على خطى فلوبير رحلة لكاميرا فؤاد الخوري إلى وادي النيل: «مسلسل مصري» عين تبصر الماضي بمنطق معاصر

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: تشي عين الكاميرا لدى فؤاد الخوري بأن لخطواته رؤية محددة، وأهدافا لا تنقضي بالفوز بصورة. فصلته بالكاميرا أبعد من كونها مهنة وحسب، بل بينهما سيناريوهات وحكايات تبدأ من جذور متينة، وتبرز شغفاً بما يتشارك به مع الجمهور. بعد مرور مئة وخمسين سنة على رحلة الاستشراق التي قام بها فلوبير إلى مصر، مشى الخوري الدرب عينه.. برفقته كاميرا، ومزودا برغبة في الوصل بين رحلات الاستشراق ومصر الحديثة. وهكذا ولد «مسلسل مصري» بالأبيض والأسود.
سنة 1849 بدأت رحلة مكسيم دو كامب وفلوبير إلى مصر. اصطحب الأول معه كاميرا، وأقنع أكاديمية المعارف في باريس بإرساله في بعثة. وانتدبت وزارة التجارة والصناعة فلوبير في مهمة كتابة انطباعاته عن مصر. ومن فرنسا وفي سنة 1989 ركب فؤاد الخوري الباخرة متوجهاً إلى الإسكندرية، ومنها بدأ بتتبع خطى دو كامب وفلوبير في وادي نهر النيل. وبهذا الصدد يقول: أسفر العمل الذي تمّ انجازه بين 1989 و1990 عن مجموعة من الصور بدأت تدير ظهرها، شيئاً فشيئاً إلى قصة البداية الاستشراقية، وتتحول إلى قصة خيالية شخصية تستند إلى مصر المعاصرة. طُبع العمل عام 1999 في دار نشر Actes Sud فرنسا. توزع الكتاب على أربعة أقسام وخاتمة. الضفة الشرقية للأحياء «المدن». الضفة الغربية للأموات «الهياكل». الغياب «القبور» والتقمص «كوشوك هانم» المرأة التي أحبها فلوبير، وقد ذاع صيتها بعد وصفه لليلة أمضاها معها، في رسالة خطها إلى صديقه لويس بوييّه.
«مسلسل مصري» مشوق أنجزه فؤاد الخوري عبر الصور، وعرضه في كاليري «تانيت» في بيروت. مجموعة من الصور خزّنتها عين منشغلة بمكونات الجمال في المشهد المنقول، وعين تتبصر الماضي، بمنطق معاصر. في صالة فسيحة انتصبت الطبيعة مع الحياة على ضفة النيل. صور كبيرة، بل هي جداريات، كفيلة برواية ما للمكان من حضارة منغرسة عميقاً في الحضارات القديمة. هو زمن منثور كما العشب، يحتاج لجمع وترميم. تلال رمادية، وما يشبه الأهرامات المتداعية. مساحات ممتدة، تأنس لبعض أشجار متباعدة، صورة تصيدتها، عين الكاميرا، ودبت فيها الحياة بوجود جمل يتفيأ من قيظ الشمس. صور متقنة، مشاهد مختارة بعناية وهدف، نفترض منه أن صاحب المشروع في السير على خطى دوكامب وفلوبير، يرغب التأكيد من جديد على أهمية المكان الحضارية. صورته مشغولة بكل مساحتها بعناصر الغنى. تتبصر في كل جنباتها لتخلص بأن ملتقطها، أراد منها أن يشحننا ذهنياً وبصرياً، بل أن يغذي ذاكرتنا، خاصة في هذا الزمن السلبي في الصور والأفعال.
بالولوج إلى المنطقة الثانية من الصور ـ جميعها بالأبيض والأسود ـ مجموعة كبيرة منها بحجم صغير، تزنر الجدار. صور ميزتها الحياة المزدهرة على ضفتي وادي النيل، وتوزعت بين الأحياء والأموات. وفي الحالتين كانت له خيارات تعكس مناخات الحياة المصرية على مستويات عدة. إنما تميزت من بينها تلك الحياة الشعبية الصادقة والعفوية. منها حياة المقهى، الأسواق، الحنطور، محطة القطار، أم كلثوم بعظمتها، وصورتها تعلو مقهى في الأقصر. للعيش في المقابر حضوره، فهو جزء لصيق من الحياة الشعبية المصرية.
فؤاد الخوري رسم سيناريو لبعض صوره. لم يترك ملهمة فلوبير «كوشوك هانم» بحالها. مددّها على كنبة باسترخاء، وغطى وجهها بمروحة. وبقيت في بالنا اسماً بدون قسمات وجها نتفاعل معه. حاك حديثاً بين فتاة ورجل مصري بجلباب. وكما كانت «كوشوك هانم» ملهمة فلوبير، كان للخوري بطلة لـ»مسلسله المصري». هي المرأة نفسها أضفت حياة بخفر وهدوء على أماكنه الحميمة. وهكذا كانت ملهمته تتسلل إلى التاريخ، وتبث فيه روح الحاضر، بعيداً عن الاستفزاز.
ترافق المعرض مع فيديو، ينقل جزءاً مما عايشه الخوري على امتداد رحلته الاستكشافية لأرض الكنانة. بيعت صوره في هذا المعرض بين 5500 و6000 يورو.
فؤاد الخوري مواليد سنة 1952 ـ حفيد أول رئيس جمهورية للبنان الراحل بشارة الخوري ـ درس الهندسة في لندن، ثم اختار التصوير مهنة. كانت له عشرات المعارض في الدول العربية وأوروبا. رافق الراحل ياسر عرفات على متن الباخرة التي أقلته من بيروت إلى تونس في صيف سنة 1982. قريباً سيكون معرضه «مسلسل مصري» في Paris Photo.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية