على الدولة أن تعرف كيف تدافع عن نفسها!

حجم الخط
0

الأعمال التي تقوم بها محافل الإرهاب اليهودي، والتي تسمي نفسها ويسميها الآخرون بأسماء مختلفة، تلحق ضررا جسيما بدولة إسرائيل، ولكن لا يمكن تشبيهها بقتل طفلة بريئة في مسيرة الفخار على يد متزمت ديني. يشاي شليسل هو مجرم يحركه مذهب فكري، ولكن ليس خلفه اغلب الظن اي منظمة او جماعة. وهو على ما يبدو مريض نفسي او مجرم اخطأت المحاكم في حكمه والشرطة لم تقدر على نحو سليم اجرامه، ولكن هذه ليست ظاهرة جماعة إرهابية.
وبالمقابل فإن الإرهاب اليهودي الموجه ضد العرب، وفقط لانه عرب هو إرهاب منظمة وهو يأتي من اوساط جماعة واضحة تدفعه إلى الامام وتبرره، وليس له حدود ـ كل عربي هو ضحية محتملة، هذا الإرهاب مرفوض وضار على ثلاثة مستويات على الاقل:
1. مستوى صراع إسرائيل ضد محافل الإرهاب في العالم. إسرائيل ستجد صعوبة في أن تشرح لماذا عندما لا تنجح في تصفية الإرهاب الداخلي فيها، تنزل باللائمة على الاخرين ممن لا يفعلون ما يكفي كي يقاتلوا ضد الإرهاب الذي يعمل عندهم. والقول: «اعملوا عندكم قبل أن تزايدوا على الاخرين، سينطلق في العالم أكثر فأكثر. اما مطالباتنا بالحاجة إلى معالجة اكبر للإرهاب الإسلامي ضد اليهود في ارجاء العالم فستبدو اضعف، في الوقت الذي يوجد فيه عندنا إرهاب يهودي ضد المسلمين وتحرق مؤسسات دينية مسيحية (والحمد للرب انها بلا اصابات).
2. المستوى الرسمي اليهودي في بلاد إسرائيل. اظهار سيطرة إسرائيل كدولة هام لكل من يريد استمرار وجودها في منطقة مفعمة بالاحتكاك كمنطقتنا. ناهيك عن أن هذا المبدأ هام حتى اكثر لدى كل من يحلم ويأمل الا تقسم بلاد إسرائيل، وان تكون دولة إسرائيل صاحبة السيادة بين البحر والنهر.
كيف يمكن لأحد ما أن يفكر في ذلك وان يدفع إلى الامام خطوات في هذا الاتجاه، إذا لم تكن دولة إسرائيل تنجح في اقامة حكم ناجع على مواطنيها هي في داخل هذا المجال؟ فكلما احترقت الارض، فان الضغط «لايجاد حل» في شكل فصل بين اليهود والفلسطينيين سيزداد، وفي المستقبل لا يكون هناك اي احتمال في تحقيق حتى ولا قبول صامت في العالم لسيطرة إسرائيلية في المناطق في وضع من الإرهاب المستمر، وبالتأكيد الإرهاب اليهودي.
لم تعترف اي دولة في العالم في حق إسرائيل بالسيطرة على الفلسطينيين. ولكن الكثير منها تفهم بأنه لا يوجد الان بديل إذ لا يوجد عنوان للمفاوضات او للاتفاق في الطرف الاخر. قسم (صغير) من دول العالم تفهم حتى مخاوف إسرائيل من تعاظم الإرهاب العربي، ان لم تسيطر إسرائيل على المنطقة. كل هذه الحجج الامنية ستتبدد إذا ما وقعت احداث إرهاب يهودي كثيرة في المنطقة، إذا ما شعر العالم بان حياة الفلسطينيين غير آمنة تحت الحكم اليهودي المفروض عليهم.
3. المستوى الاخلاقي. «لا تقتل» هو قول واضح ولا لبس فيه في الوصايا العشرة، دون تمييز بين يهودي او غير يهودي. ومنع سفك الدماء هو واجب اسمى حتى لبني نوح وليس فقط لليهود، وهو ينطبق على عموم ابناء البشر. وحتى حين كان مسموحا حسب القانون فرض عقوبة الموت على خطايا معينة، قرر حكماؤنا في سدة الحكم بان قرارا كهذا مرة كل سبعين سنة، يعتبر «قتلا».
حجة «هم ايضا يقتلون» مهينة ومثيرة للحفيظة، الا إذا كان احد ما يريد أن يتشبه بداعش أو بحماس، فأحد لا يفكر بقتل مواطنين فلسطينيين، اطفال او كبار، سيردع اي من محافل الإرهاب التي تعمل في المنطقة. فهذا قتل لغرض تخويف المواطنين الابرياء، ولهذا فانه يستجيب للتعريف الاكثر تشددا للإرهاب (جبان).

اختبار الحل

يعرف العالم اليهودي جيدا ظواهر التزمت الاجرامي في اوقات الضغط. هكذا كان في زمن الحصار الروماني في القدس. الحكم في حينه كان اضعف من ان يعالج اولئك المتطرفين، الذين سرعوا بافعالهم النهاية ـ إذ اضعفوا بجسارتهم المتطرفة والاجرامية قدرة صمود سكان القدس. كانوا واثقين من أنهم يعملون باسم الرب تعالى اسمه وبتكليف منه، بما لا يقل قناعة من محافل الإرهاب اليهودي اليوم.
حيال تحديات من هذا القبيل لا يكون للدولة بديل غير الدفاع عن نفسها. من نواح معينة يعد هذا تهديدا اشد من تهديد الإرهاب العربي رغم أن الاخير هو بالطبع اجرامي عشرات الاضعاف. ولما كان الخطر هنا ينبع من داخل المجتمع اليهودي، مجتمع الاغلبية الحاكمة للاخرين، فان خطر فقدان التحكم يصبح اكبر بكثير.
فضلا عن ذلك، فان استمرار هذه الافعال يخدم كما اسلفنا دعاية اعدائنا. حيال عدو خارجي يعرف المجتمع في إسرائيل كيف يتحد ويتصدى. فهل ستكون له القوة وسيبقى تراصه عندما يتعاظم الإرهاب الداخلي. لست واثقا من أن الجواب على ذلك ايجابي، وبالتأكيد ليس جوابا يسهل الرد عليه بالايجاب.
دولة اليهود الحديثة توجد في بداية طريقها. ثمة غير قليل ممن يشككون في قدرة اليهود على ان يقيموا على مدى الزمن حكما سياديا ناجعا. حتى الان صمدت دولة إسرائيل بشرف عظيم في اختبار الاقامة والوجود، والان عليها أن تصحو. لقد وجدت الدولة حلولا جيدة لتهديدات الإرهاب الخارجي، الإرهاب العربي أو الإيراني الذي مصدره من خلف الحدود، في داخل يهودا والسامرة وحتى في داخل الحدود القديمة للدولة (ما يسميه الكثيرون «الخط الاخضر»).
والان عليها أن تجد حلا للإرهاب المستمر الذي تقوم به محافل متطرفة في اوساط المواطنين اليهود. يدور الحديث عن جماعة صغيرة للغاية، لا تمثل بسلوكها غير قلة قليلة جدا من العاطفين من خارجها، وليس لها دعم واسع في اي مكان.
بعد زمن طويل كهذا لم ننجح فيه في الدخول اليها واعتقال معظم اعضائها، تعترف اجهزة انفاذ القانون، المخابرات والشرطة، بانه بالادوات التي تحت تصرفها فشلت في المواجهة، والواقع يثبت ذلك بوضوح.
وعليه، فيجب النظر في الوسائل الأخرى التي لدى الدولة كي تقاتل الإرهاب، صغير الكمية ولكن عظيم الضرر. هكذا مثلا، لا ينبغي الخوف من الاعلان عن هذه المنظمات «منظمات إرهابية»، لا ينبغي الامتناع عن الاعتقالات الادارية إذ فيها منفعة، ولا ينبغي الخوف من رفع العقوبات على الافعال السيئة، بشكل كبير ورادع.
يحتمل ان يبدو بعض هذه الوسائل للمراقب الحيادي تعسفية بالنسبة لما ينبغي للديمقراطيات ان تتعامل به تجاه مواطنيها، ولكن ينبغي الفهم ـ في ضوء الخطر الكبير النابع من افعال منظمات الإرهاب اليهودي، بانها مبررة كل هذه الوسائل على أن تتوقف الظاهرة المقلقة.

إسرائيل اليوم 14/8/2015

يعقوب عميدور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية