رغم التصعيد الأخطر على حدود القطاع منذ انتهت حملة الجرف الصامد قبل نحو أربع سنوات، فإن الاحساس هو انه لا يزال ممكنا الامتناع عن الانزلاق إلى معركة واسعة. الكثير يتعلق أساساً بـ«حماس»، وبردها على الهجمات التي نفذها الجيش الإسرائيلي في القطاع هذه الليلة.
التدهور الحالي لم يبدأ امس، بل مع فشل «مسيرة المليون» التي خططت لها حماس في يوم النكبة قبل نحو أسبوعين. ففي محاولة للحفاظ على الاحتكاك مع إسرائيل، قررت المنظمة تحويل منطقة الجدار إلى مجال إرهاب، وسمحت بتنفيذ عمليات فيه من إطلاق الطائرات الورقية المشتعلة والزجاجات الحارقة، وحتى النار وزرع العبوات، الأحداث التي أدت إلى قتل ثلاثة من نشطاء الجهاد الإسلامي. ظاهراً، النار أمس كانت رداً من الجهاد على قتل رجاله. فاطلاق قذائف الهاون في الصباح أقرته حماس، التي يبدو أنها اعتقدت ان الرد الإسرائيلي سيكون هزيلا، رفعا للعتب، وهكذا تنتهي الجولة الحالية من المواجهة.
في ذات المرحلة امتنعت حماس عن المشاركة النشطة في إطلاق النار، ولكن الرد الإسرائيلي الواسع، والذي تضمن الهجوم على عشرات الآلاف (بما في ذلك تدمير نفق في جنوب القطاع)، سبّب لها ضغطاً هائلاً للرد من جانب نشطائها ومن جانب أعضاء المنظمات الأخرى.
في حماس لم يرغبوا في فقدان السيطرة على الأرض، فقرروا الانضمام إلى اطلاق النار. «متلازمة فتح» وصف هذا مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي، وقصد تخوف حماس من أن تعتبر كمن تجلس على الجدار ولا تشارك مشاركة فاعلة في الكفاح الفلسطيني.
يحتمل أن يكون الإحباط المتواصل من الوضع الاقتصادي في القطاع، والفترة الطويلة التي يجلس فيها نشطاء المنظمة متبطلين بلا عمل، ساهم هو الآخر بقرارها للعمل.
ومع ذلك، حرصوا في المنظمة على إقرار النار فقط نحو البلدات المجاورة لحدود القطاع، وعدم توسيعها في هذه المرحلة إلى مدن أبعد أيضاً من اسدود وبئر السبع وحتى تل أبيب.
في إسرائيل ترددوا أمس في شدة الرد، ولكن الرأي السائد كان انه يلتزم عملاً قاطعاً للايضاح لحماس بأنها تجاوزت هنا خطاً أحمر.
إعلامياً ألقت إسرائيل بمسؤولية مزدوجة على التصعيد في الجنوب ـ على إيران، التي تمول وتشجع، وعلى حماس، التي تسيطر على الأرض ـ عملياتيا صوبت أساسا نحو حماس، وبقدر أقل نحو الجهاد، رغم مسؤوليته المباشرة عن التصعيد. ولكن في الجانب الإسرائيلي أيضاً حرصوا على ألا يحطموا الأواني، وسعوا للامتناع قدر الإمكان عن مصابين فلسطينيين.
يستهدف هذا بالأساس السماح لحماس بمجال مناورة وكبح، قبل الانزلاق إلى معركة واسعة. صحيح أن الجيش الإسرائيلي استعد لهذه الامكانية (فقد انعشت المخططات في الأسابيع الأخيرة، وتعززت القوات منذ يوم النكبة، وفي عدة مراكز نشرت بطاريات القبة الحديدية وجرى انتشار عملياتي واستخباراتي مكمل)، ولكن الجيش يفضل بالطبع الامتناع عن هذه الامكانية.
من يمكن أن يساعد في ذلك هما مصر وقطر ـ اللتان توسطتا بين الطرفين ومنعتا التصعيد قبل أسبوعين ـ ولكن صحيح حتى يوم أمس كان عملهما هامشيا فقط.
المعنى هو أن القرار في يد حماس. إذا كان ردها على الهجمات الواسعة التي قام بها الجيش الإسرائيلي في الليل طفيفا، فان إسرائيل هي الأخرى ستتمكن من تخفيض مستوى اللهيب. وفي المقابل، إذا بدأ هذا الصباح أيضاً بمعجزات لشبه إصابة لروضة أطفال او مدرسة (ولا سمح الله مع مصابين)، فستكون إسرائيل مطالبة بأن ترد بقوة، ومن شأن الوضع أن ينزلق إلى فقدان السيطرة.
الرأي السائد في إسرائيل هو ان حماس معنية بالامتناع عن ذلك، ولكن سلوكها الآن مشوش وفي حالة ضغط، وهي وصفة معروفة للاخطاء. وحتى لو نجح الطرفان في نهاية المطاف في التملص من التصعيد، فلا يمكن أن نرى في ذلك نهاية تامة.
غزة تعتمل لعدة أسباب أبرزها هو الوضع الاقتصادي والإنساني الصعب فيها، مضافاً اليه الإحباط السياسي المتعاظم.
في هذا الوضع، وعلى خلفية فشل حماس في أن توفر لسكان القطاع الحلول، يمكنها أن تأخذ واحداً من طريقين ـ الهدنة أو الحرب. صحيح حتى يوم أمس، كلا الخيارين على الطاولة.
إسرائيل اليوم 30/5/2018