى يتحقق هذا فيجب على أوباما منح دور كبير للمستشارين وبناء مناطق آمنة في سوريا وتحديد مناطق حظر جوي لا يمكن لنظام الأسد اختراقها. ويعتقد النائبان أن الدول الإقليمية المتحالفة مع أمريكا ترى أهمية في مواجهة خطري النظام السوري و»داعش». ورغم تعاطف النائبين مع الرئيس أوباما إلا أنهما يشيران للآثار التي تركها تردده على النزاع طول الأعوام الماضية، فغياب الدور الأمريكي أدى لصعود الدولة الإسلامية. وفي النهاية يرى ماكين وغراهام أن خطوة أوباما لمواجهة التنظيم جاءت متأخرة. فواقع الأمر يقتضي هزيمة كل من «داعش» ونظام الأسد.
وتأجيل حل الأزمة ـ أي النظام- سيكون ثمنه باهظا على حياة السوريين والأمن القومي الأمريكي. وعندما يتدهور وضع سوريا وهو ما سيحدث فستضطر الولايات المتحدة للتدخل بشكل قوي وفي هذه الحالة فستكون خياراتها محدودة حسب رأي النائبين. وتواجه إدارة أوباما مشكلة في التعامل مع الواقع السوري فبعد اسبوعين من القصف الجوي على مواقع «داعش» لم تنجح الغارات بوقف تقدم مقاتليه نحو البلدة الكردية المهمة، عين العرب (كوباني) حيث يتساءل الكثيرون عن الموقف التركي من الأحداث.
ويتساءل اللاجئون الأكراد عن السبب الذي يمنع الدبابات التركية المصطفة على الحدود منع تقدم «داعش»، وفوق كل هذا عن سبب تأخر الطائرات الأمريكية. ويتوقع لاجئون وصول الجهاديين للحدود في مدى أيام. وفي غياب الدعم انتشرت نظريات مؤامرة بين اللاجئين الأكراد الذين فروا باتجاه تركيا ونقل موقع «ديلي بيست» عن بعضهم اعتقادهم بوجود نوع من التفاهم بين الأتراك والأمريكيين لمنع نشوء دولة كردية في سوريا.
ونقل باتريك كوكبيرن من صحيفة «إندبندنت» ما نشرته صحف تركية عن زيارة زعيم حزب الإتحاد الكردستاني صالح مسلم لأنقرة ومطالبه من الأتراك التدخل لحماية أكراد سوريا، فاشترط الأتراك تخلي الأكراد عن منطقة الحكم الذاتي والقبول بمنطقة عازلة، وهو ما رفضه مسلم الذي عاد لكوباني. ويعتقد كوكبيرن أن سقوط البلدة يعتبر انتصارا مهما للتنظيم. ويقول آخرون إن القوات التركية ستتدخل بعد سقوط البلدة لحرمان الأكراد من الإنتصار. ويرى مراسل «ديلي بيست» جيمي ديتر أن سقوط كوباني سيكون نصرا رمزيا ل «داعش»، وسيظهر أن الجهاديين لا يزالون يحافظون على زخم المعركة رغم ما يتعرضون له من قصف جوي في العراق وسوريا.
ويرى الصحافي أن سقوط كوباني قد يؤدي إلى إشعال التمرد في داخل تركيا مما سيعقد من مهمة واشنطن إقناع أنقرة لعب دور مهم في التحالف الأمريكي ضد «داعش».
نظرية الحلقات الخمس
وليس الأكراد هم وحدهم من يتساءل عن استراتيجية «الصدمة والترويع» التي يقوم بها الجيش الأمريكي بل جنرالات سابقين حيث يقول العقيد المتقاعد من سلاح الجو الأمريكي جون وردين « يبدو «داعش» حتى هذا الوقت قادرا على العمل بدون مشكلة». وطور وردين نظرية الحلقات الخمس والتي تقوم على ضرب العصب الحساس للعدو- من القيادة والإتصالات والنقل والبنية التحتية والدعم الشعبي. ويقول العقيد المتقاعد إنه تم ضرب بعض القيادات الحلقة الأولى- وحقول النفط ـ الحلقة الثانية.
وتم تطبيق هذه النظرية أثناء حرب الخليج الأولى، عام 1991. وعلى خلاف قوات صدام حسين التي شلت إلا أن تنظيم الدولة لم يشل بعد. ويقول محللون إن الهجمات الجوية الأمريكية ليست واسعة بسبب غياب التنسيق على الأرض وعدم وجود من يحدد الأهداف ويوجه الطائرات على الأرض.
ويقول وردين إن الكثير من الأهداف يمكن العثور عليها من خلال طائرات التجسس وطائرات بدون طيار.
ولكنه اعترف أن المعلومات الامنية مهمة «ويجب توفر معلومات أمنية مهمة من خلال الأجهزة الأمنية السورية، ومساءلة اللاجئين الهاربين من مناطق سيطرة داعش». وتنفي الحكومة الأمريكية تنسقيها مع النظام السوري، وطلبت الولايات المتحدة من بعض تنظيمات المعارضة العمل على تحديد الأهداف إلا أن البعض الآخر مثل «جيش المجاهدين» ينفي وجود أي نوع من التنسيق مع المسؤولين الأمريكيين.
وعندما يتعلق الأمر بكوباني فعلى ما يبدو لا توجد أية جهود لجمع المعلومات من اللاجئين الأكراد، ولأن الولايات المتحدة تتعامل مع الأكراد كتنظيم إرهابي كون المقاتلين ينتمون لحزب العمال الكردستاني، فلا توجد أي خطوط اتصال.
ويرى الكاتب أنه بعيدا عن نظريات المؤامرة فالموقف الأمريكي من كوباني وغيرها يتساوق مع الموقف الأمريكي المتردد الذي وصفه مدير الإستخبارات ووزير الدفاع السابق ليو بانيتا في كتابه الجديد «حروب تستحق».
ويعتقد محللون أن تردد الولايات المتحدة بضرب مواقع «داعش» في كوباني، على الأقل بنفس الوتيرة التي توجه فيها ضربات للتنظيم في داخل العراق راجع لمحاولتها حماية التحالفات في منطقة الأنبار بين قبائل سنية والحكومة.
وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» للتحالف السري الذي جرى بين الحكومة وعشيرة عزة التي عانت من ممارسات «داعش». ففي الشهر الماضي توصلت القبيلة لاتفاق مع المسؤولين العسكريين وقوات الشرطة تقوم من خلاله السلطات بتوزيع أسلحة على 1.150 من أبناء القبيلة مقابل مساعدتهم الحكومة لمواجهة «داعش». وبعد أيام استطاعت القبيلة بالتعاون مع قوات الحكومة والميليشيات طرد الجهاديين من 13 قرية في محافظة ديالى.
وجاء تعاون عشيرة عزة مع قوات الحكومة بسبب تطاول «داعش» على مشايخ العشائر في ديالى حسب عثمان العزاوي، أحد مشايخ عزة وعضو مجلس المحافظة. وقال العزاوي إن «داعش» حاول تخريب نظام القبيلة وتحطيم الروابط القبلية بينها. وتشير الصحيفة لمظاهر قصور استراتيجية أوباما بالاعتماد على الغارات الجوية فقط والتي لم تمنع مقاتلي «داعش» من التقدم نحو بلدة كوباني.
مضيفة أن استراتيجية الحكومة العراقية تقوم على دمج مقاتلي العشائر في وحدات من الحرس الوطني في المناطق السنية التي يسيطر عليها «داعش».
وترى الصحيفة في تحالف الحكومة مع عشيرة عزة صورة عن تحالفات أخرى مدفوعة بالمصلحة المشتركة والتي تمت مع عشائر أخرى لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.
وشاركت قبائل في معارك إلى جانب القوات الحكومية والميليشيات الشيعية. ففي ديالى التي تبعد 50 ميلا عن العاصمة بغداد، شارك أفراد من عشيرة الجبوري القوات الحكومية في معركة استمرت لعدة أيام.
وتشمل الإتفاقيات تقديم أسلحة للقبائل وأحيانا منح مالية. وفي بعض الحالات لا يتعدى الأمر سوى تفاهم بين الحكومة والعشيرة رغم العداء المستحكم الذي تبديه العشائر لحكومة بغداد. وقال وصفي العاصي العبيدي، الذي يترأس مجلسا للعشائر يعادي «داعش» أن معظم القبائل تتعاون مع الحكومة للضرورة ولكن على «الحكومة العراقية والتحالف تسليحنا ودعمنا لأننا نحن من يقاتل على الأرض».
مضيفا «يعرفون هذا جيدا وهم بحاجة لقواتنا على الأرض». وتعتبر التحالفات الجديدة تطورا خاصا أن الحكومة السابقة فشلت في تجنيد العشائر السنية، ولم تنجح حكومة نوري المالكي إلا بالتفاهم مع سبعة عشائر في الرمادي وقدمت لها السلاح وذلك بعد تقدم قوات «داعش» في محافظة الأنبار بداية العام الحالي. وبحسب أثال الفهداوي من مجلس مدينة الرمادي فقد تراجع الدعم منذ ذلك الوقت. ويرى الفهداوي أن معظم مناطق الأنبار سقطت بيد «داعش» بسبب ضعف الدعم «لم تلتزم الحكومة ولم تقدم لنا ما نريد».
وفي تطور آخر انضمت قبائل البيات لقوات الحكومة العراقية وقوات البيشمركة وطردت «داعش» من اربع قرى من منطقة طوز. وانضم أفراد من عشيرة البو نمر في هيت للقوات الحكومية للدفاع عن البلدة والتي سقطت بيد «داعش».
ويساعد أفراد من عشيرة الجغايفة القوات الحكومية للدفاع عن سد الحديثة، وفي الرمادي يعمل أفراد من عشيرة البو الفهد مع قوات الحكومة ضد «داعش».
وقالت الصحيفة أن هناك عدد من العشائر من البوعلوان والبو فياض والبو عيسى والبو شعبان والبو خليفة تقوم بالتنسيق مع الحكومة في الأنبار.
وترى الصحيفة أن حكومة بغداد تحتاج لتجاوز مسألة الثقة وتجاوز البعد الطائفي في محاولتها لكسب القبائل السنية. ففي منطقة تكريت تقاتل قبيلة الجبور إلى جانب القوات الحكومية لكنها لا تزال تشك في نوايا الأخيرة.
وقال أبو عبير الجبوري أحد مشايخ القبيلة «ببساطة لا نثق بالحكومة».
إبراهيم درويش